علي شحرور: الرقص فعل حرية شامل بدون تصنيفات واستثناءات… لا جسد عصي على الحركة والرقص

زهرة مرعي
حجم الخط
0

أجسادنا المثقلة بأحمال وممنوعات هل يمكن فكفكتها والعيش معها بسلام عبر الرقص؟

بيروت ـ «القدس العربي»:  يختزن الجسد تاريخ حامله. ولكلٍ تاريخه الذي يبدأ بالتراكم منذ لحظة الولادة. يتقدم العمر وإذ بها أجساد محمّلة بأثقال المجتمع. وبعضها ينؤ بعنف متعدد الأوجه يترك بصماته. أثقال الجسد تُكبل الحركة والعقل والرغبات. قلة تمشي مع أجسادها مشواراً طبيعياً خالياً من تنمر أو من أحكام اجتماعية. بعضهم يسعى لفكفة الأقفال علّه يستخرج جسده من دُفن وهو حي، لكن رحلة التعافي وصولاً لتحرر الجسد طويلة، واستخراج مفاعيل وأفعال العنف يلزمها نفس وقرار.

حين دعا الكوريغراف علي شحرور لورشة رقص وحركة ضمن مهرجان مشكال في مسرح المدينة، تواصلت معه بهدف تحقيق عن اللواتي والذين يلبون دعوة مماثلة. رد باختصار: شرط الورشة أنها من دون مراقب ومن دون مصوّر. قلت: أكون من ضمنها إذاً.
هنا حوار مع الفنان علي شحرور إثر الورشة:
○ دعوة مفتوحة إلى ورشة عمل لهواة ومحبي الحركة. ماذا تتوقع من المشاركين؟
• محورية الدعوات المماثل متخففها كلياً من التوقعات. أصِل إلى الورشة بدون معرفة بالمشاركين. وما هي أعمارهم؟ وهل رقصوا سابقاً؟ وإن كانت لديهم عوائق جسدية؟ وبدورهم المشاركات والمشاركون لا يعرفون ماذا ينتظرهم. قاعدة هذا اللقاء بأجساد مؤديات ومؤدين لديهم رغبة بالحركة خلوه من التوقعات. والتمارين المعتمدة ليست معدّة مسبقاً، بل تتأقلم مع مسار الورشة، ومن خلال ملاحظتي لحركة المشاركين.
○ حتى حضور كبار السن لا يُفاجئك؟
• بل حضورهم يسرّني. أجد لديهم نوعية حركة وحضوراً جميلاً جداً. وكذلك حضور من لديهم حدود في التعامل مع أجسادهم، وبحثهم عن حلول للعلاقة معها. ليس من عائق مطلقاً بالنسبة لأي إنسان أن يتحرّك ويرقص، إن رغب.
○ لنتناول ورشتك الأخيرة في مسرح المدينة هل من وصفٍ لمن حضروا بعد مشاهدتهم؟ وهل هم بنظرك فئات؟
• لا شك بضرورة التعامل مع حساسية كل منهم. في ورشة الرقص لا ينحصر التعامل مع المشارك بمدى إتقانه للرقص والحركة، بل يكون التعامل مع شخصية الشخص، ومدى انفتاحه ضمن مجموعة، وكذلك علاقته مع الوقت والمكان، ومجموعة أمور يتكون منها حضوره. هم ليسوا فئات، بل أفراداً، ولكل منهم خصوصيته مع جسده. يفاجئني الاختلاف الكبير بين من يشاركون في ورشات الرقص التي أدعو إليها. في ورشة مسرح المدينة كنت على معرفة مسبقة بمشاركين إثنين فقط، والآخرين التقيتهم للمرة الأولى. لقاء ليس فيه ثوابت، بل يرتبط بالأفراد. تأقلم التمارين الذي اعتمده ينطلق من نظرتي إلى الفرد المشارك بالورشة.
○ هل يمكن الحديث عن مفتاح تفك عبره أقفال الجسد الـ«مكربج»؟
• هذا المسعى لا يتكلل دائماً بالنجاح. قد لا يكون هدف الشخص فكفكة جسده ومعرفة تحريكه، بقدر ما هو اختبار جديد يجمعه في ورشة رقص مع آخرين. محور هذا الزمن القصير يتمثّل بخلق مساحة مريحة وآمنة في هذا المكان. إنها مهمة مسؤول الورشة، وامكاناته بتخطي التراكمات التي يحملها الجسد وذاكرته، وأن يزيل كلياً الأحكام عن هذا الجسد. ومصدر تلك التراكمات العائلة والمجتمع والدين.
ولهذا لا متفرّج في الورشات التي أدعو إليها. الموجودون جميعهم يعيشون الاختبار نفسه واللحظة نفسها. إذ لا عين خارجية تنظر إلينا، أو تصوّرنا. فما من أحد يحكم على حركة المشاركين. ولا أذكر ملاحظة صح أم غلط لأي مشارك حول حركته. قواعد وتقنيات الحركة موجودة، لكن خطوات كثيرة تسبقها، وتتمثل بالكثير من الراحة مع الجسد، وتحقيق السلام مع حركته، مهما كان هذا الجسد، والتصالح معه، وبعدها يمكن المباشرة بتَعَلُم تقنيات الرقص.
○ هل من أحد بلغ مرحلة التقنيات وفاجأك؟
• أكيد. كثُر أجهلهم شاركوا في ورشة، باتوا ينتظرون الورشة التالية. رغم كوني مقلا بالورشات لعدم تواجدي الدائم في بيروت. وبعضهم تابعوا ورشات من مدربين آخرين. مشاعر إيجابية تخالجني لأن البعض اكتشف بجسده جديداً، وأصرّ على المتابعة، والهدف الاستزادة في استكشاف الجسد، ما يشكل تعويضاً عن أمر يفتقده صاحبه.
○ هل من جسد عصي على الحركة؟
• مطلقاً. العصيان بحد ذاته حركة، ولا يخلو جسد من نوعية حركة. من لديه جسد مقفل، هو من لا يرتاح لحركة جسده، أكثر من كون جسده عصي على الحركة.
○ هي معضلة دماغ إذاً؟
• دماغ، وإرادة. فمن يتحرك بطريقة معينة، ويشعر بجسده متخشباً، يمكنه أن يرتاح إلى ما يملكه، ويسعى لتطوير حركته، بدون الالتفات لنظرة الآخر. من هذه القناعة يبدأ الشخص بالتحرر والحركة ورفع القيود، سيما وأن أجسادنا آتية من مطارح ثقيلة. أجساد تراكمت عليها مفاهيم عن الجمال، وفيها الكثير من الذكريات، والتروما، وتحمل أعباء الممنوع والمسموح. أثقال يصعب تجاوزها ببساطة. وفي جملة مفيدة، أعرّف الرقص بأنه فعل حرية بكافة أشكالها، وبعيداً عن أية تصنيفات، أو استثناءات.
○ وهل من أغلال أخرى تُضاف لما يفرضه العقل على الجسد؟
• أكيد وأولها المجتمع والدين. فهما يحددان اللباس، وحتى كيفية الضحك، ويَمنع المرأة الممتلئة من المشاركة بمسابقة جمال، ويفرض على المرأة الاحتفاظ بالفخذين متلاصقين، وأن يقف الرجل كما الأسد، ويمنعه من البكاء. إنها تراكمات الدين والمجتمع بدون شك لها طاقة سلبية على الحركة. يحتاج الجسد لسنوات كي يكسر القيود التي تكبله. الجسد الآتي من مجتمع مُكثّف دينياً، واجتماعياً وسياسياً يمكن تسميته بالجسد السياسي. فهو عندما يتحرك يكون حيال موقف سياسي. وحين يرقص يؤكد على حضوره، وعلى صلب معاني الرقص، وحريتنا بأن نرقص.
○ لماذا إذاً تختفي القيود وتتحرر الأجساد في الأفراح حيث تخصص صالات للنساء وأخرى للرجال؟
• صحيح. الرقص من دون قيود ناتج عن نظرية العزلة مع الحركة، وبعيداً عن عيون الجنس الآخر. هو القيد نفسه سواء لدى النساء أو الرجال. على كاهل الرجل تراكمات جمة من «شب ما بيرقص.. شب ما بيبكي» جميعها مفاهيم مُكبلة للجسد بدرجة مخيفة.
○ ما هي حدود الحرية التي تمنحها الحركة والرقص للجسد؟
• لا حدود. عندما يرقص الجسد يؤدي فعل حرية، ويثور على كافة التراكمات الملقاة عليه. ليس للحرية حدود، من حرية الجسد، إلى حرية العلاقة بالمجتمع، وبالسياسة وبالعائلة. وليس له أن يكون حراً في أحدها وفي الأخرى تُسلب حريته. أن نرى جسداً عارياً في عرض مسرحي على سبيل المثال، فهذا ليس كسراً للقيود، بل هو استرداد الجسد إلى أصله. وليس لهذا المشهد أن يوضع في خانة الإيروتيك. الأخذ بمقولة حدود الجسد تعني أفقاً مقفلا، أو فعل استثناء، فيما الحرية ليس لها استثناءات.
○ هل يمكن للرقص أن يحرر الجسد من موروثات المجتمع؟
• موروث مجتمعنا يشكل مصدر وحي لي في عملي المسرحي. علاقتي مع موروثاتي المجتمعية والدينية مسالمة جداً. إنه بنظري موروث جمالي يحق لي كفنان الغرف منه بقدر ما أرغب، وكذلك لي حق مساءلته في مطارح لا أجدها منطقية، أو هي تُشكّل حدوداً لحريتي. مشوار السلام مع هذا الموروث أدى لهذه الخلاصة. إنه التكامل، إذ ليس منطقياً خلق فجوة كبيرة بين واقعنا وموروثنا وذاكرتنا. أسئلتي كثيرة حول هذا الموروث وأطرحها من خلال عملي، ولا أتيح له بأن يكون عائقاً لعقلي، أو حركتي، ولا لحرية جسدي.
○ من يفشل في تنسيق الحركة المتكررة؟ وهل للعمر دوره؟
• أكيد لا. في ورشات الرقص قد يتأخر أحدهم في عمر العشرينيات في حفظ الحركة المتكررة، وكذلك كبيرة أو كبير في السن. في الواقع هي ليست بتمارين سهلة، وقلة تحفظها من المرة الأولى. في المرة الأولى يحدث التناغم بين الدماغ بما هو تفكير، والجسد. إذ المطلوب التنسيق بين التفكير، ومن ثمّ إيقاظ كافة الحواس بهدف حسبان الحركة بدقة تناغماً مع الإيقاع. ببساطة هي مسألة تكرار وحفظ. ليس مهماً حفظ حركة ما وفق الإيقاع، بل الأكثر أهمية إيجاد متعة في تكرارها.
○ هل من دور للحركة في تحفيز الدماغ وخاصة لدى كبار السن؟
• بدون شك للأمر صلة متينة بالذاكرة من خلال تنسيق الحركة بين الجسد والدماغ. هو تمرين للدماغ في أن يحفظ جديداً، وتحفيزه لمزيد من التواصل مع الجسد. من يشاركون في ورشات الحركة والرقص، يتركون المكان مفعمين بالحماس والطاقة الإيجابية. كما تمدني تلك الورشات بمزيد من الطاقة. بخصوص التقدّم بالعمر أذكر عملي المسرحي «إذا هوى» مع روجيه عسّاف وحنان الحاج علي. كنت في تحدٍ دائم لتمكين روجيه عساف من الحركة بدون أي أذى. وبالوقت نفسه كان مستمتعاً بالحركة ومقتنعاً بها. وكذلك أن يتمكن من الاستمرار على المسرح ليس فقط لكونه كبير السن، بل لأنه يعاني مشاكل في الركبتين. مع المواظبة على التمارين اكتشف روجيه عسّاف قدرته على الحركة والرقص. الرقص ليس نطنطة وتفشيخ فقط. مع رقص روجيه انتظم العرض مع مساحة من الحرية، وبت أمتلك جرأة طلب المزيد منه، وكان يُلبي، ويرفض المساومة على الحد المطلوب. إذاً هو الوقت كي يجد كل منا طريقته بالحركة.
○ بشكل عام يُعرف الرقص تعبيراً عن فرح. في مسرحك الرقص موجع. لماذا؟
• للرقص أن يُعبّر عن كافة الحالات. إنه جسدنا يعيش معنا مشاعر الفرح والحزن، والموت والحياة، والنجاح والفشل، والكبر والعجز، والخيبة. قد يكون رقص الأعراس فرحاً، وهو جميل. وكذلك يتخلل العزاوات رقص. ويعبّر الرقص عن خيبة كبيرة. ومع حلول التجاعيد على الجسد وبدء اكتشافها باللمس، هو رقص. للحياة احتفاليتها، وللموت احتفاليته. ولأن عملي متصل جداً بالواقع، وحيث أنا الآن وفي هذه المرحلة من حياتي، لا أمتلك طاقة الانفصال عن الواقع الذي أعيشه، رغم إيماني بالرقص كجمالية فنية. جميعنا يعيش الواقع المتواصل منذ سنوات إلى الآن، وهو مرير، مؤلم وموجع، وهو واقع ظالم، حيث الإنسانية تفقد إنسانيتها. في هذا الواقع لن أكون على المسرح لأقول بأني سعيد، وها أنا أرقص.
○ كمسرحي وكوريغراف هل تشغلك لغة الجسد؟
• تستهلك الملاحظة قسماً كبيراً من وقتي. ميزة صانع المسرح والرقص إحساس الملاحظة العالي، لديه قدرة التقاط لحظات استثنائية من حركة الآخرين، وكيف يتكلمون. بالإجمال أعمل مع أشخاص غير محترفين وغير مدربين كراقصين، وخلاله أراقب حركتهم، بحيث أستوحي تصميم الكوريغرافي من تلك الحركة اليومية.
○ ماذا تقول في لغة جسد السياسيين، إن صوّبت نظرك نحوها؟
• لا يشكل السياسيون أي معنى عندي. ولا أرغب برؤيتهم من الأساس. اهتم بمن هم حقيقيون ولديهم حياة استثنائية وصعبة، وليست لديهم أية رفاهية، وهم الأكثر تأثراً بكافة الأزمات التي نعيشها. ناس يحملون قصصهم بدون أن يعرفها أحد، لأنها مختبئة في الزوايا. ولست مهتماً بملاحظة نجوم التلفزيون، وبالسياسيين بشكل خاص، ولا أرغب برؤية وجوههم. هم أصل البلاء.
رداً على سؤال عن حوافز المشاركة في الورشة؟ كانت الإجابات التالية:

نزيهة الأمين أستاذة جامعية: ثمة أشياء لم أعرفها في صغري أرغب بالقيام بها الآن. تسجّلت في ورشات عدّة ولم أنفذ، اليوم حسمت أمري. إذاً جئت لتحقيق مرونة أكبر وراحة أكثر لجسدي. في الصغر لم يكن تعلّم الرقص وارداً لدى أهلنا، ولم يكن مقبولاً كذلك. يخزّن أحدنا آماله منذ الصغر، وقد يحققها في أي وقت. وفي المرحلة الضاغطة التي نعيشها يساعدنا الرقص على النفس العميق. سررت لأن الورشة كانت لساعتين. ولفتني إيجاباً تنوع المشاركين، وانعتاقهم الكلي عن التنمّر. ووجدت علاقة راقية من الكوريغراف علي شحرور مع المشاركين. وإن كرر الورشات سأكون. أحببت أسلوبه.
ليلي عطالله: (شاركت مع ابنتها) قد تكون أجسامنا مقفلة نهائياً نتيجة ما نعيشه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. القفل الأول الذي يزعج أجسادنا موضعه الرقبة والكتفين، مما يمنع الحركة السلسة. مع مرور الوقت «يكربج» الجسد كلياً. بالعودة التدريجية للحركة نستعيد المرونة وخاصة في منطقة الحوض. فهو الذي يتلقى كافة الآثار السلبية التي نعيشها. تحريك منطقة الحوض ينعكس شعوراً بالصحة والفرح علينا. أعرف علي شحرور من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بارع في عمله، ومحترف بكيفية إعادة الحياة إلى أجساد مجموعة لبت دعوته للرقص والحركة. كانت ورشة مفيدة وجميلة.
إلياس دميرجيان: أنا هنا لأني من عشّاق المسرح وخرّيج جامعة الكسليك. منذ سنوات أتابع عمل علي شحرور. ورشة العمل معه تساعدني على اكتشاف جسدي، وتدعم معلوماتي الفنية والمسرحية. حاولت الانتباه لكيفية عمله كمخرج وكوريغراف مع المشاركين. سررت جداً بالورشة، فقد منحت الفرصة لكل من هو معني بحركة الجسد بحيث يرتاح ويكتشف نفسه، خاصة في الواقع الذي نعيشه.
ليلى آتية من برلين لزيارة وطنها شاركت في الورشة مع ابنتيها، تقول رداً على السؤال: ابنتي هي من أتت بفكرة المشاركة في هذه الورشة. وهي تقول إن الرقص صلاة الروح. اشبه حركة الجسد بالمقطوعة الموسيقية المتآلفة والمتناسقة. وهذا التناسق في الحركة نحتاجه في عمرنا المتقدّم، لأنه يخفف عنا أضراراً كثيرة. شاهدنا مسرحيات علي شحرور في برلين ومارسيليا، واليوم سررنا بالمشاركة في هذه الورشة.
تصوير: ليا سكيم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية