يشتغل ذهن الفنان عباس الوندي على التداعي الحر، بما يفتح أفقا واسعا للرؤى ورحابة للرؤية. وقد حقق منجزا فنيا يوظف آليات تغور في اليوميات والمرئيات القريبة المتجسدة، وتستدعي في الوقت نفسه البعيد الكامن في الذاكرة. من هذا المنطلق تستثمر لوحته كل ما ينهض بمحتويات السطح، وتتخذ المنحى الشعري أسلوبا للارتقاء بمشهد الواقع. يمتلك عينا فاحصة متفائلة تتعامل مع مرئيات متداخلة في الوجود، ويتقاطع مع المفردات بانتقاء واع. فهو ليس انطباعيا بقدر ما يستند إلى معرفة مبكرة ساعدته على محاكاة الواقع الذي يواجهه الإنسان، إيجابا وسلبا. وهو يتعامل مع المفردات اليومية بالغوص الهادئ في أسرارها، كاشفا تراكيبها وتفاوت علاقاتها، ومجسدا صلاتها المتينة القائمة على القناعة والتروي. هذه الممارسة نابعة من توقه إلى النظر حوله بروح الشعر؛ سمة تطغى على كثير من الفنانين الأكراد الذين يعيشون في بيئة تمنح جمال الشعر لغته من ازدهار محيطها وانعكاس عناصر الجمال على سطوح اللوحات. وبهذا تحقق التنوع والإشراق الفني.
اشتباك العناصر
أبرز ما يميز لوحاته ذلك الاشتباك الذي يقوم عليه معمار اللوحة. ويبدو هذا الاشتباك سلميا على الرغم من احتوائه عناصر متباينة، وقد تكون متناقضة في بنيتها. تنتج عنه علامات يستلهم بعضها الأسطورة بوصفها تشكيلا بنيويا خالصا، تستقي مفرداتها من البيئة لتبعث حراكا دائما وحيوية تتخاطر مع ذاكرة المتلقي، بما ينشط المخيلة المقابلة ويرسخ اعتمادها على المخيال الفني. وهذا الاشتباك لا يتوخى الصرامة بقدر ما يحدث خلخلة في البناء، مانحا المفردات حيوية الحركة والتخاطر مع الرموز المجاورة ومع البنية العامة للوحة. تمنح حركة المفردات المتخيلة المتلقي حرية التفاعل والبناء على الأسس التي وضعها الفنان، بما يتيح انبثاق الحيوية من تصور حركة العناصر وما تضفيه من علاقات تكاملية على السطح، عبر التداعي الحر المؤسس للمعنى الأعم والأوسع. وهي سمة واضحة في أعماله، توحي بالتشابك وحيوية البناء.
اللون عنصر الخلق
يعمل اللون كعنصر مؤسس للبنية الخاصة والعامة ،والفنان يترك الحرية لحركة ريشته في بناء معمار لوحته .فاللون بدرجاته يُضفي جمالية مدعومة بعنصر الخلق والتخاطر بلغة اللون التي هي لغة الشعر والموسيقى .فنحن كمتلقين لا نُفرّق بين موجودات اللوحة وذخيرة الشعر والموسيقى التي استحصلنا ،سواء من الطبيعة وجمالها أو مما قرأناه من شعر وسمعناه من موسيقى .فإذا اتفقنا بأن اللون لغة اللوحة ،يكون المجال أمامنا مفتوحاً لفهم واستيعاب وفرز المعطى .أعتقد أن هذا حاصل في لوحات الفنان التي ارتكزت في بنائها على التأمل والفحص الدقيق الذي منحته العناصر المحيطة بالفنان .فاللون ليس خطاً تفرضه الريشة لخلق الحراك بين العناصر ،وإنما هو انعكاس حيوي للبنية الذاتية للفنان ،والتي تستقرئ ذات الآخر ،تماما مثل الحرث في الأرض لاستنهاض خيراتها والغوص في البحر لاستخراج اللآلئ .
الرموز ودلالاتها

لعل الرمز في أي جنس منتَج ينطلق من جوانية المنتِج .بمعنى يكون النص متعَلق يستنهض العناصر والتشكيلات الذاتية التي هي الذخيرة المعرفة للمنتِج .أو إنها حاصل تحصيل لما أوجدته الطبيعة كالشجر والنخيل والحيوات الأُخرى .فالذي توفر عليه الفنان جملة مفردات هي (الغراب وبقية الطيور /ابن آوى /الماء ) وغير هذا الكثير الذي يُسهم في بلورة رؤى الفنان بالاستناد على حيوات هي رموز قارّة ليس الآن ،بل هي متوفرة في ما تركه الإنسان كالأمل على (الجدران والأواني والنُصب ) .كذلك ما يتوفر في الطبيعة كالورود وأوراق الشجر وفاكهة العنب والتفاح وتأصيلهما من منطلق التاريخ الميثولوجي ،كتقدمات (زليخا) للنساء في (المِتكآة ) قبل دخول يوسف للمخدع .هذه المفردات التي هي أُسطورية في الأساس ساعدت على تصعيد المعنى من خلال تصاعد حراك السطح .فالحيوية لا تأتي إلا بتوفر حيوية الذات الفنية .وأرى أنها لازمة دائماً للفنان .
البورتريه
في اللوحات التي اعتمدت البورتريه ،جسد الفنان حالات إنسانية دالة على الانفعال السلبي والإيجابي .وهي في جملتها وجوه صافية بريئة تعكس وجعاً وفرحاً وحزنا ً.وهي انفعالات تنتمي إلى البُعد الإنساني للنموذج الذي يواجه الواقع بمصد نفسي خالص تبنى عليه ظواهر اجتماعية وأُسرية توحي بطبيعة هذه الظواهر المفروضة على المرء .كما وأن الأشكال (الوجوه) توحي بالأناقة والتفاؤل كما هو مشهد الطير .إن هذا المنحى الفني يمنح اللوحة صورة لأن تكون جامعة للعناصر الصاعدة بالمنتَج ،كذلك تعكس البُعد النفسي له من خلال اللعب بالأشكال ومتغيراتها .فالانفعال يتطلب حركة فنية خاصة ،كذلك الفرح .وهذه خاصية يمتلكها الفنان ،لأنه يحرك الريشة وفق المعطى النفسي له .فهو ينهل من بئر ذاته التي شهدت تراكماً نوعياً تستلمه اللوحة بكل اقتدار وتمكّن .ومن هذا تتخذ من سعة السطح مجالاً للإنثيال الذهني الخاضع للتداعي الحر ،حيث يترك الفنان بصمته على أشكاله ورموزه المنبثقة من حراك اللوحة وحركة الذهن باستعمال أمثل للذاكرة والتراكم النوعي كما ذكرنا .لقد تجسد هذا عبر مجموع التخطيطات المتخذة من الرأس والأحلام والانطباعات المؤجلة وبنية الذاكرة مجالات أوسع لتحقيق المثل المتجسد في اللوحة .
رموز أُخرى
لعل الخيول خاصية شائعة في الفن التشكيلي ،كخيول(فائق حسن) مثلاً ،وما تلاه من استعمالات لهذا الرمز الحيوي الذي حضر ليس في الفن التشكيلي ، وإنما في الأجناس الأُخرى للدلالة على الجمال والقوة .الفنان (عباس) تعامله معها من باب الجمال والرشاقة والطاقة الكامنة سواء في نظراتها أو قوة الجسد أو رشاقته .كذلك تعامله مع الطير وبقية الرموز من أجل اضفاء الحيوية على الشكل العام للسطح . إن أهم ما يميز خيول الفنان هو التأمل المحفوف بالسكون متناسياً ضخامة الجسد ،بل الاكتفاء برشاقته .وقد لعب اللون المتمثل على جسد الخيول كدالة على الدعة والرشاقة والألفة .وهي ألأوان تمنح الذات صفة السلام لهذا الرمز.
الطبيعة والمخيال

الطبيعة تشكل العنصر الأساس في تجربة الفنان، حتى حين يقتطع جزءا منها لتعميق الدلالة واتخاذه رمزا للنماء والخصب. في لوحاته تحضر الطبيعة برموزها القارة، ويتعامل معها بوصفها معينا بصريا، ولا سيما تكرار بعض عناصرها مثل إناء الفواكه بوصفه رمزا عميق الصلة بالتاريخ الميثولوجي. على هذا الأساس اتكأ الفنان لعكس محصلته المرئية في الوجود؛ فهو باحث عن الجمال في الأشياء، وهي سمة تنتمي إلى روح الشعر كما أشرنا، وهو أيضا ابن بيئة زاخرة بالجمال وسعة الخيال، ما يبدد أي احتمال لانقطاع صلته بالطبيعة وعناصرها المنتجة.
يسعى الفنان عباس الوندي، كما تكشف لوحاته، إلى تنويع الأشكال وابتكارها بما لا ينتمي إلا إلى ذاته، وبحيوية فنية تعكس ما راكمه من معارف مشاهدة ومعيشة بحرارة ذات تحمل فرادة النفس البشرية وقوتها المعرفية.
ويعمل الفنان عبر أعماله على بلورة موقف جمالي إزاء الظواهر والبنى المنتجة لعناصر اللوحة ووظائفها، بما يعزز حيويتها ويرفع من مستوى مكوناتها. فالرمز في لوحاته قادر على التوليد والابتكار، ولا يعكس في النهاية سوى جمال مرئياته.
كاتب عراقي