انتخابات تركيا: دروس وفضائل

حجم الخط
4

كثيرة هي الدروس التي يُتاح للمراقب أن يستخلصها من الانتخابات التشريعية، التي شهدتها تركيا مؤخراً؛ بعضها نابع من معطيات محلية صرفة، تخصّ المشهد التركي الداخلي بعناصره السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ وبعضها، في المقابل، إقليمي على صلة بما تشغله تركيا من موقع فاعل في خريطة الصراعات والتحالفات على امتداد الشرق الأوسط.
ولعل الدرس المحلي الأول هو عزوف الناخب التركي عن منح حزب واحد بطاقة ترخيص مطلقة، تمكّنه من الحكم الأحادي، وربما تعديل الدستور، والذهاب أبعد نحو استبدال النظام البرلماني الراهن بآخر رئاسي شبه إمبراطوري. وإذا كان الناخب ذاته قد منح «حزب العدالة والتنمية» مثل هذا الترخيص في تجارب انتخابية سابقة، فإنّ حجبه اليوم مرتبط أغلب الظنّ بشخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والحدّ من طموحاته إلى إسباغ سمات سلطانية ـ والبعض لا يتردد في القول: عثمانية ـ على مقام الرئاسة.
الدرس الثاني هو أنّ نسبة لا بأس بها من أصوات الكرد المتدينين، الذين اعتادوا التصويت لـ»العدالة والتنمية»، صوّتوا هذه المرّة لـ»حزب الشعوب الديمقراطي»، اليساري عموماً، والعلماني على نحو أشدّ وضوحاً حتى بالمقارنة مع الأحزاب الأتاتوركية التقليدية. لكنّ تلك النسبة لم تكن حاسمة بما يؤهل هذا الحزب الناشىء لتخطي حاجز الـ10٪، الضروري لدخول البرلمان، فحسب؛ بل اقتربت في بعض التقديرات من معدّل الـ5٪، الذي حرم «العدالة والتنمية» من الفوز بأغلبية مطلقة كان يتمتع بها ويتطلع إليها. والسؤال التالي هو قدرة هذا الحزب الكردي الوليد على حسن التصرّف بهذا الانتصار، إزاء مطالب جماهيره الكردية أولاً، ثمّ أقليات الأرمن والتركمان والآشوريين التي يقول إنه يمثلها؛ بعيداً عن الاستقطابات والتحالفات العابرة، والتي كانت مفسدة الحياة الحزبية التركية طيلة عقود.
الدرس الثالث، ولعله الأهمّ هنا، هو أن الناخب التركي أعاد تذكير الجميع، في الداخل والخارج على حدّ سواء، بأنّ النموذج التركي في التعددية والديمقراطية حيّ ما يزال، بل هو حيوي وخلاق وقادر على اقتراح صِيَغ مستقبلية تكفل الإبقاء على النموذج، كما تفسح أكثر من مجال واحد لصيانته وتطويره. صحيح أنّ نتائج الانتخابات قد تردّ تركيا إلى مرحلة من عدم الاستقرار، طويت خلال 14 سنة مع أغلبية «العدالة والتنمية»؛ إلا أنّ الإرادة الشعبية صحيحة أيضاً، في المقابل، من حيث منح الكرد حقاً دستورياً حُجب عنهم طويلاً، وقطع الطريق على أية ميول إمبراطورية في هرم الجمهورية التركية.
ويبقى درس رابع، ثقافي وفكري، بمثابة ردّ مباشر على برنارد لويس المؤرّخ المستشرق، المختصّ في الآن ذاته بالشؤون التركية، وصاحب أعمال مثل «انبثاق تركيا الحديثة»، 1961؛ و»إسطنبول وحضارة الإمبراطورية العثمانية»، 1963؛ و»لماذا تركيا هي الديمقراطية المسلمة الوحيدة»، 1994؛ التي باتت مراجع كلاسيكية في عشرات الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العالمية. وقبل نحو عقد، أثار لويس ضجة واسعة، ترددت أصداؤها في نفوس الساسة الأوروبيين والبرلمان الأوروبي والشارع العريض في الغرب بأسره، حين صرّح لصحيفة «دي فيلت» الألمانية أنّ أوروبا، بسبب من إمكانية ضمّ تركيا في المقام الأوّل، سوف تصبح إسلامية عند نهاية القرن الحالي! في عبارة أخرى لم يكن لويس مرتاحاً إلى انضمام هذه «الديمقراطية المسلمة الوحيدة» إلى الديمقراطيات الغربية التي تتكئ، في الأعمّ، على تراث ثقافي وفلسفي وحقوقي يهودي ـ مسيحي، وذلك لأنّ نموذج التعددية التركي سوف يمنح الإسلاميين كامل السلطات حسب رأيه.
الأرجح، في الخلاصة، أنّ النموذج انتصر، على ذاته أوّلاً، وفي هذا شرف له وقوّة ومتانة؛ فضلاً عن اعتبارات ديمقراطية أخرى، ليست أقلّ فضيلة.

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية