صوتت غالبية الناخبين الأتراك لأحزاب علمانية صارت تُشكّل بدورها غالبية أعضاء البرلمان. وضعت بذلك حدّاً للسيطرة الأحادية المزمنة لـ»حزب العدالة والتنمية» ذي التوجّه الاسلاميّ.
لكن علمانية «حزب الشعب الجمهوريّ» و»حزب الرابطة القومية» القوميين التركيين لا تجتمع مع علمانية «حزب الشعوب الديمقراطي» اليساريّ، الذي يغلب عليه اللون الكردي، رغم كونه حزباً مختلطاً على الصعيد الاثني وثلث نوابه الآن من الترك. ليس مطروحاً اذاً «ائتلاف العلمانيين» لا من قريب أو من بعيد. واستحالة التلاقي هذا تؤخذ عادة على أنّها تحصيل حاصل، فنموذج الدولة الأمة المركزية لا يحتمل المراجعة عند القوميين الأتراك، والتزام «حزب الشعوب» بالهوية الوطنية التركية ينذر بأن يجعلها «تركيا لشعبين» متداخلين. مع ذلك، هي مفارقة غير قليلة، أن يتراجع الاسلاميّون ويحصد الأكثرية العلمانيّون، ويكون مع ذلك خارج البحث أن يتشكّل العلمانيّون في ائتلاف من أي نوع، رغم أنّ كل حزب من الثلاثة خاض الانتخابات ضد «العدالة والتنمية». يزيد من المفارقة أنّ اليافطة العلمانية بوجه تلك الاسلاميّة ليست المشترك الوحيد هنا. الأحزاب العلمانية تشترك أيضاً في أنّ كلاً منها، في سياقه، يبتعد عن السلوكيات العلمانية الحادّة التي كانت تميّز «النموذج الأتاتوركي» في وقت من الأوقات. «حزب الشعب الجمهوريّ» بات يسمح بالمحجّبات في تنظيمه. «حزب الرابطة القومية» اليميني المتطرف، ذو الماضي الفاشي، مهتمّ بمنافسة «العدالة والتنمية» على أصوات الشرائح الاجتماعية المحافظة دينياً. «حزب الشعوب» مهتمّ بالأقليات الدينية كما الاثنية كما الجنسية.
كذلك، للأحزاب الثلاثة اشتراك في حصيلة الموقف، ومعارضة سياسة رجب طيب أردوغان حيال المسألة السوريّة، وهذه حتى لو لم تكن محور التزاحم الانتخابي أو مفاوضات التشكيل الحكومي، لكن الاختلاف حولها مؤثر للغاية في مجرى الحياة الداخلية.
يمكن أن تفضي مفاوضات التشكيل الحكوميّ لأي من التركيبات التي تتيحها قواعد الحساب العددي البسيطة باستثناء ائتلاف الأحزاب العلمانية الثلاثة. فيمكن أن ترى الى الأوزان البرلمانية بالتمييز بين الأتاتوركيين وغير الأتاتوركيين (العدالة والتنمية وحزب الشعوب) مع غلبة للأخيرين، ويمكن أن تراه بجمع الأحزاب التركية الثلاثة من ناحية ووضع الحزب الكردي على جانب، فيأتلف «العدالة والتنمية» مع احد الحزبين «الجمهوري» أو «الرابطة القومية» أو مع كليهما، ويمكن أن تعتمد تخريجة «معتدلين» (العدالة والتنمية والشعب الجمهوري) في مقابل «جذريين» (القوميين اليمينيين الأتراك واليساريين الكرد). كذلك هناك مشترك «أوروبي» ما عند «العدالة والتنمية» و»الشعب الجمهوري» و»الشعوب الديمقراطي» في مقابل «رُهاب أوروبا» عند «الرابطة القومية».
وطبعاً التقاء حزب الشعب الجمهوري (عضو الأممية الاشتراكية) وحزب الشعوب الديمقراطي على اليافطة اليسارية لا يقدّم أو يؤخّر. ولو أنّ في هذا مفارقة ثانية، من بعد مفارقة استحالة التوليف بين العلمانيين من ترك وكرد في تركيا في أكثرية برلمانية واحدة.
فلئن كان الجاري في سوريا المجاورة أن نظاماً دموياً يطرح نفسه كتقدمي، يواجه ثورة رجعية لو اعتمدت المعايير التقدمية التقليدية، فإنّ المفارقة في تركيا ليست بين التقدمية والرجعية، بقدر ما هي بين التقدمية والمُحافَظة. وذلك يتضح أكثر عند التقليب في صفحات بداية الجمهورية التركية، تلك الصفحات التي صنعت تجربة «حزب الشعب الجمهوري» هذا، الحزب الكمالي (نسبة الى مصطفى كمال)، الأول بين الأحزاب العلمانية الثلاثة في البرلمان الحالي، انما غير القادر على تصريف صدارته هذه عملياً، الا في حالة ائتلاف مع «العدالة والتنمية» تحت قيادة الأخير، وهذا تحدّ «نفسي» غير سهل.
هذا الحزب يحرص على ثلاثة هويات له في وقت واحد: أنه قوميّ جمهوريّ كماليّ، وأنّه اشتراكي ديمقراطي، وأنه الحزب المؤسس لتركيا الحديثة. بقوميّته يشترك مع الذئاب الرمادية في «الرابطة القومية»، وباشتراكيته مع أكراد «الشعوب»، في حين أن «هالة الحزب المؤسس لتركيا الحديثة» تقيم مناددة بينه وبين «العدالة والتنمية» كحزب «اعادة تأسيس» تركيا الحديثة.
هذا الحزب منذ زمن تأسيسه، المترابط مع تأسيس الجمهورية، يضعنا أمام مفارقة التقدميين والمحافظين في تركيا.
ليس هناك من توقف بنباهة أمام هذه المفارقة قدر البروفسور الهولندي اريك يان تسوريخر مدير «المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي» بأمستردام. في كتابه عن «تركة تركيا الفتاة وبناء الأمة» يتوقف عند نشأة الأحزاب في الفترة الجمهورية ويحاول أن يستدلّ عليها انطلاقاً من الثلاثية الأوروبية (المحافظون، الليبراليون، الاشتراكيون). يذكّر بأن ما يميّز التقليد السياسي المحافظ في الحداثة الأوروبية والغربية أنه تراث يشكك بمفهوم العقد الاجتماعي اذ يعتبره مجرّداً ويفتقد الى الملموسية وغير قادر على تدبّر المجتمع كجسم حي، وبالتالي لا تنبثق الشرعية عند المحافظين من العقد الاجتماعي، وانما تتحدّر من التجربة المُراكِمة، جيلاً بعد جيل، من حيث هي مخزون حي.
عند تسوريشر ان المحافظة السياسية والفلسفية بالمفهوم الأوروبي للكلمة كانت محدودة التأثير على النخب الاصلاحية العثمانية، التي فضلت الشعارات الليبرالية، كما في تجربة الأمير صباح الدين ورابطة المبادرة الفردية واللامركزية التي شكّلها في مواجهة «الاتحاد والترقي» الذي كان يقتبس هو الآخر من الأيديولوجيا التقدمية، انما من باب الوضعية والعلموية.
بيد أن المفارقة التي يرصدها تسوريخر هي أنه بعد الانتقال من السلطنة الى الجمهورية، واقرار الجمعية الوطنية التركية مقولة «حاكمية الأمة بلا قيد» ما يفترض الالتزام بفلسفة العقد الاجتماعي، فقد حدث العكس. الخط الجمهوري مع مصطفى كمال اعتبر أنّ استكمال انجازات حرب الاستقلال يكون بتخطي أي بحث عن عقد اجتماعي لأنه بحث يعيق الثورة الاجتماعية والثقافية في البلاد الممكنة فقط من فوق، وبالضدّ من المتطلعين لاحياء الماضي العثماني بشكل أو بآخر. هنا، التقدمية طرحت نفسها كمعادية للعقد الاجتماعي، في حين أنها تواءمت معه في الغرب. على هذا الأساس، نشأ «حزب الشعب الجمهوري».
في المقابل، كانت هناك لفترة ضئيلة في مواجهة هذا الحزب، تجربة «الحزب الجمهوري التقدمي»، التي كان مصطفى كمال مرحباً بانشائها كمعارضة مضبوطة في البدء، ثم قام بحظرها وسجن قادتها، وهم من كبار الضباط الذين افتتحوا معه حرب الاستقلال أساساً. هذه التجربة يتعامل معها التأريخ الرسمي الأتاتوركي كما لو أنها شكلت ملتقى الحسّاد والرجعيين والمتواطئين مع التمرّد الكردي والخلافة البائدة. وتسوريخر لا ينفي أن نقمة شخصية كانت تحرّك قادة هذه التجربة، لكنه يشدّد على ان عناوينهم في مواجهة تسلّطية كمال كانت ليبرالية (التعددية الحزبية، تداول السلطة، اللامركزية) وان ما أخذ عليهم كمناهضة للعلمانية، كانت نمطاً ليبرالياً من العلمنة (حرية المعتقد، في مقابل ادارة الدولة لمجال الاعتقاد عند الكماليين). لم يكونوا رجعيين اذاً، بل لم يكونوا محافظين بالمعيار الأوروبي، ذلك أنهم طالبوا بالعقد الاجتماعي، وانطلقوا منه، وحاربهم الكماليون بدعوى انهم يطالبون بالمشاركة في الحكم أي بتشكيل «طغمة عسكرية» على الطريقة الصينية آنذاك، بدلاً من حكم جمهوريّ تكفله عبادة الزعيم الواحد غير المحدودة سلطته بطغمة تكبحه وتبتزه. هم «محافظون في مجتمع بعد الاستقلال» لأنهم اعتبروا بأنه بعد رحيل العدو الخارجي، ينبغي العودة الى الأوضاع العادية، في حين ان «تقدميي ما بعد الاستقلال» اعتبروا ان حالة الطوارئ التحريرية ينبغي أن تستثمر لبناء الأمة بشكل تعسّفي، واندماجيّ، لا يقبل المنافسة السياسية داخله.
تسعون عاماً تفصلنا عن لحظة حظر هذه التجربة، تجربة «الحزب التقدمي الجمهوري» لصالح ابقاء الحزب الواحد، «الشعب الجمهوري»، مع فترات سماح وجيزة لأحزاب ثانية كان يعاد حظرها، الى يوم العودة الى الانتخابات المتعددة في بداية الخمسينيات وخسارة «حزب الشعب الجمهوري» له، وهو لم يعد بعد ذلك الى حكم تركيا بشكل مزمن، اذ كان ضحية اما الانتصارات الانتخابية للأحزاب ذات النكهة المحافظة دينياً (الحزب الديمقراطي زمن عدنان مندريس) ثم الاسلامية، واما ضحية حظر الأحزاب في زمن الانقلابات العسكرية، واما الى ازدهار مرحلي لأحزاب مرتبطة بأشخاص (حزب الوطن الأم مع تورغوت اوزال).
بقيت مع ذلك المفارقة التي شرحها تسوريشر: مشكلة التقدميين الأتراك مع فكرة العقد الاجتماعي، وانحسار الباحثين عن العقد الاجتماعي تقليدياً بالنخب التي يدفعها ابعادها عن مركز السلطة نحو مواقف ليبرالية.
فهل تؤسس الانتخابات الحالية لمصلحة مشتركة في البحث عن عقد اجتماعي تدلٌ حيرة التشكيل الحكومي على غيابه، ولا يعوّض عنه المشهد الديمقراطي للانتخابات نفسها؟ ربّما. لكن استسهال القول بأن الانتخابات المبكرة هي الحل ليست الطريق الأنسب لانضاج فكرة عقد اجتماعي تركي، هذا العقد الذي له أن يتيح لثلاثة علمانية مثلاً خرق «التابو» القومي الذي يمنعها من الائتلاف بينها. والديمقراطية التركية الآن تقيّد نفسها بأكثر من «تابو» بسبب من الاستبعاد المزمن لمفهوم العقد الاجتماعي، في مقابل الاصرار على مشتقاته من جمهورية، وعلمانية، وديمقراطية.
كاتب لبناني
وسام سعادة