«أمك فعلت».. لغة رسمية للبيت الأبيض!

حجم الخط
2

«أمك فعلت».. عندما قرأت هذا الجواب للمتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، حين سُئلت عمّن اختار بودابست مكاناً للقاء الرئيسين ترامب وبوتين، الذي كان قد أعلن أنه سيتم خلال أسبوعين، لم يخطر ببالي سوى ميشيل عون، الرئيس اللبناني السابق.
كان عون يتحدث في مقابلة تلفزيونية عشية عودته من المنفى الباريسي إلى بيروت، وأرجو ألا تخونني الذاكرة، عندما سألته الراحلة جيزيل خوري من تنتخب، فقال، بعدوانيته المعهودة «أنتخبكِ أنتِ»، وانتهى الحوار عند تلك العبارة.
لا تطابق بين عبارة ميشيل عون وعبارة كارولاين ليفيت، إنما التطابق هو في العدوانية، في الرغبة بتوجيه إهانة، حتى أكثر من أن يعني ذلك تهرّباً من الجواب.

لا تطابق بين عبارة ميشيل عون وعبارة كارولاين ليفيت، إنما التطابق هو في العدوانية، في الرغبة بتوجيه إهانة

يتخيل المرء أن هذه العدوانية تجاه الصحافة ومراسليها يمكن أن تصدر من إعلام الدكتاتوريات العربية، وهذه ليس عندها في الأساس أي طقوس واعتبارات تهتم بإطلاع الصحافة والميديا بشكل يومي على ما نعهد في تقاليد الغرب، فهي لا ترى من الصحافة إلا مراسليها المعتمدين، ترسل لهم الموقف الأخير في رسائل أشبه برسائل حزبية داخلية، ثم يروح هؤلاء «يبدعون» ضمن هذ الحيّز. لو أردتم التأكد من ذلك لاحظوا اليوم كيف يجتمع مؤثرون ومراسلون وصحافيون على نغمة ومواقف متطابقة حول الوضع السوري.. على سبيل المثال لا الحصر.
أتخيلها من وليد المعلم، وزير خارجية النظام السوري، أو من قيادي في «حزب الله» (لدى بعض قياداته من الغرور ما يدفعهم لقول وفعل ما هو أسوأ. تذكروا النائب علي عمار)، أتخيلها أيضاً من قادة إسرائيليين من أمثال سموتريتش، وبن غفير، وبالطبع نتنياهو، إنما من البيت الأبيض! ومن متحدثة شابة وجميلة يفترض أن تكون الدبلوماسية عملها وشغلها الشاغل، فهذا ما استعصى على التصديق، وما الضجة الدائرة حول جوابها الهازل سوى دليل على ذلك.

عدو مثالي: صحافي ويساري

«أمك فعلت»، قالتها ليفيت ببديهة حاضرة كأنما تدرّبتْ عليها آلاف المرات، جواباً على سؤال على حدث غير مكرر، بل هو تعديل مفاجئ في خطط البيت الأبيض والكرملين بعد قمة ألاسكا الفاشلة حول أوكرانيا، وخيبة الأمل الكبيرة لترامب بنظيره الروسي.
عندما سئلت ليفيت لاحقاً عن عبارتها لم تعلن الندم ولا التوبة، إنها تعني ما تقول: «لم يكن (صاحب السؤال) صحافياً، بل هو ناشط يساري». وعلى ما يبدو كان الأخير هو ضالتها، وضالة البيت الأبيض للانتقام من الصحافة الحرة برمتها، إذ اعتُبر جواب ليفيت استهزاء بالصحافة، وتعبيراً عن العلاقة المتوترة بينها وبين إدارة ترامب، التي تبذل جهدها في تكميم الأفواه على طريقة الأنظمة الديكتاتورية. وإذا استحق اليساري الأمريكي أن يكون محلاً للاعتداء والتنكيل باعتباره آخر منبوذاً ويستحق الإهانة، فما هو حال الآخرين «الأعداء»!
تؤكد مراجعة لأبرز التحليلات السياسية أن اختيار بودابست جاء لأنّ رئيس الوزراء المجرّي فيكتور أوربان يتمتع بـ «علاقات دافئة» مع ترامب و«علاقات بنّاءة» مع بوتين، وقد صرّح أوربان بأنّ المجر هي «المكان الوحيد في أوروبا» حيث يمكن أن يُعقد مثل هذا اللقاء، مشيراً إلى أن بلاده طيلة السنوات الثلاث دعمت «السلام» بدلاً من استمرار الحرب في أوكرانيا. وفي تحليل آخر أن اختيار بودابست يُمثل لحظة «محرجة» للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لكونها دولة عضواً فيهما تستضيف زعيم روسيا المطلوب من «المحكمة الجنائية الدولية». لقاء بودابست سيعطي لبوتين شرعية دبلوماسية عبر لقاء يجري في بلد ضمن الاتحاد الأوروبي، فإذن تعتبر هذه الخطوة فوزاً لبوتين، ما يرجح أنه هو صاحب الاختيار، مع أن من المفترض أنه جاء منصاعاً، من دون شروط، إلى لقاء قمة استباقاً للقاء زيلينسكي بترامب وتلويح أمريكي بحصول أوكرانيا على صواريخ توماهوك.
الجواب محرج إذن للبيت الأبيض، لكن ليس إلى حد ارتكاب «فضيحة» دبلوماسية بهذا الحجم. وكان يمكن للجواب أن يتمحور حول تنازلات أمريكية تكتيكية في سبيل سلام إستراتيجي. ولكن من قال إن إدارة ترامب تريد التهدئة أساساً، أو أنها ترى في الأمر فضيحة، خاصة إن تعلق الأمر بهدف سهل ومعتاد لها تجاه ألد خصومها: الصحافة.  (هنا يجتمع الصحافة واليسار).

حق السؤال

لكن لماذا اختارت كارولاين ليفيت الحكي عن الأم لا سواها، لماذا هذه العبارة بالذات؟ تجيب الصحف الأمريكية بأن العبارة لا ترقى إلى مستوى شتيمة، ولكنها في الوقت ذاته تقال كنوع من الإهانة والتفوق على الآخر من دون أن تقود إلى مساءلة. وفي ثقافتنا العربية نعرف أن مجرد ذكر الأم على هذا النحو يستدعي ألف شتيمة وشتيمة.

“لم يكن (صاحب السؤال) صحافياً، بل هو ناشط يساري”.. بهذا برّرت كارولاين ليفيت جوابها الذي اعتُبر استهزاءً بالصحافة

هناك من أشار إلى أن الرد يدخل في إطار تحويل السياسة إلى لحظة ساخرة تصلح للنشر السريع على المنصات الاجتماعية، بغرض شدّ الجمهور المؤيد. كما رأى بعض المعلقين
أن الأمر  ليس انفعالًا، بل هو «أسلوب مُخطّط لخلق مادة تُثير الجدل، ويظهر أن البيت الأبيض “لا يخشى الإعلام الليبرالي».
اعتُبر رد ليفيت هجوماً «ذكوري الطابع»، لغة مستعارة من «عدوانية مسترجلة»، وهي أرادت، على ما يبدو، أن تقول إنها جزء من عالم الأقوياء المهيمنين لا الناس اللطفاء «الأوادم»، لغة تتناغم تماماً مع «عالم الرجال الأقوياء في الخطاب الترامبي». والحادثة ستفتح باب جدل كبيراً من قبل المشتغلين في مجال النسويات.
عربياً، من المتوقع أن تدفع الحادثة إلى تجرّؤ أكبر على الصحافة وحرية التعبير و«حق السؤال» ما دامت واحدة من قلاع الديمقراطية المزعومة تتجرأ على احتقار الصحافة وحق الحصول على المعلومة على هذا النحو.
ومن ناحية؛ لا نستبعد أن تكون العبارة قد أخذت طريقها إلى التداول الفوري بين الأجيال، فلطالما حدث أن استنكرت النخب لغة إسفاف مثل هذه لنجدها تسري على الألسنة بيُسر وأريحية. انظروا مثلاً إلى الممثل السوري تيم حسن، الموسوم بتمجيد التهريب والسلاح والعبارات البذيئة في مسلسلاته، وكيف سارت عباراته المخجلة على ألسنة الجيل من دون أي استنكار، بل إنها أخذته إلى منصات التتويج والجوائز.
«أمك فعلت»، قالت كارولاين ليفيت، وغالباً سيأتي على منصات الديكتاتوريات من يكمل العبارة بـ «أمك فعلت وتركتْ».

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية