قبل اختيار العناوين المحددة من بين الكتب التي صحبتنا خلال الأيام والأشهر الأخيرة لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ القراءة قد تفقدُ أهميتها عندما تصبحُ روتيناً، أو عرفاً لا يبدلُ شيئاً من نسق تفكيرك، وهذا الاحتمال يكون وارادا أكثر حين تغريك منطقة الأمان بالمكوث، لذلك من الضروري في عملية القراءة أن لا تكون صدى لغيرك في المتابعة والفهم، ومن المهم أن تنصب الأولوية على التنقيب اقتناصاً للكتب التي تصدمك بالكشف عن سباحتك في حوض فارغ. وتكسر قواعد التفكير وترفعُ الغطاء بينك وبين «اللامفكر فيه» في منهجك، إذا لم تكن القراءة بهذا النفس فإنَّ ما نقومُ به لا يعدو كونه استهلاكاً للمادة المنشورة، ولا يؤدي ذلك بالتأكيد إلى ارتدادِ على الزوايا التقليدية للنظر صوب الواقع والمُعطيات الوجودية. وبالتالي لا يحق لنا الاستغراب من وفرة الإصدارات مقابل الجمود العقلي. ما يُقدم في هذه الزاوية عناوينُ قد تفكُ الإطار ولو جزئياً عن الذهن الغارق في القراءة العرفية والاستهلاكية.
منطق ابن خلدون
يبحثُ علي الوردي في هذا الكتاب عن معالم الثورة المعرفية التي دشنها ابن خلدون. إذ انقلب صاحب المقدمة على مبادئ المنطق الأرسطي، ويشيرُ الوردي في سياق دراسته للمنهج الخلدوني إلى التسلسل الذي تتخذه الإرادة المعرفية، قبل الطفرة التي يشهدها منطق التفكير، إذ يُذكّرُ مؤلف «وعاظ السلاطين» بسيادة القياس المنطقي والاستنباط على العقول، لأمدٍ غير قصير، لافتاً في هذا الصدد إلى جملةٍ من الآراء المبنية على القياس الاستنباطي، وهي لا تخلو من الغرابة والعجائبية. يُسجلُ السبق برأي الوردي للخروج من دائرة المنطق الأرسطي، لكل من الغزالي وابن تيمية، فالأول على الرغم من اعترافه بصحة العقل المنطقي قياسا بالحس، لكن يضعه في درجة أدنى من مرتبة الكشف الصوفي. أما الثاني فيذهب إلى أن الكليات العقلية قد تكون بديهية أحياناً، كما في العلوم الرياضية غير أنَّ بقية المجالات العلمية تستمدُ منطقها من التجربة. ويعتقد علي الوردي أنَّ ابن تيمية قد مهد برأيه هذا للمبدأ الاستقرائي. يناقشُ الكاتبُ نظرية ابن خلدون مخالفاً ما قاله ساطع الحصري، إنَّ جوهر النظرية هو العصبية كما لا يتفقُ مع طه حسين في رأيه بأنَّ نظرية ابن خلدون هي الدولة. يرى الوردي أن محور النظرية يدور حول البداوة والحضارة. ما يمكنُ قوله بالإجمال إنَّ علي الوردي يرصدُ شكلين من المنطق في كتابه أولاً، المنطق الاستنباطي القياسي، ثانياً المنطق الاستقرائي، مقارناً بين القراءات المنطلقة من المنهجين للظواهر والصراعات والتحولات التي تجدُ طريقها إلى مطبخ التاريخ البشري.
النهضوي الأخير
يعودُ الدكتور حسام أحمد في كتابه الصادر باللغة الإنكليزية «النهضوي الأخير طه حسين وبناء المؤسسات في مصر» ترجمه موسى الحالول، إلى أحد أبرز روَّاد الحراك التنويري في العالم العربي. ما يجدرُ بالتنويه هنا أنَّ استعادة طه حسين بكل ما يرمزُ إليه من الفرادة في التفكير الاستشرافي والعمق في الإيمان بدور المؤسسات العلمية واستقلاليتها، ليس الغرضُ منها اجتراراً نستولوجيا لزمنٍ قد مضى، بقدر ما يجبُ أن يكون الهدفُ من التأمل في تجربة طه حسين، تأكيداً على أن المثقف يستمدُ جدارته من مراقبة الواقع، وتحديد أمراضه الاجتماعية والفكرية، كذلك ما يميزُ مفكرين من معدن صاحب «الأيام» هو عدم الالتفاف على الأزمة والجرأة على تسمية الأشياء بمسمياتها والدليل على ذلك ما أورده حسام أحمد من آراء عميد الأدب العربي عن ضرورة وجود ميزانية مرصودة للتعليم، وأن لا يصرفُنا العدوُ الخارجي عن العدو المقيم في الداخل وهو، الفقر والجهل والمرض، والشعب الجاهل لا يمكن أن ينشئ جيشاً قوياً كريماً يقدر الوطن.
ومن الأقوال التي ينقلها الكاتبُ عن طه حسين هو كلامه التحذيري من أن يحكمَ الناس أشباه المتعلمين «الويل كل الويل لبلدٍ يحكمه أنصاف المتعلمين»، تكمنُ قيمة هذا المؤَلف في تغطية كل ما قدمه طه حسين على المستوى التعليمي، والإبانة عن دوره الفعال في حماية استقلالية الجامعة، إذن أنت من خلال هذه الدراسة تتعرف على الوظيفة التربوية لطه حسين إلى جانب صورته أديباً ومؤرخاً ومجتهداً. وتتأكدُ بأنَّ كل بحث عن منارة النهضة الفكرية يؤدي إلى طه حسين.

الشرُّ والوجود فلسفة نجيب محفوظ الروائية
عالم نجيب محفوظ الإبداعي، لا يمكن الاستغناء عنه، ولا تنتهي الرحلة بقراءة متونه الروائية، بل يستدعي الكشف عن أبعاده متابعة ما ينشرُ عنه وما تقوله الحفرياتُ عن تطريزات أعماله وآلياته في التنظيم والتجدد. يسلكُ الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل دراج في كتابه منهجاً مقارناً لاستبطان رؤية محفوظ الإبداعية ودراسة فلسفته للحياة والوجود، وهو يُذكرنا في المقدمة بأنَّ نجيب محفوظ كان طالباً نابغاً في كلية الفلسفة، وتوسلَ من النص الروائي أن يكون ملعباً للجدل بين التاريخ والفلسفة، فقد أراد أن يضيء أسئلة الفلسفة بإجابات التاريخ من جهة، وأن يقرأ التاريخ قراءة فلسفية من جهة أخرى. يبدأُ دراج تنقيبه بالوقوف عند المرحلة التاريخية في سيرة نجيب محفوظ الإبداعية، مشيرا إلى أن صاحب «زقاق المدق» أعلن منذ نصوصه الأولى عن وحدة نقد السلطة والكتابة الروائية. بعد موت التاريخ وإسدال الستار على رموزه الفرعونية، يديرُ محفوظ دفة أعماله نحو الواقع. وينتقلُ بمسرح الحدث إلى الجامعة في «القاهرة الجديدة» ومن ثمَّ يتابعُ فيصل دراج المفردات التي تنهض عليها الرواية المحفوظية «السلطة، الفتوة، الاستبداد، التمرد»، ويفردُ فصلاً لمناقشة مفهوم المفارقة في أدب نجيب محفوظ، موضحاً أن التمثيل بالضد هو جوهر المفارقة. ويرصدُ فيصل دراج موقع هذه اللعبة في «خان خليلي» والثلاثية، ويضيف عنصر الصدفة إلى قراءته لرواية «اللص والكلاب»، ليس هذا كل ما يتابعهُ الكاتبُ في منجزه النقدي، بل إلى جانب بحثه التأملي في تضاعيف روايات محفوظ بمراحلها المتعددة، بدءاً من التاريخية مروراً بالواقعية والرمزية، وصولاً إلى الملحمية، يقارنُ فيصل دراج بين خط الكتابة لدى محفوظ والاتجاهات الرواية العالمية كما يُمثلها كل من بلزاك دوستويفسكي وتوماس مان وروبرت موزيل. ما يمكن قوله بالاختصار، إنَّ دراج يبحثُ في مسعاه النقدي عن الأسئلة الفلسفية المضمرة في بصمة محفوظ الإبداعية.
الإنسان على المحك
لعل أهمَّ سؤال يرمي به علي حرب على طاولة النقاش في كتابه الجديد «الإنسان على المحك المركزية البشرية والتوازن البناء» هو عن موقعنا في العالم. أين نحن مما تمرُّ به القرية الكونية؟ يلفتُ حرب الانتباه إلى أن السؤال الذي قد شغل جيل شبلي شميل، محمد عبده، وشكيب أرسلان لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ لم يعدْ مناسباً لهذه المرحلة، إنما ينبغي تعديله بصيغة أخرى. لماذا يتأخر العربُ وتتقدمُ بلدانُ كانت وراءهم؟ وبذلك يفاجئنا مؤلف «لعبة المعنى» بأنَّ العالم العربي ما عدا بعض الدول الموجودة على جغرافيته يمشي بالمقلوب ومن السيئ إلى الأسوأ، ويمضي الفيلسوف اللبناني علي حرب أبعد في تشخيصه، مطلقاً مصطلح «الاستثناء السلبي» على مجتمعاتنا. وفي الوقت الذي يراقب فيه صاحب «حديث النهايات» ما تتخبطُ فيه منطقتنا من الأزمات والصراعات، على خلفية الانقسامات بين المواطنة والولاءات الفرعية، وتبعات الزلزال الذي ضرب أجزاء من الخريطة وأعراض صومنا الطويل عن الإبداع العلمي والفكري، فهو لا يغض النظر عن نرجسية الغرب وبحثه عن الأعداء ولو كانوا وهميين. منبهاً إلى أنَّ إدارة العالم بمنطق التأله والاصطفاء والتجبر، تفتحُ الطريق نحو نهايات كارثية. وما يصل إليه علي حرب من متابعته لخط الأزمات، أنَّ المشكلة الأكبر تتمثلُ في العقلية التي تدير العالم. وحسن قيادة العقل الذي كان شعارا لمشروع الحداثة لم يتحقق إلا نقيضه.
إشكاليات الفكر العربي المعاصر محمد عابد الجابري
يناقشُ المفكر المغربي في مباحث كتابه حزمة من المفاهيم والإشكاليات التي لا يزال الجدلُ محتدماً بشأنها، ويبدأُ بتوضيح ما يقصده بمصطلح الإشكالية، وهي مشاكل عديدة لا تتوافرُ إمكانيةُ حلها منفردة، ولا تقبل الحل من الناحية النظرية إلا في إطار حل عام يشملها جميعاً، ومن ثمَّ لمعرفة مفهوم الأصالة، يعود الجابري إلى لحظة انبثاق الإسلام، ويؤرخ بذلك الحدث للنهضة العربية الأولى ففي رأيه أنَّ قاعدة الدعوة الإسلامية، كانت ما أطلق عليه اسم «الحنفاء» وهم يمثلون التجديد مقابل التقليد الذي كان يستميتُ في حمايته سادة مكة، لكن انتظام هذا الحراك العقائدي والاجتماعي لم ينتظم في التراث الحنفي، ليثبت عنده راكدا وجامدا، بل ليرتكز عليه في تجاوز كل الموروث القديم وتشييد تراث جديد وما يقوله الجابري من خلال هذا التحليل الألمعي أنَّ التواصل مع التراث يكون منتجاً وعاملاً للنهوض، إذا استند إلى منطق واقعي وحيوي في ما لا ينشأ من وهم التطابق مع المعطي التراثي، إلا المزيد من التزمت. أما بالنسبة إلى موضوع المعاصرة والقبول بالنموذج الغربي فيؤكد مؤلف «تكوين العقل العربي»، أنه منذ الاصطدام بالحضارة الغربية لم تعد لدينا حرية الاختيار بين الأخذ بها، أو رفضها لأنَّ هذا النموذج فرض علينا مع التوسع الاستعماري. والغرب حسب رؤية الجابري إلى الآن هو العدو الذي يجب الاحتراز منه والوقوف ضد مطامعه وسيطرته من جهة، والنموذج الذي يغري باقتدائه والسير في ركابه من جهة ثانية. والوجه الأبرز لإشكالية الخطاب العربي المعاصر يراه الجابري في مفاهيمه المستقاة، إما من الماضي العربي الإسلامي، أو من الحاضر الأوروبي وبالتالي فإنَّ هذه المفاهيم في كلتا الحالتين تمت بصلة لواقع ليس هو واقع العربي الراهن. ونحن في سياق الحديث عن تناول الجابري لهذه الإشكاليات من الضروري التوقف عند رأيه حول غياب القفزات العلمية في الثقافة العربية، والسبب وفق تحليله هو، أن السياسة كانت محركاً للحياة الثقافية والفكرية في الفضاء الإسلامي فيما الفكر انتزع استقلاليته من الخط السياسي والكهنوتي في أوروبا، بعد صراعه المرير مع الكنيسة. السؤال الذي يلاحق القارئ بعد أن يختتمَ ما قدمه الجابري في طيات كتابه هو إلى أي مدى نحن استفدنا من هذا المجهود الفكري وبنينا عليه المشروع المستقبلي؟ّ! وما أن تنظر إلى الواقع حتى يزداد لديك الشكُ بأننا لم نحسن التدبر في أعمال الجابري وأقرانه من المفكرين.
كتابة الرواية
يتناول الروائي الإنكليزي جون برين في هذا الكتاب مجموعة من الافتراضات حول الإبداع الروائي، منطلقاً من تجربته الشخصية في الكتابة وتقصيه لتجارب أعلام الفن الروائي. يريدُ برين تقديم إضاءات بشأن صياغة النص الروائي وما تتطلبه المغامرة الإبداعية من الاهتمام بالتفاصيل، قد تبدو ثانوية لأول وهلة ولكن في الحقيقة هي بمثابة الجينات، التي تحدد شكل العمل الروائي وتعلبُ دوراً كبيرا في فرصة النجاح، ما تقعُ عليه ضمن فصول الكتاب لا يفيد الكاتب المبتدئ أو المتمرس فحسب، بل يزيد القارئ وعياً بالخطوط البيانية والمُعادلة الإبداعية في كتابة العمل الروائي.
كاتب عراقي