نحو الإدراك

 هناك قاعدة مهمة يعبر عنها دارسو الألسن في كل وقت بشكل مختلف: إن السلوك اللغوي يحاول أن يحاكي الخارج الذي يصفه أو يقلده أو يقربه بأشكال مختلفة. قد يسمى ذلك مشاكلة اللفظ للمعنى، ولكنها تسمية بعيدة عن المقصود، وقد يسمى أيضا تقريبا للمقولات الفكرية بالمقولات اللغوية، وقد يسمى في أقصى حالات التماهي محاكاة بين الأصوات الطبيعية والأصوات اللغوية، ولكن التسمية التي نرتضيها أكثر من غيرها هي الأيقونية. لنأخذ على سبيل المثال فعل الرؤية والإبصار (رأى) في العربية فهذا الفعل يتعدى إلى الفاعل ويكتفي به كما في (لا أرى) أو يتعدى إلى مفعول واحد ويكتفي به كما في (لا أرى أحدا) أو يتعدى إلى مفعولين كما في (أرى الله عادلا) أو إلى ثلاثة مفاعيل كما في (أرى موسى السحرة العصا حية).
حالة اكتفاء الفعل بفاعله دون أي مفعول، هي حالة تكشف عن بناء لوضعية تكون فيها الأفعال البصرية الدالة على الرؤية معبرة عن معناها الأدنى أو الأصلي. أنت في الدنيا أحد نوعين من جهة المقولة، إما شخص مبصر يرى، وإما شخص محروم من البصر فلا يرى، وفي الوضعيات العابرة يمكن لبصرك أن يرى ويمكن أن لا يرى؛ في هذه الحالة يحتاج فعل الإبصار، أن يتعدى إلى مفعول لكي تبين ما الذي تراه أو ما الذي لا تراه. التعدية إلى الفاعل والاكتفاء به هي حالة الكفاية التي لا ينظر إدراكنا فيها إلا إلى ركنين: الفعل (الرؤية) وفاعلها (الرائي) الموجب أو السالب. إن كنت ترى فهذا أصل الفعل، لأن المرء جعل طرازيا كي تكون حاسة الإبصار لديه مشتغلة؛ ولكن قولك (أرى) من الجهة الإدراكية غير مفيد، لأنك ستخبر بشيء هو لديك من تحصيل الحاصل، فأنت ومن غير أن تقول (أمشي) أنت قابل للمشي، ومن غير أن تقول (أضحك وأبكي وأجري) أنت قابل للضحك والبكاء والجري. والنحو يوفر لك هذا الإمكان لاستعماله حين يكون مفيدا في حالات نادرة كأن تسأل هل أنت قادر على أنت ترى فتقول (كما ترى أنا أرى) وهي ليست الجملة (أنا أرى كما ترى) في الجملة الأولى، لا وجود للبس أي لتدافع معنيين على بنية تركيبية واحدة وفي الجملة الثانية هناك لبس: فإما أن أعني أني أرى مثلما يتبين لك بحاسة بصرك، أو أن تعني أنك ومخاطبك تشتركان في التمتع بحاسة البصر، وسواء أكنت تعني هذا المعنى، أم عنيت ذاك، فأنت لم تغادر استعمال الفعل في حاسة البصر.

ما نسميه في النحو اكتفاء الفعل بالفاعل في هذا الضرب من الجمل، إنما يقترن استعماله بالتعبير عن وجود الكفاية، أو القدرة أو عدمها في الكون، فالفعل رأى هنا يعبر عن الرؤية، بما هي قدرة فسيولوجية، إن كانت موجودة فلا فائدة من ذكرها، وإن كانت معدومة استطاعت أن تكون واسمة للمرء. لا يمكن أن تسم المرء بما هو كائن لديه وشائع بين البشر من أنه يرى مثلا، أو يسمع مثلما يفعل أغلب الناس ذلك، بل يمكن أن يوسم تمييزيا بعدم وجود هذه الحاسة لذلك تكون جملة (لا أرى) مفيدة من الناحية الإدراكية أكثر من الجملة (أرى). كلما كان النفي مكتفيا بالفاعل عبّر عن الحرمان من الكفاية حرمانا كليا، لكن كلما خرجنا من هذه الكفاية إلى متمم من المفعولات الظرفية في قولك: (لا أرى ليلا) أو الكيفية في (لا أرى جيدا) خرجنا إلى الحرمان الآني من الكفاية، وليس الحرمان الكلي منها، لأن الزيادة تجعل عدم اشتغال البصر مظروفا بوقت أو مرتبطا بالكم أو بالشرط. وهذا ينطبق على فعل الرؤية المتعدي إلى مفعول به في قولك (أرى زيدا) و(لا أرى هندا) فلا يعني الفعل الموجب إيجابا للإبصار كملكة أو كفاية، بل يعني تعيينا للمرئي؛ ويعني الفعل المنفي فيها تعيينا لما لا يرى. فنحن إذن إزاء إبصار لا يتعلق بالكفاية أو القدرة، بل يتعلق بتعيين موضوع الإبصار المثبت أو المنفي. لكنني حين لا أرى هندا لا يعني أني أغيبها من جهة إدراكية عامة؛ هي ليست في حيز إدراكي البصري لكنها حاضرة ومنشطة في حيز مشهديتي الإدراكية أو الذهنية، فلا أرى هندا تعني شيئا مطولا (هند التي أتذكرها الآن لا أراها في حيز إدراكي البصري المحسوس).
المشهدية هي عبارة تعني هنا الحيز الذي نمارس فيه المشاهدة والإبصار لا المادي وحسب، بل الذهني كذلك؛ هي مشهدية تجمع بين المرئي الفعلي والمتمثل إدراكا، لدينا القدرة على أن نرى مشاهد مفعلة لبشر يصنعون أشياء في خيالاتنا، أو في أحلامنا. ومن هنا جاءت تسمية الفعل رأى في قوله تعالى (إني أراني أعصر خمرا) التي يكون فيها فعل الرؤية منعكسا على الذات الرائية ويكون المرئي هو نفسه موضوع الرؤية، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان إطار المشهدية خارج الإطار الخارجي، وداخل الإطار الباطني أو النفسي، لذلك لا يمكن أن نقول (أراني قادما من بعيد) لاستحالة أن تكون أنت في الشرفة الرائي، وأنت من يأتي من بعيد المرئي. هذه الانعكاسية يمكن أن نجدها أيضا في قوله تعالى (إني أرى في المنام أني أذبحك) فالرائي أو الحالم هو نفسه موضوع الحلم في الرؤية.

توفر لنا اللسانيات الحديثة مفهوم الفضاء الذهني، الذي يعرفه فوكونياي صاحب النظرية، بأنه عبارة عن صندوق ذهني نبنيه في أذهاننا أثناء التفكير، أو الكلام، أو التخييل وفيه نجد تمثيلا جزئيا للأشخاص والأشياء والأحداث ذات الصلة بموقف معين. ففي الآية المذكورة فإن الأمر يتعلق بحديث إبراهيم لابنه الذبيح: رأيت أني أذبحك نحن في هذا القول إزاء فضاءين واحد واقعي والثاني افتراضي أو حلمي وفي كل فضاء شخصية وأخرى موازية لها: إبراهيم الواقع وإبراهيم الحالم وكذلك إسماعيل الذي ينتمي إلى المرجع الواقعي ونفسه وهو في الحلم ذبيحا، هذان الفضاءان يصنعان تقابلا بين الحقيقي والحلمي. الفضاء الأساس هو الواقع: إبراهيم في الواقع والفضاء المبني هو إبراهيم في الحلم هوية إبراهيم حين يحلم أنه نائم في سريره وهو ليس ذابحا وإسماعيل حي يرزق ولم يكن مذبوحا وفي فضاء الحلم توجد نسخة من كليهما في أدوار أخرى وعلينا أن نربط بين الفضاءين برباطات إدراكية هي رباطات المماثلة، وبشيء إدراكي يسمى الترسيم التطابقي أو رسم التطابق (Mapping) بين الفضاءين: فالضمير «أنا في الواقع يقابل «أنا» في الحلم. لكن الصفات لا تنتقل بين الفضاءين: كون إبراهيم ذابحا صدق فقط في فضاء الحلم، لا في فضاء الواقع. وهكذا نفهم الجملة: النص الديني يتحدث عن وضع متخيل (فضاء الحلم) مرتبط بالنبي وابنه في الواقع، ولكن بمعانٍ مختلفة.

في قوله تعالى (انظر ماذا ترى) جمع بين فعلي رؤية، يحيل كلاهما على التدبر العقلي: انظر إلى عقلك وخلقك ماذا سيشيران عليك. لا نعتقد أن الفعلين الإدراكين المتعلقين بالرؤية العقلية والرؤية الحلمية بعيدان، لأن كل واحد منهما متصل بحاسة الإبصار مع فارق في أن الإبصار المادي الذي هو فعل كفاية يسلط على ما هو في حيز المدرك الخارجي المحسوس، وأن الإبصار العقلي يتصل بالتدبر الذهني في المرئي والمدرك؛ وخلف هذا الكلام قول عميق يتمثل في أن الفكر مشهدي في أصله، مبني على ما يمكن تسميته بالتمثيلات الذهنية، وهي الطريقة التي يُخزن بها العقل المعلومات والخبرات والمعارف، ويمثلها داخليا، بحيث يمكن استخدامها في التفكير، والتذكر، والتخطيط، واتخاذ القرار، وحل المشكلات. بعبارة أخرى هو صورة أو نموذج داخلي يبنيه العقل لشيء في العالم الخارجي (أو حتى الداخلي مثل المشاعر والأفكار)، بحيث يمكن للفرد التعامل معه ذهنيا دون الحاجة لوجوده الفعلي أمامه. نحن لا نرى حين نرى شيئا ابن وقته، بل نرى تمثلا له وحين نتحدث عنه باستعمال النحو نحن نبنيه بشكل إيقوني يحاول أن يشابه ما يحدث أو يخالفه.

 أستاذ بالجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية