القاهرة ـ «القدس العربي»: أكدت الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 16 يونيو/حزيران بطريقة غير مباشرة أن الاهتمام الأكبر للغالبية من المصريين وكذلك الدولة، موجه إلى شهر رمضان ومسلسلات وبرامج القنوات التلفزيونية، والتأكد من استمرار حالة التحسن في الكهرباء حتى لا تنقطع، أو يتم تخفيف الأحمال، بما يحرمهم من مشاهدة المسلسلات، وكذلك الاطمئنان على توافر السلع بأسعار مخفضة في المجمعات الاستهلاكية ومراكز البيع التي أقامتها وزارة التموين، خاصة في المناطق الشعبية وضمان عدم وجود أزمة في البنزين والسولار والبوتاجاز، ولهذا واصل الرئيس السيسي متابعة هذه الأوضاع بنفسه من خلال اجتماعاته المتواصلة مع الوزراء والمسؤولين، وكان آخرها اجتماعه مع وزيري البترول والتموين، خاصة أن مصلحة الأرصاد الجوية نشرت نبأ غير مريح وهو أن درجات الحرارة سوف ترتفع أول أيام رمضان «الخميس» ولمدة ثلاثة أيام وبالتالي فماذا سيكون موقف الكهرباء خاصة مع الضغط الشديد الذي سيحدث عليها؟
كذلك تواصل الاهتمام الكبير بامتحانات الثانوية العامة التي ستنتهي غدا الخميس، وفي ما عدا ذلك فلا تزال الغالبية بعيدة عن الاهتمام بالقضايا والأخبار الأخرى، رغم أهميتها، ومنها اجتماع مجلس نقابة الصحافيين ورؤساء تحرير صحف قومية وخاصة، وانتقاداتهم لوزارة الداخلية، بسبب تقدمها ببلاغات ضد الصحافيين، وكذلك ما تلاحظه من تضييق على حرية الصحافة، وطلبها الاجتماع مع الرئيس وإعلان الداخلية أنها سحبت بلاغها السابق ضد «المصري اليوم» والحالي ضد «اليوم السابع».
وقد أخبرنا أمس في «اليوم السابع» زميلنا الرسام محمد عبد اللطيف أنه توجه لأحد أقسام الشرطة للسؤال عن بلاغ كان قد تقدم به فسمع الشاويش يصرخ في وجه عسكري:
– شوفلي مين هلال رمضان اللي الناس مفيش وراها غيره وأعمله قضية تكدير السلم العام.
وتهمة تكدير السلم العام هي التهمة الموجهة لجريدة «اليوم السابع». ومن الموضوعات المهمة التي لم تهتم بها الغالبية، الحديث الذي أدلى به الفريق أحمد شفيق، ولم تتم إذاعته على «قناة العاصمة». وأعلن زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي رئيس مجلس
إدارة وتحرير «البوابة، أن القناة سوف تذيعه كما أشارت، إلي مداخلة شفيق، مع برنامج القاهرة اليوم الذي يقدمه على «قناة اليوم» مع عمرو أديب وخالد أبو بكر، وقوله إن مدير المخابرات العامة وقتها اللواء مراد موافي هنأه بفوزه في الانتخابات، لكن مراد صرح للصحيفة بأن ذلك لم يحدث.
أيضا لم يهتم أحد بالأخبار والتحقيقات والمقالات الكثيرة عن محاولات الوساطة للصلح بين الإخوان والنظام، ونشرت «التحرير» أمس في صفحتها الأولى حديثا هاتفيا مع يوسف ندا، نفى فيه كل ما نشر عن تقدمه بمبادرة وقال للجريدة بالنص كما نشرته:
«لا أعترف بالنظام الحالي في مصر كما لم أطلق أي وثيقة أو مبادرة للمصالحة، لأنني أعتبر أن النظام الحالي لا يمكن التصالح معه».
وإلى بعض مما عندنا….
حملة نفاق للرئيس
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال المستمرة على مرور عام على تولي السيسي الرئاسة، وماذا حقق فيها ونجح.. وما لم يحققه أو فشل فيه والمطلوب منه؟ حيث قال يوم الأربعاء في «المصري اليوم» زميلنا عماد سيد أحمد عما سماه حملة نفاق للرئيس: «مصر التي قامت بثورتين، يجب ألا تعيد إنتاج ما ثرنا عليه وما خرجنا ضده ولا نحاكيه ولا نقلده بأي صورة من الصور، فالثورة ليست في تغيير الأشخاص، بل الأفكار المتخلفة والعادات البالية والسلوكيات الفاسدة المفسدة. الرئيس السيسي لم ولن يكون في حاجة لمثل هذه الترهات ولا يحتاج إلى هذا النفاق الزاعق الرخيص المبتذل، إنه الأكثر احتياجا لنصيحة سيدنا عمر بن الخطاب «إذا أخطأت فقوموني»، والرئيس ليس في حاجة إلى من يقدمه للناس وليس هناك شيء يتحدث عن الرئيس أكثر من الأعمال التي أنجزها خلال عام لمن يقولون «إنه رجل الأقدار» من تستهدفون بنفاقكم.. إذا كنتم تستهدفون «الرئيس» فإنه لا يلتفت لمثل هذه الصغائر. ولن ينظر إليها بعين الاحترام.. راجعوا أنفسكم واحفظوا الأمانة واجعلوا أموال الناس للناس».
لن تتأسس دولة حديثة
على رجل واحد
وفي «الشروق» عدد يوم السبت قال زميلنا وصديقنا عبد الله السناوي: « تحتاج مصر أن تضع كمامة ثلج فوق رأسها المشتعل وتواجه الحقيقة من دون تهرب من استحقاقاتها. فكل شيء مهدم تقريبا ويحتاج إلى بناء جديد بعد إزالة أثقال الماضي التي تعطل كل حركة وتنفي أي أمل. الحوار العام مدخل إجباري للاضطلاع بمسؤولية البناء والقدرة في الوقت نفسه على دحر الإرهاب. تغييبه يعني بالضبط حجب كل فرصة ممكنة للاصطفاف الوطني. في تنحية الدستور تغييب لأي قواعد تحكم الأداء العام.
باليقين هناك جهود مضنية تبذل، غير أنها تفتقد أي خطة واضحة تحدد طبيعة أي أزمة وأفق حلها. في أي مصارحة بالحقيقة لا توجد منظومة صحية على أي قدر من الاحترام لأبسط حقوق مواطنيها ولا منظومة تعليمية على أي صلة بالعصر واحتياجاته ولا منظومة عدالة وأمن تليق ببلد قام بثورتين. بنية الدولة كلها متآكلة وتحتاج إلى خطة عمل تعيد بناءها. العمل التنفيذي هو بالأساس عمل سياسىي، هذه ليست مشكلة رئيس الحكومة المهندس إبراهيم محلب فقد اختير لمنصبه الرفيع باعتباره رجلا تنفيذيا ميدانيا من خبرته الطويلة في المقاولات العامة. ووفق الدستور فإن الحكومة هي «الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة» وأول اختصاصاتها الاشتراك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها. لا شيء من ذلك قد حدث.
بصورة أو أخرى عادت الحكومة إلى موقعها القديم كـ«سكرتارية للرئيس» من دون أن تكون هناك خطة عامة تضمن الحد الأدنى من التضامن الوزاري. هذا من أسوأ التطورات السلبية التي تستدعى تصحيحا عاجلا وإلا فإننا سوف نقرأ التاريخ نفسه في نسخة جديدة. القضية الرئيسية إنفاذ الدستور ونقطة البدء تعديل القوانين المنظمة للانتخابات النيابية حتى يكون هناك برلمان يمثل حركة المجتمع الحقيقية ويضطلع بصلاحياته في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وتشكيل الحكومة وعزلها. في تغييب البرلمان مصادرة لفكرة توازن السلطات وفق الدستور. ولا يمكن أن تتأسس دولة حديثة على رجل واحد».
الأحزاب تبيع وهما
لم يعد الشعب راغبا في شرائه
وفي عدد «الشروق» ذاته نشرت مقالا لعصام شيحة عضو الهيئة العليا السابق لحزب الوفد، وهو من المجموعة التي دخلت في صراع مع رئيسه السيد البدوي قال فيه: «بينما تشكو الأحزاب من طول وقسوة استهدافها من جانب الأنظمة السابقة وهذا صحيح وتقر بضعفها وتطالب بدعمها، وذلك حق لا جدال فيه، تبيع الأحزاب وهما لم يعد الشعب راغبا في شرائه، إن هي ادعت ملكيتها لدعم يمكن أن تقدمه للرئيس السيسي، وقد حاز الرجل شعبية كاسحة مقابل فراغ الحياة السياسية برمتها والأحزاب ضمنا، ما دفع بالشعب إلى الاحتماء بمؤسسته العسكرية مناديا بالسيسي رئيسا، كذلك راحت القوى والأحزاب السياسية تعرض «خدماتها» على الرئيس السيسي، ففي البرلمان وليس خارجه يمكن أن يمثلوا ظهيرا للرئيس، والحق أن الشعب أجدر بدعم اختياره الثوري ومحاسبته ومساءلته على نحو ما عليه أن يحاسب قواه وأحزابه السياسية، وله أن يسألهم أي دعم يملكونه للرئيس السيسي وهم في موقع قصي عن الشعب وأمله وآلامه، وفي مواجهة من يظاهرون السيسي إن كانوا جميعا على تلك أحرص أيظاهرونه في مواجهة شعبه الذي اختاره أم في مواجهة جماعة إرهابية يواجهها الشعب بعزم وبصدر مفتوح».
مصر تعود لحضن القارة الافريقية
وطبعا هو يقصد قيادة حزب الوفد التي تؤكد دعمها للسيسي، أما في «أخبار» الأحد فإن زميلتنا الجميلة فاتن عبد الرازق قالت للرئيس: «أعدت مصر لحضن القارة الأفريقية الامتداد الطبيعي والاستراتيجي للوطن باحترامك للأفارقة وتعاملك معهم بلغة المصالح المشتركة، فكسبت حبهم وثقتهم واستعدت ثقة دول الخليج العربي في مصر وقيادتها، واستطعت ولأول مرة توحيد كلمة الدول العربية في قرار واحد لمواجهة الإرهاب وضرب معاقله، جعلت المصريين يلتفون حول مشروع قومي تنموي يمنحونه ثقتهم وأموالهم من خلال برنامجك لتنمية محور قناة السويس وحفر القناة الجديدة والترويج لجذب استثمارات عالمية له وجعل مصر على خريطة الاستثمار والسياحة العالمية من قلبي وقلوب المصريين المحبين لوطنهم أقول سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي شكرا.
وقد قبلنا الشكر نيابة عن الرئيس وهل يمكن رفض شكر من جمال وحلاوة كهذه؟
الإعلام الموالي للسلطة
يحول السيسي إلى «رجل المستحيل»
أما في جريدة «المصريون» الأسبوعية الخاصة التي تصدر كل أحد فنقرأ فيها تحقيق زميلينا محمد عبد الرحمن ورانا رمضان حيث قالا فيه بسخرية: «أسدل الستار على النظام الملكي في مصر منذ أكثر من 60 عاما، مع قيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي قادها الضباط الأحرار ضد الملك فاروق، إلا أن أحد مظاهر النظام الملكي الذي كان يحتفل سنويا بذكرى تولي الملك الحكم، في ما يعرف بـ«عيد الجلوس»، عادت في الذكرى الأولى لوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي، مخالفا بذلك الأعراف السابقة في عهود كل رؤساء مصر السابقين، إذ حول الإعلام الموالي للسلطة كشف الحساب السنوي للسيسي، بعد عام من توليه الحكم، إلى احتفال يشبه «عيد جلوس» الملوك والسلاطين، مع قيام العديد من الصحف برصد ما اعتبرتها إنجازات للرئيس في العام الأول من توليه الحكم، التي تضمنتها عبارات مدح وصلت إلى تشبيهه بقصص الأساطير والخيال.. أدهم صبري الذي انتظره الشعب. لا يستطيع أحد من جيل الثمانينيات أو التسعينيات نسيان أدهم صبري الشخصية الخيالية التي اخترعها الكاتب نبيل فاروق في سلسلة «رجل المستحيل»، حيث تجسد رجل المخابرات المصرية صاحب القدرة على ممارسة جميع أنواع القتال وإجادة جميع اللغات وتقليد جميع النبرات الصوتية، بالإضافة إلى قدرته الفائقة على قيادة السيارات والطائرات والغواصات، إلا أن هذه القصة الخيالية حولها الإعلام المصري إلى شخصية حقيقية، إذ اعتبرت صحيفة مملوكة لأحد رجال الأعمال المقربين من السلطة، أن الرئيس السيسي أدار عامه الأول بسبعة وجوه «الرجل العسكري، ورجل المخابرات، ورجل الدولة، والزعيم، والمتدين، والدبلوماسي والإنسان».
كفى فرصا للمقصر والمهمل!
وفي «أخبار» الاثنين أبدى زميلنا علاء عبد الوهاب دهشته من اكتفاء الرئيس بطلب تأجيل تطبيق نظام الكروت الذكية في البنزين، بعد اكتشاف أوجه قصور فيه وقال علاء عن هؤلاء الوزراء: «لابد أن يخضعوا لتحقيق عاجل وأن تعلن النتائج وأن يتخذ بحقهم إجراء رادع مهما كانت مواقعهم، وأيا كانت مبرراتهم، إذ كان عليهم أن يتكلموا قبل أن يتدخل الرئيس مطالبا بالتأجيل. لا توجد دولة في العالم تحت سماء القرن الواحد والعشرين يتابع فيها الرئيس كل صغيرة وكبيرة وجميع التفاصيل، وكأنه لا حكومة ولا وزراء مسؤولون ولا أجهزة للرقابة والمتابعة، كلهم يعتمد على رئيس يحمل عنهم المسؤولية، ويذكر من ينسي ويمنح المقصر بدل الفرصة ثلاثا. سيادة الرئيس آن الوقت لأن تكف عن المطالبة فقط تحاسب وبشدة وكفى فرصا للمقصر والمهمل ومن لا يقدر على حمل المسؤولية».
الاقتصاد يعاني من الركود
وأخيرا إلى «أهرام» يوم الاثنين نفسه والجميلة الدكتورة كريمة كريم أستاذة الاقتصاد في جامعة الأزهر التي قالت: «أما ما لم ينجح فيه الرئيس والحكومة حتى يومنا هذا فهو إعطاء الدفعة المطلوبة للاقتصاد، الذي ما زال يعاني من معدلات كبيرة من البطالة والركود، فعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذل لعقد مؤتمر شرم الشيخ والإصلاحات الاقتصادية المعلنة من الحكومة، إلا أنه لم تصاحبها خطوات تنفيذية فعالة لتحقيقها، فأهم التحديات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد المصري هو كيفية ضخ استثمارات لإتاحة فرص عمل وزيادة الدخول، وبالتالي زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات وبالتوازي مع زيادة الإنتاج مما يؤدي إلى جذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، ومن أهم المداخل لتحقيق ذلك هو إعادة السبعة آلاف مصنع التي أغلقت بعد الثورة إلى العمل مما يؤدي إلى إتاحة فرص عمل».
المشروعات العظمى التي غيرت
وجه مصر نفذتها الدولة
لكن رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام المفكر الاقتصادي زميلنا أحمد السيد النجار كان له رأي آخر في حكاية الاقتصاد وما تحقق ويتحقق قال: «الثابت تاريخيا أن المشروعات العظمى التي غيرت وجه مصر كانت مشروعات تنفذها الدولة، وحتى عندما بدا أن هناك مشروعا خاصا وليس حكوميا لحفر قناة السويس في القرن التاسع عشر، لم يكن ذلك سوى خدعة ولصوصية فرديناند ديليسبس وغفلة الخديوي سعيد، لأن الدولة المصرية هي من وفّر قوة العمل بالسخرة تقريبا، وهي من وفّر الجانب الأكبر من الأموال الضرورية لإنجاز المشروع الذي تمت سرقته من مصر من قبل الرأسمالية العالمية، قبل أن يؤممه ويعيده لمصر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وقد جاء مشروع القناة الجديدة كمحرك عملاق للاقتصاد المصري، منحه دفعة قوية للخروج من مأزق البطء والركود وضعف القدرة الاقتحامية منذ سنوات طويلة، فالبنية الأساسية للمشروع والمتمثلة في حفر القناة الجديدة والأنفاق الستة التي ستربط شرق القناة بغربها، وضمنها نفقان للسكك الحديدية، أوجدت أكثر من أربعين ألف فرصة عمل مباشرة، فضلا عما يزيد عليها من فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بالمشروع، أما المشروعات الصناعية والخدمية التي سيتم تأسيسها في إطار تنمية المنطقة فسوف توجد أضعاف هذه الفرص، تبعا لحجم تلك المشروعات واحتياجاتها من العمالة، لقد استعادت مصر عبر مشروع القناة الجديدة الدور القيادي للدولة في التنمية الذي تم تغييبه على مدى أربعة عقود، الذي يشكل ضرورة وقدوة وقاطرة للقطاع الخاص حتى في الوضع الراهن للاقتصاد المصري، الذي يقوم فيه القطاع الخاص الصغير والتعاوني والمتوسط والكبير بالدور الأساسي في الاستثمار وتحقيق النمو، صحيح أن المشروعات التنموية في منطقة القناة معروضة للقطاع الخاص المصري والعربي والأجنبي، إلا أن ذلك لا يمنع من مشاركة الدولة أيضا في ما يتعلق بمشروعات تصنيع الثروات المعدنية والمحجرية، وبعض الخدمات الإستراتيجية. كما أن الاعتبارات الوطنية لابد أن تكون حاضرة ومتمثلة في الفيتو الخاص بالجيش المصري على أي مشروع لأن المنطقة تبقى منطقة إستراتيجية بالمعنى الضيق، وهي كانت منطقة عمليات لزمن طويل».
ملايين المواطنين كانوا ضحايا لحم الحمير
وإلى المعارك والردود وبعضها بسبب القبض على صاحب مزرعة لتربية الحمير في الفيوم بعد ذبح ثلاثين منها، وقيل إنه كان يستعد لذبح أكثر من ألف لبيعها في المحلات والمطاعم بمناسبة الشهر الكريم، وسبق وقال إن هذه اللحوم لتوريدها لإطعام الأسود والنمور في السيرك القومي وسيرك الحلو، قبل أن تتضح الحقيقة بشكل نهائي. وقد كثرت الرسوم الكاريكاتيرية والمقالات والتعليقات. وكان أبرزها يوم السبت في «الأهرام» لزميلنا الشاعر فاروق جويدة وقوله في عموده اليومي «هوامش حرة» بعد تفكير: «عرفت الآن لماذا انهار مستوى الغناء في مصر، فقد أزعجتني كثيرا الأخبار التي نشرتها الصحف عن مزرعة الحمير في الفيوم، التي تذبح الحمير وتوردها لحوما للمواطنين، ولنا أن نتصور كم من الحمير قد ذبح صاحب هذه المزرعة قبل اكتشاف جريمته، لأن هذا يعني أن ملايين المواطنين كانوا ضحايا لحم الحمير، ولا أدري هل هناك علاقة بين هذه النوعية من اللحوم وانخفاض مستوى الذكاء وفساد العملية التعليمية، حتى أن هناك طلابا في بعض مراحل التعليم لا يكتبون ولا يقرأون، وهل هناك علاقة بين أكل هذه اللحوم والمستوي الثقافي الذي تراجع كثيرا، خاصة في البرامج والفنون التي نقدمها، هل هناك علاقة بين انحدار مستوى الغناء وانتشار الأصوات القبيحة على الشاشات وفي الإذاعات، هناك فرق كبير بين شعب كان يوما يغني الأطلال والآن يغني بحبك يا حمار. إن المشكلة تحتاج إلى دراسة جوانبها بكل التفاصيل نظريات التكاثر بين الحمير في ظل العولمة ومواقع التواصل الاجتماعي المهم أن نصل إلى أعماق هذه التجربة، خاصة أن الغناء المصري تراجع في السنوات الأخيرة بصورة مخيفة تهدد تاريخ الفن المصري في كل مجالاته».
لم تظهر أي أعراض «حمورية» على المواطنين
ويوم الأحد في «الأهرام» أيضا قال زميلنا محمد حسين نافيا ما قاله فاروق من ظهور أعراض أكل لحم الحمير علينا نحن أحفاد الفراعنة: «سواء ذهبت «لحوم الحمير» التي كانت جاهزة للتوزيع كطعام لحيوانات السيرك، كما يزعم صاحب «السلخانة» أو ذهبت إلى أصحاب المطاعم والجزارين، فإن الجريمة لم تكن تستحق كل ما أثارته من غضب وقلق، فهي في النهاية لا تتعدى مجرد واقعة «غش» متواضعة بالقياس إلى جرائم الغش الأخرى الكبرى التي أصبحت تهيمن على حياتنا كلها، من دون أن تحرك فينا ساكنا أيضا ما هو الضرر في أن يأكل المصريون «لحوم حمير»؟ فهي لا تشكل خطرا على صحة الإنسان، والدليل أن الذين أكلوها لم تظهر عليهم أي أعراض «حمورية»، سواء شكلا أو صوتا، كما أنهم لم يشتكوا من المرض ولم تتهدد حياتهم لا تقلقوا على صحة المصريين، فهم يمتلكون جهازا هضميا قادرا على طحن كل أنواع الغذاء، منذ أن أطعمتهم «طليعة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي لحوم الطيور الجارحة ولحوم الخيل والبغال وكل ما تمت بصله إلى ذوات الأربع، بقينا سنظل نأكل لحوم الحمير ما دامت حياتنا بقيت قائمة على الغش في كل شيء طعام وشراب وعلاج وتعليم ودين وتجارة واقتصاد وسياسة وثقافة وإعلام، وما أدراك كيف يصنع هذا الإعلام «الحر» من كل هذا الغش الموسوعي والشامل لوجه «سريالية» للحياة في بر مصر المحروسة».
«لو كان حد حيموت
من أكل الحمير كان مات من زمان»!
وفي «أخبار» الأحد أبدى زميلنا خفيف الظل أحمد جلال دهشته البالغة من هذه الضجة المفتعلة بقوله في بابه اليوم «صباح جديد»: «الدنيا انقلبت علشان الحمير التي يتم بيعها لمطاعم وفنادق مش عارف ليه؟ فنحن نأكل لحم حمير وكلاب وقطط من زمان، وعارفين ومفيش حد بيشتكي، ولا سمعنا واحد تعب لأنه أكل لحم حمير يعني بالعقل رغيف حواوشي مليان على أخره لحمة وثمنه ثلاثة جنيهات حيكون أيه؟ ولا سندوتش غرقان كبده لشوشته باثنين جنيه هيحشوه أيه؟ المهم أن الحمار يحموه بذمة قبل الذبح ويتبلوه كويس وخد منه أحلى بفتيك وسجق، أما الكبدة آخر فخفخة ولا يعلى عليها لذلك نصيحتي لك لا تقلق لأنه لو كان حد حيموت من أكل الحمير كان مات من زمان.. آآن .. آآن .. آآن».
أين دور الحكومة الرقابي؟
ونعود إلى «أهرام» الاثنين وزميلنا سامي خير الله وقوله عن هذه الواقعة: «ما زاد الطين بلة، أن بعض علماء الفضائيات خرجوا علينا بفتاوى تؤكد لنا أن تناول لحوم الحمير غير مخالف للشريعة، وتسابق أيضا العديد من الأطباء إلى القول إن تلك اللحوم غير ضارة بصحة الإنسان. آراء أوقعتنا وأوقعت المجتمع في مهاترات وجدل نحن في غنى عنه، وما زلنا نجادل ونكابر إن كانت لحوم الحمير حلالا أم حراما، ويقف المشروع مكتوف الأيدي تجاه تلك القضية، حيث لا يوجد نص صريح لردع تلك الفئة الضالة وعقوبتها ما هي إلا غش تجاري لا أكثر ولا أقل، فقد كتب عليها لحم شمبري ممتاز وهي في حقيقتها لحم حمير خالص، وهذا الأمر لا ينسينا من قام بذبح الكلاب وباعها على أنها لحم ضاني والقطط على أنها أرانب والميتة، ولعل كل هذه الأمور ردت على استفسارات كثيرة في الأسواق، ومنها بيع رغيف الحواوشي باثنين جنيه وكيلو الكبدة بسبعة جنيهات واللحم المفروم والسجق بواحد وعشرين جنيها فهل وصل بنا الحال أن يعبث بنا تجار الغش وبأبنائنا وبمجمعنا الطيب ويطعموننا لحوم القطط والكلاب والحمير فأين الدور الرقابي للحكومة.. وأين المشروع الذي غاب نصه لردع هؤلاء الغشاشين؟ وقبل أن يصدر التشريع علينا أن نذكر أن أحد حكماء العرب أصدر حكما على جزار بعد اكتشاف أمره بأنه باع لحوم الحمير لزبائنه لأن يتناول وجبة يومية من لحومها لمدة شهر، أصيب علي أثرها بأمراض عضوية ونفسية فالجزاء من جنس العمل فلنطعمهم من لحوم الحمير».
وبمناسبة لحوم الحمير أتذكر أنه في أوائل الستينيات من القرن الماضي تم ضبط محل جزارة يبيع لحم حمير وتم سجن صاحبه وغلق المحل مدة طويلة، والطريف في الأمر أنه كان يقع أمام مقر وزارة التموين مباشرة على الصف الثاني في شارع القصر العيني وعلى بعد أمتار من مقر نقابة الأطباء في الصف ذاته كما أذكر أن زميلنا وصديقنا الكاتب الراحل عبد الله إمام «ناصري» كان يصطحب معه عددا من زملائه في مجلة «روز اليوسف» مساء لتناول العشاء عند كبابجي قال إنه اكتشفه في السيدة زينب لحمته أطعم من أي كبابجي آخر، وذات يوم نشرت الصحف نبأ القبض عليه لأنه كان يقدم لحم القطط. وعلى العموم فإن هذه التعليقات والرسوم الكاريكاتيرية تكاد تكون متطابقة مع كل حادث لاكتشاف من يبيع أو يذبح حميرا أو كلابا على مدار السنوات الماضية وكانت عمليات الغش الواسع في الأطعمة مع بداية ما سمي الانفتاح الاقتصادي عام 1974 وفتح باب الاستيراد واسعا.
الظرفاء
وإلى الظرفاء وأولهم سيكون زميلنا في «الأخبار» عبد القادر محمد علي وقوله يوم الثلاثاء قبل الماضي في بروازه اليومي «صباح النعناع»: «الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية طالب موظفي الحكومة بالإخلاص في العمل وقال إن الإحصاءات الدولية تؤكد أن الموظف في بلدنا لا يعمل سوى ثماني دقائق في اليوم.. يا سلام لو أن الموظف استجاب لدعوة المفتي وقرر زيادة عطائه لبلده أربعة أضعاف ما يقدمه الآن وذلك بالعمل نصف ساعة كاملة بدلا من 8 دقائق تفتكر ممكن؟.
أما زميلنا وصديقنا الساخر فؤاد معوض الشهير بـ «فرفور» فأتحفنا يوم الخميس بالقول في جريدة «الفجر»: موضة الألقاب التي تمنحها الفضائيات للمطربين انتشرت هذه الأيام روبي «صوت الشباب» ماريا «صوت المرح» شيرين عبد الوهاب «صوت الحب» أنغام «صوت مصر» أقترح على بوسي سمير لقب «صوت القلعة» لأنها «قالعة» على الدوام! قالت لي فيفي عبده عندما التقيت بها ذات يوم في أحد المطاعم أنا مش جاهلة زي ما بيقولوا ده أنا مثقفة و«جامعية» أيضا، سألتها يعني دخلت الجامعة فعلا؟ أجابت بسرعة: أيوة دخلتها علشان أدفع المصاريف لـ«هنادي» ابنتي! هل رأيتم راقصة صريحة ودمها خفيف مثل فيفي عبده؟ أنا وكمان «اتغديت» معاها وفاء عامر أطلقت على نفسها لقب «نجمة مصر الجديدة» الآن من حق آيتن عامر أن تطلق على نفسها لقب «أخت مصر الجديدة من جهة الأب والأم».
الخطر المقبل من العشوائيات
وأخيرا إلى «الشروق» عدد يوم أمس الثلاثاء ومقال رئيس تحريرها عماد الدين حسين ومما جاء فيه: «فتاة عمرها 17 عاما، تقول إنها تضطر إلى أن تنام بين والدها وبقية إخواتها البنات حتى لا يقوم الأب باغتصاب بقية بناته الصغار. هذه الحكاية سمعتها من الدكتور مهندس أيمن إسماعيل، المعماري والأمين العام لمؤسسة «معا» صاحبة مشروع بناء مساكن آدمية لسكان المناطق العشوائية قرب مدينة السلام.
إسماعيل قال إنه قابل والد الفتيات، وسأله لماذا تفعل ذلك؟ فرد بهدوء: «فيها إيه.. ده عادي، لا عيب ولا حرام، والدي كان يفعل ذلك مع إخواتي البنات، ومعظم الناس في المنطقة بيعملوا كده». الدكتور أيمن إسماعيل حكى هذه الحكاية، مساء الاثنين الماضي، أمام المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء، ووزراء التخطيط والشباب والصحة والتضامن الاجتماعي، والعديد من كبار المسؤولين والإعلاميين. الرجل تحدث بلغة بسيطة، لكنها شديدة القسوة عن واقع المناطق العشوائية التي يعيش فيها 25 مليون مواطن، منهم 37٪ في المناطق الحضرية، والكثير منهم مهدد بالخطر الأكيد، بل أن السؤال الحقيقي هو: متى يموتون؟
تحدث الرجل عن الانحدار الأخلاقي غير المسبوق في هذه المناطق، ولو لم يتحرك كل المجتمع، فإن هذا الخطر سيتفاقم، متسائلا: هل هذه هي مصرنا التي نعرفها؟»، «هناك بطالة رهيبة تتحول في هذه المناطق إلى بلطجة، وبمنطق المصلحة فليس هناك مواطن منا ينام الآن في بيته في أمان من تجار المخدرات والبلطجية الذين يتركزون في هذه المناطق. الدكتور إسماعيل يقول: «نريد أن ننقذ هؤلاء الناس في العشوائيات، ونريد أن نحمى أولادنا من الخطر والتدهور الأخلاقي المريع وأن نقاوم «ثقافة المطواة» التي تنتشر بمعدلات قياسية، ثم سأل الرجل مين فينا عاجبه شكل مصر الموجود على الطريق الدائري؟ محلب رد على كلام الدكتور أيمن بقوله، إن الحلم موجود والحكومة ستتحرك وتساعد، وإنه زار هذا المشروع ثلاث مرات. في النهاية تم فتح باب المزاد الذي قادته الفنانة حنان ترك، وبدأ بالتبرع بـ«طوبة» وتساوي ألف جنيه، أما الغرفة فتعني عشرة آلاف والشقة مائة ألف، والدور 400 ألف، والفصل الدراسى نصف مليون وورشة تعليم الحرف مليون، والعمارة 2 مليون وجناح في مستشفى ثلاثة ملايين.
تحية تقدير واحترام لكل من ساهم في نجاح مشروع «معا» وعلى رأسهم الفنان محمد صبحي رئيس مجلس الأمناء، والأمين العام أيمن إسماعيل، ونائب الرئيس نيازي سلام، وبقية الأعضاء سعيد عزمي وعمرو الليثي وأميمة عبدالفتاح إدريس وحنان ترك وعبدالسلام المحجوب وحاتم خاطر وسهنود إبراهيم والمهندس حسين الزاملي.
ليت كل القادرين يتبرعون لمثل هذه المشروعات، وإذا كانوا لا يملكون نقودا فليكونوا سفراء للخير ويشجعوا من يملك».
حسنين كروم