هل أضحى التقسيم الخيار الوحيد للعراقيين

حجم الخط
3

ما أصعب أن يكتب المرء ضد أحلامه ويضطر لتغييب مبادئه الكبرى التي قضى عمره في الجهاد في سبيلها كوحدة الوطن واستقلاله وبناء دولة القانون والعدالة.
ما أقسى أن تجبرك الظروف لترضخ صاغرا للحديث عن تقسيم بلدك وتمحو من ذاكرتك العيش المشترك بين طائفتين مسلمتين تعايشتا لاكثر من ألف سنة.
هل يمكن أن نستوعب حقائق ستفرض على الارض بأن عراقي الغد سيكون بحاجة إلى تأشيرة عند ذهابه إلى النجف أو كربلاء أو البصرة. لكن ما هي المبررات والدوافع التي اوصلتنا إلى ما نحن عليه، ولماذا قبلنا اليوم بتجرع مرّ التقسيم. أليس لأننا سئمنا من تذوق الأمرّ منه وهو الموت والخطف والنهب والتهديم والحرق والدمار، رغم أن الماكينة الإعلامية الرسمية تركز على مبدأ «إخوان سنة وشيعة هذا البلد ما نبيعه»، أو مقولة السنة هم انفسنا. أما الواقع المعاش على الأرض فهو معاكس تماما لكل هذه الشعارات. فالسني اصبح واضحى وامسى متهما شاء أم أبى، ومهدورا دمه وعرضه وماله وهو مطلوب حيا او ميتا، لانه من وجهة نظر الحكومة الطائفية إرهابي مجرم وهابي تكفيري صدامي داعشي، صغيرا كان أم كبيرا رجلا كان أم امرأة، شابا أم عجوزا يعمـــل مع السلطة أو ضدها.
لقد كانت نبرة المظلومية الطائفية لدى بعض السياسيين الذين ناصبوا العداء نظام الحكم السابق في أوجها. لقد كانت فكرة مظلومية الشيعة على لسان الكثيرين، سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين قوية منذ وقت بعيد. لكنها تصاعدت كثيرا منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. عندما كنا نعمل معا في المعارضة ضد النظام العراقي منذ بداية الثمانينيات، كان لي حديث طويل مع قيادي في المجلس الاسلامي الأعلى في فرنسا. لقد كان همه الاكبر منذ ذلك الوقت تسويق فكرة عراق المكونات، شيعة اكراد سنة. على الرغم من أن هذا المنطق يلتقي مع مبادئ الصهيونية العالمية ومعروفة اهدافه التي تقضي الاجهاز على هوية العراق العربية وتحجيم السنة العرب. لقد تمكن هؤلاء من تبرير المؤامرة التقسيمية الكبرى عن قصد أو عن غير قصد، وانطلت على الكثيرين من حسني النية من الشيعة العرب. في الواقع كان سياسي الشيعة يخططون للهيمنة الطائفية على مكونهم والسيطرة على الحكم السياسي في العراق. هذا الهدف لا يمكن ترجمته الا بالتقسيم الطائفي العرقي على حساب الوطن الواحد، لذلك ومن أجل نجاح هذا المشروع أنشأوا حلفا غير مقدس مع قادة الاقلية الكردية، التي تقل نسبتها في العراق عن 20 في المئة. وتحت تأثير نزعة الثأر والانتقام، اصبح القادة الاكراد يهيمنون على حق القرار والتشريع والحكم، في حين حرموا العرب التي تزيد نسبتهم عن 80 في المئة من اي شيء.

مبدأ تسليط الاقلية على الاكثرية

لقد تم للقادة الشيعة وفق هذه المعادلة الجائرة ضمان الأغلبية الطائفية، رغم الضمانات غير المحدودة للاكراد كونهم مظلومين أيضا، فأصبح السنة العرب بين المطرقة والسندان. عندما دعيت لمؤتمر نصرة الشعب العراقي في طهران عام 1986، سمعت المنطق نفسه والمعادلة نفسها والتقسيم الطائفي العرقي نفسه، عندما التقيت برئيس المجلس الاسلامي الأعلى. إن عراق المكونات الثلاثة الذي بات هدفا اسمى لسياسيي الشيعة والاكراد تبناه جورج بايدن، إثر طرد قوات النظام العراقي من الكويت عام 1991.
بعد احتلال العراق عام 2003 بدأ مشروع التقسيم الطائفي يسير بشكل متواتر فسياسيو الشيعة وبعض المراجع الدينية شرعوا بتأسيس البيت الشيعي، كما كانوا يقولون جهارا نهارا، واتجه العراق إلى حرب ضروس ضد كل ما هو عربي ولا يستطيع احد الهمس بالعروبة، لان صاحبها سيصنف على أنه قومجي بعثي، ثم افتعلوا الازمات مع الدول العربية فاتجهت أولويات الحكم الجديد من الغرب العربي السني إلى الشرق الفارسي الشيعي. اما القادة الاكراد فقد جمعتهم المصلحة مع سياسيي الشيعة، إذ جمعهم العداء المشترك للعرب ونزعتهم الانفصالية الشوفينية، علما بأن الجانب الديني لدى القادة لا اثر لهم فيه. بات الامر واضحا بان العراق متجه إلى تقسيم طائفي عرقي من خلال مشروع القطبين الشيعي والكردي على حساب السنة. من المؤكد ان اغلبية أهلنا الشيعة يفتخرون بعروبتهم ولا يعلمون ما يطبخ لهم من مؤامرات تقسيمية، مخططوها في واشنطن وتل ابيب ومنفذوها منفيون عراقيون جاءوا من فرنسا وبريطانيا وامريكا وايران ودول اخرى، وبالنتيجة هم طارئون على المجتمع العراقي ولا يخسرون شيئا في تنفيذ المؤامرة الكبرى. ومن المعلوم أن للشيعة الامامية في العراق مرجعية دينية لا تتدخل في السياسة عكس المرجعية الشيعية الايرانية. لقد تمكن الطارئون عبر سياسة التخويف من ضياع المكاسب السياسية والاقتصادية للمذهب، والتهويل من عودة البعثيين الصداميين والسلفيين وأهل السنة، من حشرها في سياساتهم الطائفية منذ بدأ الاحتلال. فقد تمكنوا من توريط آية الله العظمى السيد علي السيستاني بإصدار فتوى لعموم الشيعة بأن التصويت على الدستور واجب شرعي وبالنتيجة من لا يذهب لصناديق الاقتراع سيكون آثما ويتحمل ذنبا دينيا كبيرا. رغم أن المرجعية الزمت نفسها بعدم التدخل بالسياسة، كما أن الاسلام ومبادئه وفق فتاوى جميع ائمة المذاهب الاسلامية، بمن فيهم الامام جعفر الصادق يقرون بحرمة التعاون مع مثل هذا المشروع الاستعماري الصليبي، الذي أرسى أسس المحاصصة الطائفية وبالتالي التقسيم الطائفي العرقي المنتقى.
جاءت سياسة شيطنة السنة العرب العراقيين من قبل السياسيين الشيعة الطارئين، وبعض المراجع الدينية ممنهجة ومفتوحة على جميع الفضاءات من دون قيد او شرط. بدأنا نسمع الكثير من الاكاذيب والتزييف التاريخي الحديث والقديم، من دون وازع اخلاقي او ديني مدفوعة بروح الانتقام وتصفية حسابات تاريخية. فقد اضحى السني هو المسبب الرئيسي في حرمان الشيعي من استلام الحكم بعد ثورة يونيو/حزيران 1920. رغم أن السني هو الاخر كان قد شارك مع اخيه الشيعي مشاركة فعالة في الثورة على بريطانيا آنذاك. كما أن الخيارات السياسية انذاك كانت بيد دولة الانتداب البريطاني حصرا. إن هوس الاستحواذ الكامل على السلطة عبر عنه احد الطائفيين في مجلس النواب عندما قال يكفي أن أهل السنة حكموا العراق منذ عهد أبو بكر حتى احمد حسن البكر، وبات السني متهما مهما فعل، فهو في نظرهم هاجم ايران وقتل السيد محمد باقر الصدر. فطالما صدام كان ينتمي تاريخيا إلى اهل السنة العرب فاهل السنة العرب جميعهم مسؤولون عنه وعن جرائمه، ولا يضير او يرعوي هؤلاء قوله تعالى، «ولا تزر وازرة وزر أخرى». الطامة الكبرى هي في تركيبة اهل السنة انفسهم التي سهلت استهدافهم واستئصالهم من قبل السياسيين الشيعة والاكراد. فغياب المرجعية الدينية وغياب البرنامج والخطاب السياسي الديني وتمكن العلمانية والالحادية جعلت منهم خليطا غير متجانس، بحيث توزعت جهودهم ما بين الأحزاب القومية التي باتت لا تحاكي الواقع العراقي او البقاء في كنف حزب ديكتاتوري كحزب البعث، أو العودة إلى تجربة الاخوان المسلمين البائسة، التي تعتبر الوجه السني الاخر لحزب البعث، اضافة إلى الأحزاب العلمانية الأخرى اليسارية والليبرالية.
إن تطور الفكر الإسلامي لدى السنة توقف واستحوذ عليه الفكر السلفي الوهابي، أو الاخواني، وبقى جامدا من دون أي محاولة لقراءة الواقع والاستفادة من التجارب. فالاحدات التاريخية عندهم مقدسة ولا يجوز المساس بها والبقاء في أحضان الماضي والتغني به أصبح الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الهوية، سواء كان السنة إسلاميين أو علمانيين. كان من المفترض أن يشرعوا ببناء البيت السني طالما بدأ الاخر ببناء بيته، فحتى الزواج يقول الله فيه امساك بمعروف او تسريح باحسان. فالقادة الشيعة بات لا يروق لهم الاستمرار في البيت العراقي، وعلى الشريك أن يجد له بيتا اخر. حاولت «القاعدة» أن تملأ الفراغ ثم «تنظيم الدولة داعش» لكن السنة ولحد هذه اللحظة لا يكادون يفقهون حديثا ولا يزالون يحلمون بالعراق الموحد، ويحنون إلى الدكتاتورية وفوق هذا وذاك باع سياسيو السنة اهلهم بثمن بخس.

٭ كاتب عراقي

د. نصيف الجبوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية