رسم تجريدي وألوان نار وغضب… نحاس يشبه الإنسان بقوته وصموده.. وندوب سنة 1975 باقية
بيروت ـ «القدس العربي»: «مذابح» عنوان معرض الفنان غسان زرد في فيلا عودة في بيروت. عنوان وأعمال، ومضمون تعبيري يضج في داخل صاحب المعرض، بحيث باتت المادة الفنية المتاحة للتأمل في أمكنة ثلاثة، تثير أسئلة لا تنتهي.
يرسم غسان زرد وينحت متأثراً بما يحيط به من مساحة قريبة وأخرى أبعد. بتفكيك المذابح من الجمع إلى المفرد، يتحوّل المذبح برأي الفنان إلى فعل مقاومة، وليس تضحية.
تواصل القتل جنوباً وبقاعاً وفي المحيط العربي آلم فناناً مرهف الإحساس. أقفل هاتفه وراح صوب الألوان. بعض معروضاته تطايرت منها النيران، إنما شكّل الأزرق عمقاً لافتاً للوحاته، رغم الغضب والألم المنساب بألوان حادة.
غسان زرد نظّم العديد من المعارض بالتعاون مع غاليري تانيت، وأهدى منحوتة لفيلا عودة أخذت مكانها في حديقتها.
معه هذا الحوار:
○ لماذا هذا التركيب المسطح ثمّ المرتفع للوحاتك في المستوى الأول؟
• منذ اللحظة الأولى التي زرت فيها المكان، شعرت أن فيلا عودة لا يمكن التعامل معها كجدار أبيض محايد. إنها مساحة حاملة لذاكرة ومواد حيّة، من الحجر إلى الضوء الداخل من القبة الزجاجية. لذلك رغبت أن تتفاعل الأعمال مع المعمار نفسه، لا أن تُعلّق عليه فقط. أثناء التحضير، وضعت ثلاث لوحات متشابهة في القياس فوق بعضها، وأدركت أن التكوين العمودي يمنحها بُعدًا روحيًا، كأنها صلاة تصعد. من هنا أتى اقتراح القيّم مارك معركش بإضافة هيكل خشبي متدرّج يمنح الحركة والعمق. هكذا ولدت السينوغرافيا التي ترينها بسيطة، لكنها تسمح للعين بالتجوّل والجسد بالمشاركة في التجربة.
○ كيف بدأت فكرة المعرض الذي نقرأ فيه رغم كونه تجريديا الكثير من النار والغضب؟
• كنت قد أنجزت قبل هذا المعرض أعمالًا فيها صفاء وهدوء، مستوحاة من البحر والطبيعة والسماء. لكن في السنوات الأخيرة شعرت أنني لا أستطيع الاستمرار في رسم الجمال وكأن شيئًا لا يحدث من حولي. كنا نعيش في لبنان أياماً من القلق والعنف المتكرر. فخرجت من داخلي أعمال أكثر توتراً وحدّة. لم أبحث عن العنف، بل واجهته. أراد القيّم مارك معركش أن يمنح هذا التوتر إطارًا رمزيًا، فاقترح عنوان «المذابح». في البداية خفت من الكلمة، لكنها في النهاية عبّرت بدقّة عن ما يعيشه الناس هنا. إنها أماكن يجتمع فيها الفرح بالحزن، والفقد بالأمل.
○ «مذابح» هل هو المذبح الديني؟ أم هو المذابح التي نتعرّض لها كشعوب شرقية؟
• هو ليس مذبحًا دينيًا، بل فضاءً إنسانياً مفتوحاً. في الأصل، المذبح مكان لقاء، حيث يجتمع الناس في لحظات الوداع أو الولادة أو الألم أو الرجاء. بهذا المعنى، هو مساحة حياة، وليس موت. لذلك فضّلت أن أتعامل مع فكرة المذبح كفعل مقاومة. مقاومة النسيان، ومقاومة القسوة. في أعمالي، المذبح يتحوّل إلى طقس للنجاة لا للتضحية.
○ سيجت خمساً من لوحاتك بشريط معدني أذابته الحرارة بدون تدخل بشري وحولته إلى شكل بوهيمي. لماذا؟
• تركت للنحاس حرية أن يتكوّن كما يريد. حين يذوّب المعدن، يرسم لنفسه طريقًا متعرّجًا، مثل طريق الإنسان نحو معنى ما، أو خلاص. هذا التعقيد في الشكل ليس عبثيًا. إنه يشبه مسارنا في الحياة، حيث لا شيء مستقيم أو مضمون. النحاس هنا يحكي عن الترحال الداخلي، عن رحلة الحجّ إلى الذات، وعن طريق طويل نحو النور.
○ بمعاينة المساحة الثانية من المعرض وجدتها مساحة نار. ماذا تمثل بالنسبة لك؟
• هذه اللوحات أنجزتها في مرحلة صعبة جدًا. كنت أعيش حالة قلق عميقة بسبب الحرب المستمرة في الجنوب والبقاع. صرت عاجزاً عن النوم وعن متابعة الأخبار. أقفلت الهاتف أياماً طويلة. ما ترينه من نار ليس رمزاً فقط، بل حالة داخلية حقيقية. إنها أعمال وُلدت في الصمت والاختناق. لم أعد أرغب في الهروب من الألم، بل في مواجهته باللون والضوء.
○ إلى النار والأحمر القاني المتدلّي تحمل لوحاتك غضباً؟
• صحيح.
○ هل تعيش آثار الحاضر أم تحمل معك تراكمات جيل أمضى عمره مع الحروب؟
• كلاهما. أحمل معي آثار الحرب منذ عام 1975. الحرب الأولى تركت فينا ندوبًا لا تزول، حتى لو ظننا أننا تجاوزناها. في أحد معارضي السابقة «سلاحف على السطح»، صدف أن عرضنا 75 سلحفاة بدون قصد. بعد المعرض أدركت أن الرقم لم يكن مصادفة. تلك السنة ما زالت حاضرة في لا وعينا. نعم، أحمل حزني على لبنان، لكنه حزن نابع من حبّ كبير.
○ تنشد التسامي فكيف تصله في منطقة قررت الدول الاستعمارية أن لا تشهد استقراراً؟
• أعتقد أن البحث عن السمو في هذه المنطقة ليس ترفاً بل ضرورة. نحن نعيش في مكان شديد الجمال وشديد القسوة في آن واحد، وكل من وُلد هنا يعرف هذه المفارقة. لكن رغم كل ما مررنا به، لا أرى في الإنسان العربي سوى طاقة حياة مذهلة، قدرة على البدء من جديد حتى وسط الرماد. بالنسبة لي، التسامي لا يعني الهروب من الواقع، بل النظر إليه من زاوية أخرى، من داخل الروح. ربما لا نملك تغيير المعادلات الكبرى، لكننا نملك أن نحافظ على إنسانيتنا، وهذه في حد ذاتها مقاومة.
○ بحدود ما تنشد الصمود. من أين تستمد القوة لتحقق ذلك؟
• ربما من التجربة نفسها. مررت بأذى شخصي خلال الحرب، وكان عليّ أن أرمّم نفسي بيدي. وجدت في الفن والموسيقى والتأمل طريقاً للشفاء. أقول دائمًا لمن يبحث عن الهدوء الداخلي: ابتعدوا قليلًا عن الأخبار. لا يمكننا أن نغيّر العالم، لكن يمكننا أن نحافظ على ما تبقّى من أرواحنا.
○ وهل ترى طبيعياً أن يبتعد الفنان عن الواقع الذي يعيش فيه؟
• الفنان لا يستطيع أن يكون بعيدًا عن الواقع، لكنه يحتاج أن يراه من زاوية أخرى. أحيانًا أرسم زهرة، لكنها ليست مجرد زهرة. هي لحظة تأمل، أو دعاء، أو محاولة للفهم. بين الخشوع والجنون يتحرك عملي الفني.
○ في الخشوع تبحث عن رحلة روحية. ألهذه الدرجة يؤذيك عالم المادة؟
• منذ شبابي وأنا قريب من الروحانيات. أقرأ كثيرًا عن التصوف وأتابع الموسيقى والرقص الصوفي، لأنهما يمنحان الإنسان إحساساً بالسكينة. حضرت حفلات أديب الدايخ في بيروت لخمس ليالٍ متتالية. تلك الأصوات، الآهات الطويلة، تدخل في عمق الوجدان وتحوّل الألم إلى جمال. بعد كل تجربة من هذا النوع، أعود إلى مرسمي وأرسم. ليس بتخطيط، بل بدافع داخلي صادق. ترافقني الموسيقى دائمًا أثناء العمل. كما أني أقرأ كثيرًا من الأدب الياباني، خصوصًا كواباتا. فيه حسّ الصمت، وصدق العاطفة، وبساطة التعبير التي أحبها. أشعر أن هناك قرابة بين تلك الثقافة وطريقتي في التفكير والرسم.
○ لست على ودٍ مع جنون العولمة واضمحلال المشاعر الإنسانية في سياسات الكبار. كيف تُعبّر عن ذلك في فنك؟
• أواجه هذا الجفاف بالبطء والمادة. أعمل بالنحاس والحديد لأنهما يحتفظان بأثر اليد وبحرارة الإنسان. في عالم سريع ومتشابه، أحاول أن أستعيد ما هو حي وحقيقي، ما يمكن لمسه لا نسخه.
○ وهل للنحاس انعكاس سلام وهدوء على الجسد؟
• ألا تشعرين أنت بهذا؟ النحاس بالنسبة لي مادة الذاكرة. هو يحمل آثار النار ولا يفقد بريقه. يشبه الإنسان الذي يمرّ في التجربة ويبقى صامدًا. حين تقتربين من المنحوتات، ترين انعكاس الضوء عليها كأنها أمواج البحر. اللاوعي في داخلي ربطها بالبحر الذي لم يغادرني يوماً. في كل قطعة، هناك محاولة للعبور نحو حلة أخرى.
○ قيم المعرض مارك معركش صمم أمكنة النحاسيات بجاذبية لافتة تدعو المتفرج للاستزادة من الفرجة؟
• عمل مارك معركش كان نموذجياً في هذا المعرض. اقترح أن نبني المعرض حول ثلاثة فضاءات: المذبح العمودي، والوسيط، والأفقي. هذا التقسيم أعطى الأعمال حياةً مختلفة. كل مذبح يمثل حالة شعورية هي الخشوع، التساؤل، والغضب. لكن في النهاية، هناك خيط واحد يربطها جميعها، إنه البحث عن المعنى وسط الخراب. كان عمل مارك دقيقًا جدًا ومليئًا بالاحترام، وقدّم قراءة سينوغرافيا أعادت المكان إلى الحياة بدل أن تخفيه.
○ اختصاصك طبيب أسنان. ما هي فائدته على فنك؟
• أعتقد أن أثره بادٍ من حيث الدقة والانتباه للتفاصيل. تعلمت أن أعمل بصبر، وأن أقدّر المادة واليد. بعد سنوات من الممارسة، شعرت أن الوقت حان لأن أستخدم هذه الأدوات في الفن لا في العلاج. لذلك حين انتقلت إلى فرنسا تركت العيادة، وبدأت مساري الفني الكامل.
○ هل درست الفن؟
• التحقت بمحترف باريس، وهو مكان مفتوح للهواة والمحترفين. بعد شهر فقط من دراستي، طُلب مني عرض أعمالي التي كنت أعدّها لمعرض في ألمانيا. كانت تلك البداية الفعلية لمساري كفنان.
○ فيلاّ عودة حيث معرضك تجاور فرعاً كبيراً لمصرف عودة المشارك بسرقة أموال المودعين. ما هي الصلة بينهما؟
• تعود الفيلا لمؤسسة عودة الثقافية، وهي معنية بالتراث والفنون. المبنى بحد ذاته تحفة معمارية، ومهم بالنسبة لي أن يتفاعل الفن مع ذاكرة المكان لا مع صورته المؤسساتية.
○ هل من صورة جميلة وأخرى مؤلمة تركت أثراً بنفسك؟
• الكثير. لكن أذكر تحديداً رحلة في نيسان/ابريل إلى الجبل مع العائلة. كان الثلج قد غطى كل شيء، فتوقفت أتأمل المشهد وشعرت كأن الجبل يكلّمني. تلك اللحظة كانت بداياتي مع التأمل. أما الصورة المؤلمة فتعود لبدايات الحرب، حين تطوعت مع الصليب الأحمر. رأيت أشياء لا يمكن محوها بسهولة، وربما لهذا السبب أبحث اليوم عن الجمال بوصفه شكلًا من أشكال التعافي.
تصوير: جاد مونس