الشرع بحث آفاق «التعاون الاقتصادي» في السعودية

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: عقد الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة أحمد الشرع، أمس الثلاثاء، اجتماعا مع وزراء سعوديين ورجال أعمال ومستثمرين، وذلك في إطار زيارته إلى السعودية للمشاركة في أعمال النسخة التاسعة من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، الذي يُعقد تحت شعار «مفتاح الازدهار» في مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات في العاصمة الرياض.
ومن المقرر أن يلتقي الشرع خلال زيارته ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
ويعتبر المؤتمر عالميا ويهتم بملفات اقتصادية وتقنية، ويمتد على مدى ثلاثة أيام، وتتركز أجندته هذا العام على الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والرعاية الصحية، والاقتصاد العالمي.
ويشهد المؤتمر الذي انطلقت جلساته المفتوحة الثلاثاء، ويستمر حتى الـ 30 من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، مشاركة واسعة من قادة أكثر من 20 دولة، من بينهم رؤساء سوريا والعراق وباكستان وموريتانيا وبنغلادش وكوبا وملك الأردن، إلى جانب نائب الرئيس الصيني، ونحو 8000 مشارك، بينهم 40 وزيراً و600 متحدث يمثلون حكومات وشركات كبرى وصناديق استثمارية عالمية.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية «واس» أن الشرع استقبل في مقر إقامته وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء مساعد العيبان.
واستعرض الجانبان العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها في المجالات كافة، وناقشا قنوات التعاون الاقتصادي في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والتقنية، وفقا للوكالة.
وأضافت أن هذه المباحثات تأتي «في ظل رغبة قيادتي البلدين في تحقيق الاستقرار الاقتصادي في سوريا، وتنمية العلاقات الثنائية».
وحسب وكالة الأنباء الرسمية «سانا» فقد اجتمع الشرع أيضا مع وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح، وجرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين سوريا والسعودية، وسبل تعزيز الشراكات في مجالات الاستثمار والتنمية وإعادة الإعمار، بما يسهم في دعم مسيرة التعافي الاقتصادي في سوريا وتوسيع آفاق التعاون العربي المشترك.
وحضر اللقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ووزير الاقتصاد محمد نضال الشعار.
وفي إطار أعمال المؤتمر، انعقد أمس اجتماع الطاولة المستديرة السورية ـ السعودية، بمشاركة وفد اقتصادي سوري رفيع المستوى، ضم وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، ووزير المالية محمد يسر برنية، ووزير الطاقة المهندس محمد البشير، ووزير الاتصالات وتقانة المعلومات المهندس عبد السلام هيكل، ومدير هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، وبمشاركة ممثلي القطاع الحكومي والخاص من البلدين، حيث جرى بحث فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري وتعزيز الشراكات الثنائية.
وتعليقا على أهمية المشاركة السورية في المؤتمر الاقتصادي، رأي السياسي السوري طلال عبد الله جاسم في حديث مع «القدس العربي» أن الزيارة إلى السعودية والحضور السوري الكبير للمؤتمر هما بمثابة «بوابة سوريا الجديدة نحو الاستقرار وتأكيد العمق العربي لسوريا».

يزور الرياض للمشاركة في مؤتمر «مستقبل الاستثمار»

وتحمل زيارة الشرع وفريقه إلى السعودية، وفق المتحدث، أبعادا تتجاوز الشكل البروتوكولي إلى مضمون سياسي واستراتيجي عميق، حيث إن «الزيارة تأتي في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة إعادة تشكّل موازين القوى، بينما تسعى سوريا إلى تثبيت استقرارها بعد مرحلة طويلة من الصراع والانقسام».
وأضاف: «الحقيقة أن السعودية لا تبحث عن مكاسب آنية بقدر ما تسعى إلى ترسيخ استقرار سوريا وازدهارها، وقد تحقق لها في الواقع ما أرادته من الملف السوري، بإبعاد النفوذ الإيراني وميليشياته، ووقف صناعة وتهريب الكبتاغون، وضبط التداخلات الإقليمية في لبنان، ووفتح مسارات التجارة والطاقة نحو الشمال».
أما الوفد السوري الكبير الذي يزور الرياض، فهدفه حسب رأي الخبير السياسي والاقتصادي «استطلاع آفاق التعاون وكيفية مساعدة سوريا والسوريين على تجاوز المعضلات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أرهقت البلاد».
وتوقع المتحدث أن ينتج عن اللقاء، تفعيل اتفاقيات سابقة وتوقيع اتفاقات جديدة وشراكات استراتيجية «وقد تفكر لاحقًا في مشاريع استثمارية ومكاسب اقتصادية، لكن الأولوية اليوم واضحة هي ضمان بقاء سوريا موحدة على طريق الاستقرار، وعلى هذا الأساس ستُحدَّد الرياض شكل دعمها ومستوى انخراطها في إعادة البناء، وهو ما ستتضح ملامحه في الأسابيع المقبلة».
وأضاف: سبق المؤتمر اجتماع الطاولة المستديرة السعودية ـ السورية، وضمّ من الطرف السوري وزراء الاقتصاد والمالية والتقانة والطاقة، إضافةً إلى مسؤولين آخرين.
وتابع: سيمهد المؤتمر لمرحلةٍ جديدةٍ من التعاون والاستثمار المشترك، ومن المتوقع أن يؤكد الوفد السوري على عدة أمورٍ هامةٍ، منها العلاقات التاريخية بين دمشق ودول الخليج، وبالأخص المملكة، والانفتاح الاقتصادي أمام الاستثمارات، وتقديم التسهيلات اللازمة للمستثمرين العرب والأجانب، كما سيستغل الوفد السوري الفرصة لدعوة رجال الأعمال والمستثمرين العرب والأجانب للتعرّف عن قرب على التحولات الداخلية والفرص الاقتصادية المتوفرة في سوريا.
وحول الدعم السعودي قال المتحدث: لا بد من التذكير بأن مشاركة سوريا في هذا المؤتمر والدعم السعودي ليسا وليدي اللحظة، وإنما جاءا عبر سلسلةٍ من الزيارات والاتفاقات، فبعد مرور شهرين على تحرير سوريا، وأيامٍ قليلةٍ على تولّي الشرع السلطة، كان واضحًا أن الإدارة الجديدة تتجه نحو محيطها العربي وتتعامل بإيجابية مع مختلف العواصم، بما في ذلك تلك التي أبدت تحفظًا أو قلقًا من توجهاتها.

خطوة متوازنة

واعتبر أن الرياض الخيار الأنسب كأول محطة خارجية للرئيس الجديد، في خطوة سياسية ذكية ومتوازنة، وسط التنافس الحاد بين القوى الكبرى أمريكا وأوروبا من جهة، وروسيا من جهةٍ، إضافة إلى الصراع الإقليمي بين تركيا وإيران وإسرائيل.
وقال: يبدو أن الشرع وضع في اعتباره جملة من الحقائق حين اختار السعودية لتكون وجهته الأولى، فهي قطب إقليمي صاعد قادر على التأثير في القوى المنخرطة بالملف السوري. كما أن للمملكة مصلحة استراتيجية في استعادة دورها الإقليمي بعد ترتيب بيتها الداخلي وعلاقاتها الدولية، وسوريا تشكل محورًا رئيسيًا في هذه العودة، كما تمثل الرياض الثقل العربي الأهم، وتتمتع بعلاقات متوازنة مع الغرب والشرق، ما يجعلها وسيطا مقبولا لدى مختلف الأطراف، في وقت ينظر السوريون، بمختلف مكوناتهم، إلى السعودية بوصفها حليفا طبيعيا وحريصا على مستقبل البلاد، دون اعتراض جوهري من أي طرفٍ رئيسي، وهذا يعني أن وجود السعودية كضامن دولي يمنح الطمأنينة للعواصم الغربية، ولا يتناقض مع مصالح تركيا أو روسيا.
وأشار السياسي السوري إلى دور المملكة في رفع العقوبات الغربية والأمريكية عن السوريين، إلى جانب دعم مهم من تركيا وقطر «عندما هاجمت إسرائيل القصر الجمهوري وهيئة الأركان في دمشق، جاء الرد السعودي سياسيًا واقتصاديًا، وبعد أيامٍ قليلةٍ من القصف أُرسل وفدٌ كبير أعلن عن استثماراتٍ بمليارات الدولارات وصلت الى 6,4 مليار وبشكل مبدئي، وهذا تأكيدًا على موقفٍ داعمٍ لاستقرار سوريا، بالتنسيق مع قطر وتركيا والأردن والولايات المتحدة».

تحوّل نحو العمق العربي

وبرأي المتحدث فإن زيارة الرئيس الشرع إلى السعودية ليست حدثا دبلوماسيًا عابرا، بل تحوّل استراتيجي في اتجاه سوريا نحو عمقها العربي الطبيعي، طالما أن «الرياض اليوم هي الطرف الأكثر قدرة على فتح الأبواب المغلقة أمام الحل السياسي وإعادة الإعمار، كما أنها تمتلك الشرعية والثقة اللازمتين لقيادة مبادرةٍ عربيةٍ متكاملةٍ تضع حدًا لعقدٍ من الانقسام والدمار».
وانتهى عبد جاسم بالقول: إن نجحت هذه الزيارة في ترجمة النوايا إلى خطوات عملية، فقد تكون الرياض بالفعل بوابة سوريا الجديدة نحو الاستقرار العربي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية