من الرقمي إلى الورقي… نحو تجديد القراءة بالنص التجريبي

حجم الخط
2

كلما ظهر شكل أدبي جديد، وخرج عن المألوف والتعاقدات النقدية، وحمل في صيغته نظاما مختلفا عن النظام الذي ألفته القراءة، إلا وانقسمت الآراء حوله، بين مؤيد ومعارض.
أدت حالة المعارضة/القبول في كثير من الأحيان- إلى خلق نوع من القطيعة بين الموقفين، وإلى جعل الحوار المُباشر حول الشكل، ينزاح إلى حوار حول فكرتي التأييد والمعارضة. وبالنظر إلى طبيعة ثنائية «مع/ضد»، وطريقة اشتغالها، سنلاحظ تركيزها على الذات المُفكرة في الشكل الأدبي، أكثر من التركيز على الموضوع الأساسي/الشكل الأدبي الجديد. كما «قد» تأتي هذه الثنائية مُشبعة بقرارات معرفية مسبقة وجاهزة، مما يجعل منها مُقاربة غير مُنتجة للموضوع، لذا يمكن التفكير في الموضوع الأدبي/المعرفي خارج هذه الثنائية، من أجل الاقتراب أكثر من الموضوع، وعدم الانحراف عن سؤاله، إلى مواضيع أخرى.
عندما بدأ الحديث عن «الأدب الرقمي» في الثقافة العربية، استقبلت ثنائية مع/ضد هذا الشكل الأدبي الجديد بقوة، وعمَقت المسافة بين عنصري الثنائية، بدعم كبير من وضعية التكنولوجيا في الممارسة العربية. وقد أنتجت هذه الثنائية بعض اللبس في طبيعة التعامل مع الأدب وهو يتحول، ويتحقق وفق مظاهر جديدة ومختلفة، إذ غاب النقاش عن الأدب، وحلَ التجاذب بين المعارضين والمؤيدين، وأخذ الأمر طابع الدفاع عن موقف ورأي وموقع تاريخي، أنتج خطابا مُرتبكا وتصنيفيا، جاعلا من كل مُنتصر للكتابة الرقمية ضد تاريخ الأدب، وكل مدافع عن الكتابة بالوسيط الورقي، ضد مستقبل الأدب. وبقي الأدب في تجليه الجديد مع الوسيط التكنولوجي بعيدا – إلى حد ما عن التحليل، وتمثل منطقه، وفي الوقت نفسه، ظل الأدب بتجليه الورقي في كثير من تجاربه – بعيدا عن التطور في التفكير، نظرا لكون المعرفة الأدبية توجد – باستمرار- في حالة التكون والتطور، بفضل المستجدات التي تعرفها حركية الكتابة الأدبية، التي لا تقترح فقط – أشكالا وأساليب جديدة في الكتابة، بقدر ما تعمل في الوقت ذاته – على خلق وعي بطبيعة الكتابة الأدبية. ولهذا، ما نزال ننتج دلالات جديدة من الشعر العربي القديم، وما يزال الاقتراب من القصيدة القديمة اقترابا من تمثلات وتصورات، تظهر مع كل منهج جديد، ورؤية نقدية مختلفة، وما يزال التراث السردي العربي بكل تنويعاته وأشكاله، يطرح نفسه مجالا رمزيا وثقافيا خصبا، يتجدد خطابه مع كل مقاربة جديدة، ونتجدد نحن أيضا مع كل اقتراب جديد له، وفي الوقت نفسه، يصبح التراث الرمزي مكونا ثقافيا للحاضر الرمزي. هكذا، تتلاقح الآداب وتتغذى من تفاعلها مع بعضها. عندما لا يستحضر التفكير النقدي هذا البعد التفاعلي بين حاضر الأدب ومستجداته، فإنه يُساهم في تعميق ثنائية مع/ضد، التي تُحوَل النقاش من الموضوع الأساسي، الأدب، إلى نقاش إيديولوجي، يسعى إلى تصنيف كل رأي/موقف ضمن خانة تصنيفية.
وعلى الرغم من كون الموقفين معا، يُعمقان الهوة بينهما، ويجعلان الحوار في ما بينهما، إمكانية غير ممكنة التحقق، إلا أنهما يلتقيان في كونهما يشتغلان خارج منطق حركة التاريخ. إذ، نجد المُدافع عن الكتابة الرقمية، يعلن الانتهاء الكلي للورقي، وكأن أجرأة الرقمي تؤدي بشكل مباشر إلى تلاشي الورقي، ومن ينتصر للورقي، يرفض أن يتجلى الأدب رقميا، يُعطل الموقفان معا حركية التاريخ، حين يرفضان مفاهيم التحول والتطور والاستمرار في نظام الأدب.
من أجل تجاوز الثغرة المعرفية الناتجة عن ثنائية مع/ضد في التعامل مع الكتابة الرقمية، التي تُعطَل تمثل تحولات حالة الكتابة/الأدب مع الوسيط التكنولوجي، يمكن اقتراح مقاربة تبحث في العلاقة الوظيفية بين حاضر الأدب/الكتابة (الشكل الورقي) ومستقبل الأدب/الكتابة(الشكل الرقمي)، ومدى قدرة كل شكل (ورقي/ رقمي) على إنتاج الوعي بالشكل الآخر، والمساهمة في تحليل نظامه، وإدراك طبيعة اختلافه عن السائد والمألوف في نظام الكتابة. وإذا كانت عملية الوعي المعرفي بالأدب الرقمي، تبدأ في غالب الأحيان من مرجعية الكتابة الورقية، باعتبارها منجزا متكاملا من حيث النظام والمنطق والتلقي، ويفرض بذلك، زمن سبقها التاريخي، أن تكون خلفية أسلوبية وفنية ومعرفية للوعي بالأدب الرقمي وبنظامه، فإن الكتابة الرقمية، يمكن أن تتحول بدورها- إلى مرجع أدبي للوعي بالمستجدات التي لحقت/تلحق الكتابة الأدبية بالوسيط الورقي.
وفي هذا المستوى من التفاعل، نستطيع أن نردم الهوة التي تنتجها ثنائية مع/ضد. إن الإدراك الجديد الذي يُحدثه النص الأدبي في التجلي الرقمي، يمكن أن يساعدنا على إعادة الاقتراب من النص الأدبي في تجليه الورقي، خاصة مع بعض النصوص التجريبية، التي أثارت بكتابتها، وطبيعة خطابها سؤال الاقتراب منها، وشكلت زمن ظهورها إشكالية القراءة، نظرا لكونها تأتي خارج التعاقد النقدي المألوف، الذي أسس لميثاق انتظار القارئ.
تحضر كثير من النصوص السردية رواية وقصة وفق تركيبة الضفيرة التي تجعل الحكاية متداخلة في ما بينها، حيث إمكانية قراءة الحكاية نفسها بصيغ متعددة، مثلما وجدنا مع رواية «فرنكشتاين في بغداد» للكاتب العراقي أحمد سعداوي (2013)، عبر تعدد الوسائط السردية (شفهيا، مكتوبا، تقنيا، صوتيا، مشهديا..)، ونجد هذا المظهر في القصة القصيرة، كما في قصة «الزجاجة» (مساهمة في تدمير الإيقاع)، من المجموعة القصصية «اعتقال الغابة في زجاجة» (2009)، للكاتب المغربي أنيس الرافعي، حيث إمكانية قراءة القصة نفسها بصيغتين مختلفتين. فتركيبة خطاب القصة، تمنح الانطباع بإمكانيات متعددة لبناء القصة الواحدة، كما نلتقي في المجموعة القصصية، بإحدى الصيغ التي تُميَز النص الرقمي، وهي صيغة «لا اكتمال الحكاية»، التي تعين قصص القسم الثاني من مجموعة «اعتقال الغابة في زجاجة».
ولعل من بين أهم تجليات تقنية الضفيرة، اعتماد مظهر «اللامرئي» الذي يسمح بانتشار الخطاب الترابطي، شريطة وجود قارئ ترابطي، لديه القدرة على تفعيل «اللامرئي»، وقراءته/كتابته، نلتقي بهذا المظهر في كل من رواية «فرنكشتاين في بغداد»، ومجموعة أنيس الرافعي، نظرا لاعتمادهما على الصورة والصوت باعتبارهما لغة السرد، والحكي وإنجاز الحكاية/الحكايات. يتحقق نمو الحكاية في تجربتي النصين (الرواية، القصة) من قدرتهما على كتابة اللامرئي، عبر العلاقة التداخلية بين النص المكتوب والنص – الصورة. يظهر ذلك بوضوح في «اعتقال الغابة…» التي تُعيَن في نهايات قصصها المرجع البصري (شريطا سينمائيا) وليس المرجع الورقي، وتعاملها مع الشريط السينمائي باعتباره خلفية بصرية وفنية وثقافية وجمالية للنص القصصي، وضع يحفز الفضول لدى كل قارئ، إما بإعادة مشاهدة الشريط في حال مشاهدة سابقة، أو الحرص على مشاهدة الشريط، قصد التعرف على نوع اللقاء بين القصة والشريط. ولعلها لعبة فنية، تُدخل الكتابة القصصية في لعبة التجريب بين الحكي بالكتابة والحكي بالصورة.
وعبر هذا التجريب يمكن للقارئ أن يشكل بناء جديدا للنص المقروء، باعتماد خياره في العودة إلى الشريط، أو الاستغناء عنه، وهو بهذا الإنجاز حسب قراراته – فإنه يجعل القصة التي أمامه، تأخذ أشكالا جديدة من التكوّن. ولهذا، فكل مقترب من نصوص المجموعة القصصية معتمدا على المفاهيم السابقة في تناول القصة القصيرة، وقراءتها، والتعامل معها نقديا، فلا شك أنه مصدوم، مما يحتم عليه الوضع، إما أن يعيد النظر في الجهاز المفهومي النقدي حول الأدب والقصة القصيرة، أو يتقبل الصدمة ويتراجع عن قراءة النصوص.
كثيرة هي النصوص الروائية والقصصية التي ظهرت مع زمن التجريب، واعتمدت نظاما مُخالفا في خطابها، فكان الاقتراب منها نقديا صعبا، بحكم إكراهات التواصل بالجهاز المفاهيمي المألوف، فضاعت وضاع معها تجديد التفكير النقدي، لكن العودة إليها من داخل تجربة الوعي بخطاب الأدب الرقمي، أصبحت ممكنة، ومنتجة للسفر نحوها، بدون إكراهات التواصل.

كاتبة مغربية

زهور كرام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية