غداً ستنتهي الحرب

غداً ستنتهي الحرب.. إذ لا بد للحرب من أن تنتهي. الحرب فاصلة في مسار الوجود. الحروب ليست أبدية. وكذلك هي الظروف الكونية التي تشعلها. لكن ما لا ينتهي هو بؤس اللامبالاة الانسانية، وخيانة القريب للقريب، والتواطؤ مع الاستعمار تحت أي مسمّى ولأي مبرر كان، وخذلان الصديق للصديق. عندما تنتهي الحرب لن تنتهي الحياة، بل ستبدأ جديدة من جديد. تبدأ بمشاعر أخرى لا علاقة لها بالمشاعر الثقيلة التي كانت تفعمنا من قبل، وبآمال حرّة أفرزتها قوة المقاومة التي لم تنخدع بمظاهر الاستعمار المشهدية التي لا مآل لها سوى الاندحار. المقاومة التي هي حركة تاريخية، أيّا كان الاستعمار الذي تقاومه، خارجياً أو داخلياً، هي التي ستفرز رُؤى المستقبل الجديدة. وهي التي ستكرّس الأمل الإنساني الوليد.
الحرب ضد الاستعمار تمرين على تجديد الوجود، أيّاً كانت الأثمان التي ندفعها. لأن هدفها الحرية. والحرية لا تُستَجْدى، وإنما تُنْتزَع انتزاعاً من مخالب الاستعمار. والمقاومة الفلسطينية، كيفما نظرت إليها، لا تشذّ عن هذه القاعدة. الخضوع للاستعمار موت أبديّ. والمقاومة هي الحل الوحيد للخلاص من موت مُخْجِل كهذا. في هذا الواقع المتفجّر، اليوم، يبدو موقف العرب كارثيّاً، بل يكاد أن يثير الشفقة، والاشمئزاز. ليس لأنهم، إزاء هذه الحرب التاريخية، محايدون إلى درجة تثير الريبة في موقفهم، أياً كانت التفاسير الباطلة له، بل لأنهم يبدون عاجزين، حتى عن الدفاع عن هذا الموقف الهزيل وغير النبيل. لماذا يفعلون ذلك؟ لأنهم يخافون من الصراع مع الاستعمار الذي لا يخاف منهم. ويحاولون عبثاً تأجيل المواجهة معه. لكن المؤجَّل بالنسبة للاستعمار يعني الاستسلام. والاستسلام لا يُهدّئ الاستعمار، بل يحفِّزه على التمادي في التِهام الأرض التي هو بحاجة إليها ليصبح أكثر قدرة على إلحاق الأذى بالمستَعمَرين. هكذا، سيأكل الاستعمار الصهيوني مَنْ لا يقاومه، وأولهم أصدقاؤه المسالمون.
الاستعمار ليس عقلاً، كما كان يمكن له أن يقول عبد الله القصيمي، ومقاومته لا تكون لا بالحكمة، ولا باللين، ولا بالتواطؤ معه، ولا بالرضوخ له، وإنما بالمقاومة. وليس على المقاومة أن تنتصر بالضرورة، فوراً. لكنها ستنتصر في النهاية. ليس هناك مقاومة خاسرة في التاريخ، حتى إن قال المؤرخون عكس ذلك. لكن ثمة مقاومات ذات نتائج مؤجلة، أو هي تنتصر على دفعات، أو«في ما بعد»، هذا لا يهمّ. لأن مهمة المقاومة الأساسية هي كَبْح جماح التوحّش الاستعماري. والاستعمار، دائماً، سريع العطب، حتى لو بدا في مرحلة من مراحله شديد العنف. عنفه المتوحش ليس دليل قوة، أكثر مما هو علامة على انهياره الذي غدا متوقعاً. وعلى المقاومة، خاصة في مثل هذه الحال، أن تكون عصيّة على الارتداد.
وفي النهاية، تجاربنا التاريخية علّمتنا أن السياسة ليست فنّ الممكن، كما يدّعون، وإنما هي فنّ المستحيل. ومن تجاربنا، أيضاً، صرنا نعرف أننا، نحن العرب، مسحورون بالسلطة. والشعوب التي تخلّصت من سيطرة سلطاتها عليها تسحرها الحرية، بالإضافة إلى عبادة السلطة، نملك، أيضاً، فنّ التلاعب بالكلمات، حتى إننا صرنا نسمي الاستعمار الصهيوني «احتلالاً». لكن هذا «التخفيف» المزري لا يخفف من قسوة الواقع شيئاً، وإنْ كان «اللفظ» أخفّ وطأة على القلب. فالمحتلّ لا يحتل الأرض فحسب، بل العقول والنفوس، قبل كل شيء. والأمثلة على ذلك في المجتمعات العربية أكثر من أن تنكر.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية