لندن ـ «القدس العربي»: «أنا يهودي، ولست إسرائيليًا. أنا بريطاني، ولا أشعر بأي ارتباط بإسرائيل. الخلط بين اليهودية والصهيونية، أو مساواة جميع اليهود بإسرائيل، هو بالضبط ما يؤدي إلى هذا النوع من الهجمات التي حدثت اليوم».
بهذه الكلمات علق متصل اسمه جون في مداخلة مع إذاعة «إل بي سي» البريطانية على الهجوم الإرهابي الذي عكر صفو سلام مئات اليهود الذين كانوا يحيون ذكرى «يوم كيبور» في مدينة مانشستر البريطانية، ومعهم ملايين البريطانيين، وفتح الباب على مصراعيه لردود فعل من مختلف الجهات الحكومية والسياسية، وأشعل وسائل التواصل الاجتماعي، الميدان الخصب لخطاب الكراهية.
قال جون: «أشعر أننا جميعًا أصبحنا أكثر عرضة للخطر بسبب إسرائيل، وبسبب الصور النمطية عن اليهود – كثير منها يعود إلى إسرائيل. أنا بريطاني، ولست إسرائيليًا».
في ذلك النهار، في يوم الثاني من تشرين الأول/اكتوبر،
استهدف مهاجم كنيس «هيتون بارك» في مدينة مانشستر.
دهس المهاجم في البداية عددًا من المارة بسيارته، ثم ترجل وبدأ بطعن الناس.
كان يرتدي حزاما ناسفا مزيفا، وأجرى مكالمة طارئة على رقم الطوارئ الخاص بالشرطة أثناء الهجوم، معلنًا مبايعته لتنظيم «داعش» الإرهابي.
تدخلت الشرطة في دقائق، وأطلقت النار على المهاجم فأردته قتيلًا، وقتل نتيجة الهجوم ثلاثة من بينهم المهاجم، وآخر يعتقد بأن الشرطة قتلته عن طريق الخطأ.
الضحيتان من المصلين اليهود – ملفن كرافِتز (66 عامًا) وأدريان دولبي (53 عامًا)، وأُصيب ثلاثة آخرون بجروح خطيرة: أحدهم طُعن، وآخر صدمته السيارة، وثالث أُصيب أيضا برصاص الشرطة.
ألقت السلطات القبض على عدة أشخاص على صلة بالهجوم، وأُفرج عن بعضهم لاحقًا، في حين أُعيد اعتقال أحدهم في مطار مانشستر للاشتباه بعدم إفصاحه عن معلومات تتعلق بالقضية.
ولاقى الهجوم إدانات واسعة في البلاد. قال رئيس الوزراء كير ستارمر إن المهاجم استهدف «اليهود لأنهم يهود»، وتعهد بتوفير مزيد من الحماية للمجتمعات اليهودية. وأكدت وزيرة الداخلية شهبانة محمود أن الحكومة ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية المجتمع اليهودي.
ازدياد في جرائم الكراهية على أساس عرقي وديني في المملكة المتحدة
جرائم الكراهية
تظهر النشرة الإحصائية الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية لعام 2025، أن إنكلترا وويلز شهدا خلال العام الحالي وحتى آذار/مارس 115 ألفا و990 جريمة كراهية مسجلة، بزيادة بلغت 2 في المئة مقارنة بالعام السابق، وذلك باستثناء بيانات شرطة العاصمة لندن التي لم تُدرج في الإحصاءات بسبب انتقالها إلى نظام جديد لتسجيل الجرائم.
وأظهرت بيانات الشرطة ارتفاع جرائم الكراهية ذات الدوافع العرقية أو الإثنية بنسبة 6 في المئة، كما ارتفعت الجرائم ذات الدوافع الدينية بنسبة 3 في المئة، في حين تراجعت الجرائم المرتبطة بالميول الجنسية بنسبة 2 في المئة، وتلك الموجهة ضد ذوي الإعاقة بنسبة 8 في المئة، أما الجرائم ضد المتحولين جنسياً فقد انخفضت بنسبة 11 في المئة.
وفيما يتعلق بجرائم الكراهية الموجهة ضد المسلمين واليهود، تشير النشرة إلى ارتفاع بنسبة 19 في المئة في الجرائم التي استهدفت المسلمين، أما الجرائم الموجهة ضد اليهود، فرغم أن التقرير لم يقدم نسبة محددة لعام 2025، فإن بيانات وزارة الداخلية لعام 2024 أوضحت أن نحو ثلث جرائم الكراهية الدينية كانت تستهدف اليهود.
كانت جرائم الإخلال بالنظام العام هي الأكثر شيوعاً بين جرائم الكراهية الموجَّهة ضد المسلمين واليهود، إذ شكّلت 50 في المئة من إجمالي الجرائم المسجلة ضد كلتا الفئتين.
أما العاصمة لندن، فشهدت وقوع جريمة كراهية كل عشرين دقيقة، حسب بيانات الشرطة، التي سجلت وحدها 40 في المئة من جميع الجرائم المعادية لليهود خلال العام الماضي، رغم التغيير الذي طرأ على نظام تسجيلها.
وقالت وزيرة الداخلية شهبانة محمود في تصريح هذا الشهر إن الجاليتين اليهودية والمسلمة تواصلان التعرض لمستويات غير مقبولة من جرائم الكراهية، التي غالباً ما تكون عنيفة.
وتقول «منظمة العفو الدولية» في تقرير عن التمييز نشرته في العام 2024، إن جرائم الكراهية الدينية ضد المسلمين أو من يُنظر إليهم على أنهم مسلمون تشكل النسبة الأكبر، حيث بلغت 44 في المئة (3.400 حالة)، تليها جرائم الكراهية ضد اليهود أو من يُنظر إليهم على أنهم يهود بنسبة 19 في المئة (1.510 حالات)
وتنبه إلى انه بعد أكتوبر 2023، ارتفعت الحوادث الإسلاموفوبية بنسبة 600 في المئة، وفقاً لرصد منظمة «تيل ماما»، وهي منظمة غير حكومية أنشئت لمكافحة الكراهية ضد المسلمين.
كما تنقل عن «هيئة أمن المجتمع»، وهي منظمة غير حكومية تراقب معاداة السامية في المملكة المتحدة، حدوث 4.103 حوادث كراهية ضد اليهود في عام 2023، وقع 66 في المئة منها بعد أكتوبر من العام نفسه.
جهاد الشامي منفذ الهجوم في حادثة كنيس مانشستر بريطاني من أصل سوري يبلغ من العمر 35 عاماً. وُلد في سوريا وانتقل إلى المملكة المتحدة قبل سنوات، حصل على الجنسية البريطانية عام 2006.
وتشير التقارير إلى أن الشامي كان مفرجاً عنه بكفالة وقت الهجوم، حيث كان قيد التحقيق في قضية اغتصاب، وكانت لديه سوابق جنائية تتعلق بمخالفات بسيطة. ومع ذلك، لم يكن الشامي معروفاً لدى أجهزة مكافحة الإرهاب البريطانية، ولم يكن على قوائم المراقبة الاستخباراتية.
وجهاد هو نجل الجراح السوري فرج الشامي، الذي سارع مع العائلة إلى التبرؤ من الفعل ونشر تصريحات عدة على حسابه في «فيسبوك» أبدى فيه تعاطفه مع الضحايا، منتقدا بشدة في منشور أخير سعي وسائل الإعلام إلى التواصل معه.
وقال الشامي في تغريدة أخيرا إن «العمل الإرهابي المأساوي جلب ألماً عميقاً – لعائلتنا ولعائلات الضحايا».
وقال إنه «لا ينبغي لأي إنسان أن يمر بمثل هذا العذاب مرة أخرى»، داعيا الجميع إلى البقاء «متحدين ويقظين ومتعاطفين – لمنع تكرار مثل هذه الأفعال، وحماية سلام مجتمعاتنا».
وفي حديث مع «القدس العربي»، قال أحد أصدقاء العائلة، إن العائلة التي تتحدر من مدينة حمص السورية لم تعرف التطرف، بل كانت أسرة ملتزمة ومعتدلة وترتكز على خلفية من الإسلام المعتدل.
ويعزو هذا الصديق دوافع المهاجم إلى مشاكل عائلية ما باعد بين العائلة، وقد يكون هذا الذي دفع بجهاد إلى التحول نحو التزمت الديني – وربما متأثرا بمحيط من المتزمتين في مانشستر.
وبمعزل عن مدى دقة نسبة الوضع العائلي للمنفذ إلى دوافعه في الهجوم من عدمها، فإن ردود الفعل التي تلت هذا العمل الذي لا يظهر حتى اللحظة وجود تنظيم إرهابي محترف وراءه، أثار جدلا كبيرا في البلاد.
الحكومة تخطط لفرض قيود على التظاهر تستهدف مؤيدي فلسطين
لوم مؤيدي فلسطين
فقد سارعت أحزاب سياسية إلى لوم مؤيدي فلسطين ورافضي حرب الإبادة عليها بشكل مباشر.
وسارعت شهبانة محمود، إلى الدعوة إلى إلغاء المظاهرات المؤيدة لفلسطين التي كانت مقررة في الأيام التي تلت الهجوم، ووصفت استمرارها بأنه «غير بريطاني جوهريًا»، و«غير شريف».
وزعمت بأن الاحتجاجات المتكررة على نطاق واسع سببت «خوفًا كبيرًا» داخل المجتمع اليهودي البريطاني، وقالت إن الحكومة ستمنح الشرطة صلاحيات إضافية لتقييد المظاهرات، معلنة عن عزمها على تعديل القوانين بحيث يُسمَح للشرطة بفرض قيود على المسارات أو أماكن المظاهرات إن لزم الأمر.
أما رئيس حكومة حزب العمال، كير ستارمر، فوصف المظاهرات المؤيدة لفلسطين بأنها «غير بريطانية»، وناشد المتظاهرين أن يحترموا حزن الجالية اليهودية في تلك الفترة، رغم تأكيده على حق الاحتجاج السلمي.
وفي العمق لا يختلف موقف ستارمر في هذه الجزئية، عن موقف زعيم حزب الإصلاح اليميني نايجل فراج، الذي تظهر استطلاعات الرأي تقدما غير مسبوق في شعبية حزبه.
وقال فراج في سلسلة تصريحات إنه يرى أن الجالية اليهودية بأكملها في بريطانيا تعيش الآن حالة من الخوف الشديد.
ومتطرقا إلى تظاهرات مؤيدة لفلسطين شهدتها مدن عدة «رفعت فيها أعلام فلسطين في الشوارع»، وخروج «الناس في مظاهرات غير مخطط لها مسبقًا»، على حد زعمه، كل هذا أظهر للزعيم الشعبوي أن هؤلاء (الذين صادف أنهم يتظاهرون احتجاجا على الهجوم الذي شنته إسرائيل على أسطول الصمود العالمي)، «لم يكونوا يتظاهرون، بل كانوا يحتفلون فعلاً».
قال فراج «لا أستطيع حتى أن أتخيل أننا شهدنا مثل هذه المشاهد البغيضة في شوارعنا من قبل، بالتأكيد ليس في حياتي».
وبينما كان حزب العمال في بريطانيا والمحافظون وحزب الإصلاح يتنافسون في إلقاء اللوم على مؤيدي فلسطين، رفضت أحزاب أخرى التذرع بالهجوم لفرض قيود على حرية التظاهر كما تخطط الحكومة.
قيود على التظاهر
وأدان حزب الخضر، أكثر الأحزاب البريطانية تنديدا بالإبادة الإسرائيلية في غزة، هجوم مانشستر، وقال زعميه في إنكلترا وويلز زاد بولانسكي في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: «إنه لأمر مروّع. لقد نشأت في مانشستر داخل مجتمع يهودي قريب جدًا من كرومسل، لذا أشعر أن الأمر شخصي للغاية بالنسبة لي أيضًا».
وأضاف «لقد شهدنا ارتفاعًا في معدلات معاداة السامية منذ عدة سنوات، إلى جانب الارتفاع العام في جرائم الكراهية»، لكنه شدد على «أهمية الديمقراطية، وأهمية جمع الناس معًا لتحقيق التماسك داخل مجتمعاتنا».
وقال «إن من أكثر الأعمال التي أعتز بها كسياسي يهودي هو عملي إلى جانب سياسيين مسلمين وأعضاء من المجتمع المسلم. أعتقد أن العمل بين الأديان مهم للغاية، وخاصة في مثل هذه اللحظات».
وإضافة إلى إدانة العمل الإرهابي، انتقد حزب الديمقراطيين الأحرار، ثالث الأحزاب في مجلس العموم، خطط الحكومة لفرض قيود على حرية التظاهر.
وقال المتحدث باسم الشؤون الداخلية عن الحزب، النائب ماكس ويلكنسون، إن هناك «أناسا يروّجون لكراهية معادية للسامية ويحرضون على العنف ضد اليهود يفلتون من العقاب، ونخشى أن نهج الحكومة لن يفعل شيئًا لمعالجة ذلك بينما يقوّض الحق الأساسي في التظاهر السلمي».
وألقى باللائمة على حكومات المحافظين السابقة لأنهم «أفسدوا قوانين التظاهر تمامًا وتركوها في حالة أسوأ – حيث تُهدر وقت الشرطة في توقيف أشخاص يشاركون في احتجاج سلمي مشروع، بينما يُسمَح لآخرين بالتحريض على العنف».
وأعرب عن خشيته من أن حزب العمال «يسير في نفس الطريق، بدلًا من إصلاح هذه الصلاحيات للتركيز على المجرمين الحقيقيين والدعاة للكراهية».
كما سارعت منظمات اليهود إلى إدانة الهجوم، ومن بينها منظمات مناهضة للاحتلال كحركة «نعامود» التي تعرف نفسها بأنها «يهود يقفون ضد الاحتلال ومن أجل الحرية والمساواة والعدالة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء».
ورد نشطاء على تصريحات للحاخام الأكبر السير إفرايم ميرفيس، حمل فيها جزئيا المتظاهرين مسؤولية الهجوم.
وقال ميرفيس في تصريحاته إن الهجوم في مانشستر كان حتميا نظرا إلى «النبرة العميقة من كراهية اليهود في الشوارع وفي الجامعات، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي»، واتهامه بعض التظاهرات التي جرت أخيرا بانها تحوي «على معاداة صريحة للسامية، ودعم صريح لحماس».
وفي فيديو نشرته حركة «نعامود» لمقابلة إحدى مؤسساتها إميلي هيلتون، مع موقع «نوفاراميديا»، تقول هيلتون الناشطة ضد الاستيطان والاحتلال الإسرائيلي إنه «بعد يومين فقط من هذا الهجوم المروّع، نجد أنفسنا مضطرين بالفعل للرد على هذه الادعاءات المسيئة والمزعجة التي تُحمّل حركة التضامن مع فلسطين المسؤولية عمّا حدث».
وتضيف «لقد قضيت وقتاً طويلاً في الضفة الغربية في أنشطة تضامن مع الفلسطينيين، وسأشعر بإهانة عميقة لو اقترح أحد أن الديانة اليهودية كلها تماثل هؤلاء المستوطنين المتطرفين الذين يرهبون الفلسطينيين. لذا فإن فكرة وصم حركة فلسطين بأكملها بأنها مسؤولة عن هذه الهجمات، أو أنها مدفوعة جوهرياً بمعاداة السامية، هي فكرة سخيفة ومهينة في آن واحد».
وقالت «أعتقد أنه من الخطير جداً أننا نرى شخصيات مثل الحاخام الأكبر تطلق مثل هذه التصريحات العبثية، كما نرى السلطات تستغل ذلك لمحاولة قمع الاحتجاجات».
نشطاء يهود يرفضون الخلط بين معاداة السامية ومناهضة الاحتلال
رفض الإبادة ومكافحة العداء للسامية
وتقر هيلتون بخطر معاداة السامية في البلاد لكنها تقول: «لا يوجد أي تعارض بين إدانة الهجمات المروّعة في مانشستر ورفض معاداة السامية بشكل قاطع، وبين المطالبة بإنهاء الإبادة الجماعية في غزة. في الواقع، فكرتا دعم اليهود وضمان سلامتهم، والمطالبة بتحرير الفلسطينيين، هما فكرتان مترابطتان، وهما أساس منظومتي القيمية والإيمانية، كما أنهما المبدأ المنظّم للعديد من الناشطين اليهود ضد الفصل العنصري وضد الاحتلال في أنحاء العالم اليوم».
ولاقت تصريحات وزيرة الداخلية ورئيس الوزراء البريطاني، وخطط الحكومة لفرض قيود إضافية على التظاهرات في بريطانيا رفضا من منظمات حقوقية.
وقال توم ساوثيردن، مدير قسم القانون وحقوق الإنسان في «منظمة العفو الدولية – فرع المملكة المتحدة»، في بيان نشره موقع المنظمة، إن «الصلاحيات الجديدة التي أعلنتها وزيرة الداخلية ليست جديدة على الإطلاق – فهي إعادة تدوير لصلاحيات حاولت الحكومة السابقة تمريرها من خلال لوائح قضت المحاكم بأنها غير قانونية».
وأملت «منظمة العفو الدولية» أن «تأخذ المراجعة التي تهدد بها وزيرة الداخلية بخصوص حالة قوانين الاحتجاج في الاعتبار أن هناك ثلاثة مشاريع قوانين ضد الاحتجاج خلال ثلاث سنوات فقط، وأن الحكومة تمرر المشروع الرابع في البرلمان».
اليمين المتطرف وإسرائيل
لم يقف الأمر بالطبع عند الحكومة البريطانية وسياسيي اليمين لاستغلال الهجوم الإرهابي في مانشستر في سياق قمع حركة الاحتجاج المؤيدة لفلسطين.
على العكس، ساهمت هذه المواقف بشكل كبير في تعزيز خطاب كراهية تنشره حسابات اليمين المتطرف على نطاق واسع في بريطانيا، وخصوصا من جانب تومي روبنسون المدان في المحاكم البريطانية، والمعروف بعدائه للمسلمين والمهاجرين والتحريض عليهم.
عمد روبنسون ـ ومعه طيف واسع من مؤيديه خصوصا على منصة «إكس» الأمريكية، إلى نشر تغريدات بعد الهجوم صبت كلها في إطار توجيه الاتهام ليس فقط للحركة المؤيدة لفلسطين، بل للمهاجرين والمسلمين منهم بشكل خاص.
وعلى أثر هجوم مانشستر وادعاء روبنسون تضامنه الكامل مع اليهود، وهو الآتي من منابع فكرية لديها تاريخ مشين في معاداة السامية، وجّه وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عمّيخاي شيكلي دعوة رسمية إليه لزيارة إسرائيل.
وأشاد شيكلي بروبنسون واصفاً إياه بأنه «قائد شجاع في الخطوط الأمامية ضد الإسلام المتطرف» و«صديق حقيقي لإسرائيل وللشعب اليهودي».
وقبل روبنسون الدعوة قائلاً إن إسرائيل ستتحمل تكاليف رحلته وإقامته، وإنه يخطط للزيارة بعد مثوله أمام المحكمة في 13 تشرين الأول/أكتوبر.
ويشمل جدول الزيارة لقاء مسؤولين إسرائيليين في الكنيست وزيارة مناطق في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما ذكرته صحيفة «يديعوت أحرونوت».
وفي مقابل هذه الدعوة، نددت منظمات يهودية بريطانية عديدة بالدعوة. ووصف مجلس نواب اليهود البريطانيين والمجلس القيادي اليهودي، وهما جهتان تؤيدان إسرائيل، روبنسون بأنه «بلطجي» و«يمثل أسوأ ما في بريطانيا»، وقالوا إن الدعوة تقوّض الجهود المبذولة لمكافحة التطرف وتعزيز التماسك المجتمعي.
كما دعت «مجموعة أصدقاء حزب العمال من أجل إسرائيل»، الوزير شيكلي إلى سحب الدعوة، مشيرة إلى سجل روبنسون المليء بالإدانات، ومؤكدة أنه ليس صديقاً للمجتمع اليهودي.
وانتقد وزير الخارجية البريطاني السابق جيمس كليفرلي الخطوة واصفاً إياها بأنها «تصرف أحمق»، مضيفاً أن روبنسون يستخدم مواقفه المؤيدة لإسرائيل لتغذية محتواه المعادي للمسلمين.
الأمين العام المساعد للمجلس الإسلامي البريطاني لـ”القدس العربي”: “نقف إلى جانب ضحايا العنف، لكننا لن نقبل إسكاتنا بينما يخضع شعب لإبادة جماعية
مسلمو بريطانيا
وكان مجلس مسلمي بريطانيا أدان الهجوم في بيان عبر فيه عن التضامن «مع الجالية اليهودية في مانشستر، فاستهداف أي دار عبادة جريمة ضد الإنسانية جمعاء».
لكن المجلس انتقد تحميل المسلمين أو جماعات بأكملها مسؤولية العنف، تحت ذريعة تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين.
وردا على أسئلة «القدس العربي»، قالت الدكتورة نعومي غرين، الأمين العام المساعد للمجلس الإسلامي البريطاني، «نحن نقف بشكل لا لبس فيه إلى جانب ضحايا العنف في الداخل، لكننا لن نقبل باللوم الجماعي أو بالتلاعب بعقولنا لإسكاتنا بينما يخضع شعب لإبادة جماعية في الخارج».
وأضافت «ننصح مجتمعاتنا بالاستمرار في التضامن مع المتضررين، وضمان السلامة للجميع، والتحدث بصوت واحد، والثبات في السعي لتحقيق العدالة والسلام للجميع.»
وتقر الدكتورة غرين بارتفاع منسوب جرائم الكراهية في البلاد. وتقول لـ«القدس العربي»: «إن ارتفاع جرائم الكراهية في جميع أنحاء المملكة المتحدة أمر مقلق للغاية، وقد ترك العديد من المسلمين البريطانيين يشعرون بالقلق بشأن سلامتهم وانتمائهم».
وعندما نسألها عن تأثير خطاب الكراهية على المسلمين تقول «نحن نشهد نتائج الخطاب التحريضي والمعلومات المضللة وهي تتفشى في أنحاء البلاد. هذه ليست بريطانيا التي نعرفها أو نريد أن نصبحها. يجب على القادة السياسيين ووسائل الإعلام، وعلى وجه الخصوص شركات وسائل التواصل الاجتماعي، أن يتحملوا المسؤولية عن اللغة التي يستخدمونها والسرديات التي يضخمونها. علينا جميعاً أن نعمل معاً لتعزيز الفهم والتعاطف والوحدة، وهي القيم التي طالما عرّفت أمتنا المتنوعة».
ويبدي المسلمون في بريطانيا قلقا بدورهم على تزايد الجرائم الموجهة ضدهم.
وبعد يومين من الهجوم الذي شنه جهاد الشامي في مانشستر ضد كنيس يهودي، تعرض مسجد بيسهافن في مقاطعة إيست ساسكس جنوب شرق إنكلترا إلى هجوم حارق، نفذه شخصان رشا مادة سريعة الاشتعال ثم أشعلا النار. وتسبب الحريق بأضرار كبيرة في واجهة المبنيين من دون تسجيل إصابات.
وتعاملت الشرطة مع الهجوم بوصفه جريمة كراهية، لكنها لم تشر إلى أنه عمل إرهابي، على خلاف هجوم مانشستر الذي عدته كذلك وتعامل معه جهاز مكافحة الإرهاب في الشرطة.
واعتقلت أربعة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 22 و25 و27 و46 عامًا، للاشتباه في ارتكابهم جريمة حرق متعمد بنية تعريض الحياة للخطر، قبل أن يُفرج عنهم لاحقًا بكفالة مشروطة ريثما تستكمل التحقيقات.
وفي رسالة وجهها الدكتور واجد أختر الأمين العام المجلس الإسلامي البريطاني في الثامن من هذا الشهر إلى وزير الداخلية شهبانة محمود، قال إن «الهجوم على مسجد بيسهافن هو واحد من عشرات الهجمات العنيفة التي استهدفت المساجد والمصلين في المملكة المتحدة حتى الآن هذا العام». وعدد أختر عددا من الهجمات على مساجد من بينها مسجد إنفركلايد في أسكتلندا حيث «خطط شاب يبلغ من العمر 17 عامًا لارتكاب جريمة قتل جماعي، بعد أن استلهم ذلك من وسائل التواصل الاجتماعي التي مجدت هتلر وموسوليني وبريفيك، وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بموجب قانون مكافحة الإرهاب».
وقال إن «هناك العديد من الهجمات المعادية للإسلام الأخرى التي لا تصل إلى عناوين الأخبار»، وإن «هذه الأحداث لا تقع في فراغ، بل تأتي في سياق تصاعد الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يكرّس اللوم الجماعي ويشوّه صورة المجتمع المسلم البريطاني في المجتمع الأوسع».
وحذر أختر من أنه «يبدو أنه مسألة وقت فقط قبل أن تؤدي إحدى هذه الجرائم الإسلاموفوبية إلى وقوع وفيات».
ثم وجّه رئيس المجلس الإسلامي البريطاني خمس أسئلة إلى وزيرة الداخلية البريطانية، تناولت جوانب متعددة تتعلق بتصاعد جرائم الكراهية وضرورة حماية الأقليات الدينية وضمان حرية التعبير.
وكان السؤال الأول حول موعد زيارتها أو أحد كبار الوزراء لمسجد بيسهافن للتعبير عن التضامن مع المجتمع المحلي بعد الهجوم عليه.
كما سألها عن كيفية ضمان ألا تُستغل الهجمات على دور العبادة لتقييد الحق الديمقراطي في حرية التعبير أو لنزع الشرعية عن المظاهرات المؤيدة لفلسطين التي تواجه الإبادة وفق توصيف العديد من الهيئات الدولية.
وتساءل عن قضية غياب فريق عمل دائم لمكافحة الإسلاموفوبيا، مطالباً الحكومة بتوضيح خطتها لإنشاء هيئة استشارية دائمة تقدم المشورة المستمرة بشأن قضايا الكراهية ضد المسلمين.
أما السؤال الخامس والأخير، فسلّط الضوء على ضرورة أن تضمن الحكومة حصول جميع الأقليات الدينية، بما فيها الطائفة السيخية، على دعم ونصائح أمنية عادلة تتناسب مع حجم المخاطر التي تواجهها.
منصات الكراهية
ومن دون شك تثير الإحصاءات والحوادث المتعلقة بأعمال العنف وخطاب الكراهية قلقا في بريطانيا، بينما ينتقد مدافعون عن حقوق الإنسان طريقة تعامل الحكومات مع هذه القضايا.
وفي مقابلة أجرتها «القدس العربي» العام الماضي مع ياسمين أحمد مديرة «هيومن رايتس ووتش» في المملكة المتحدة، قالت إن الحاجة ملحّة لـ«بناء مجتمعات تعددية صحية وقوية من خلال التعليم ووسائل أخرى» وهذا يشمل «مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي ومعالجتها بشكل مناسب حتى يتم التعامل مع هؤلاء الذين يروجون لجرائم الكراهية بطريقة مناسبة، ولا يُعطون منصة، لأننا نعلم أن المنصة التي لديهم الآن غير مسبوقة».
والعام الماضي أيضا قالت «منظمة العفو الدولية» بشكل صريح إن «تصميم وسياسات منصة إكس خلقا أرضاً خصبة للسرديات التحريضية والعنصرية التي استهدفت المسلمين والمهاجرين عقب هجوم ساوثبورت (حدث الهجوم في تموز/ يوليو 2024 وقتلت فيه ثلاث فتيات)».
وأكدت «منظمة العفو الدولية» في تقرير تقني نُشر في آب/أغسطس من العام الحالي، أن منصة «إكس»، المعروفة سابقاً باسم «تويتر»، «لعبت دوراً مركزياً في نشر السرديات الكاذبة والمحتوى الضار الذي ساهم في أعمال عنف عنصرية ضد المجتمعات المسلمة والمهاجرة في المملكة المتحدة، عقب الجريمة المأساوية التي قُتلت فيها ثلاث فتيات صغيرات في بلدة ساوثبورت».
وأوضحت أن التحليل التقني لشفرة «إكس» مفتوحة تظهر أن نظام التوصية فيها (خوارزميات ترتيب المحتوى) الذي يغذي صفحة «لك» يقوم بشكل منهجي بتفضيل المحتوى المغذّي للغضب وردود الفعل والمشاركة، بدون وجود ضمانات كافية لمنع الضرر أو الحد منه.
وتعطي المنظمة أمثلة على حوادث نسبت إلى المسلمين
وساهمت في زيادة المخاطر. وتشير إلى تغييرات كبيرة في سياسات ومنهج عمل المنصة بعد استحواذ إيلون ماسك عليها في أواخر عام 2022، حيث تم تسريح فرق الإشراف على المحتوى، وإعادة تفعيل حسابات سبق حظرها، بما في ذلك حساب الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون.
وذكرت بمنشور لروبنسون على منصته التي تضم 840 ألف متابع قال فيه إن «هناك أدلة متزايدة تشير إلى أن الإسلام مشكلة صحية عقلية أكثر من كونه دين سلام».
وترى منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أن الحكومات، بما فيها حكومة حزب العمال اليوم في بريطانيا، تفشل في التعامل مع الارتفاع في مظاهر معاداة السامية، وفي معالجة أسبابها، وكذلك في التعامل مع كل أشكال العنصرية او معاداة المسلمين.
وربما تكون ردود الفعل الأخيرة على هجوم مانشستر نموذجا عن هذا التوظيف من جانب السياسيين في بريطاني، في إطار المزايدات السياسية على اليمين لدرجة التماثل معه في إلقاء اللوم على مؤيدي فلسطين بشكل أو بآخر.
وفي المقابل، تعيد هذه الأحداث طرح السؤال على المسلمين في بريطانيا، وعلى الأحزاب والجماعات المناهضة لخطاب العنصرية والكراهية عن كيفية مواجهة العداء للسامية والإقرار بوجوده في داخل المعسكر الداعم لحقوق الفلسطينيين، وإعلاء الصوت ضده.