عزيزي الصائم، أعرف أن ريقك ناشف، وأن أمعاءك خاوية، و(أنها مقبعة معك والطاسة حميانة)، خاصة وأنك تتعرض لألعاب استفزازية تهبط عليك من الأقمار الاصطناعية، لتقتحم خلوتك بربك، وتسرق منك مجاهدتك لنفسك، تتمثل لك على هيئة حوريات «على الموضة» يتناسلن من جنة محرمة على الفقراء واللاجئين وضحايا الحروب وسكان المخيمات، إنها جنة مخصصة فقط لأمراء الجحيم، وعصابات الإعلام، وسمكرية الأعمال الدرامية، وتجار الفضائح الاستعراضية وسدنة الإباحة الفنية في شهر العفة والطهارة .. فما أنت فاعل يا مسكين؟!
قد يقول قائل: «الله لا يردك» من يجبرك على متابعة ما تعتبره حراما، إن لم يعجبك حال فضائك، الريموت معك، قَلِّبْ قمرك، حيث شئت من الصحون الطائرة، وبصراحة معه حق، والضمير هنا سيد الموقف، ليس عليك إلا أن تشفر قبل الفطور، وتفك بعد التراويح، فإن وسوس لك شيطانك، وغلب حمارك معه، ضع الإثم في رقبة الحمار، وتذكر المثل الفلسطيني «الكح»: (المنحوس منحوس لو حطوا على راسه فانوس») وهي الصيغة المؤدبة للمثل الذي استبدل المؤخرة بالرأس، احتراما لهيبة الفوانيس الرمضانية التي لم يتبق منها سوى ما استبدله المثل بضده، فكل عام وأنت بخير عزيزي الصائم !
مصارعة ثيران عبيطة
لا أعرف لماذا تذكرت أماني الخياط وأنا أشاهد الفيديو المسرب على «تويتر» لأحد الخياطين البنغاليين، يأخذ مقاسات زبونة سعودية منقبة، فيثير حمية القبائل العربية، في حارات الوغى الاجتماعية، التي لا تبقي ولا تذر من معاركنا سوى غبار افتراضي، سرعان ما يتبدد بمجرد ظهور فيديو آخر، يسيل التراب على الذي سبقه، لتبدأ معركة جديدة حامية الوطيس لا تريق بها السيوف الوهمية قطرة دم واحدة، بقدر ما تتفنن بتحديد الشفاه المكممة بأقلام حمرة من العيار الثقيل، لأن ما يهم المواطن «الصحافي» بالدرجة الأولى هو تداول الإثارة لحصاد تجمع رقمي يباهي به القبائل المعادية في الـ»فيسبوك» لا أكثر، فطوبى لنا بمعشر الفسفسة البوكية !
وعودة إلى الخياط، لا أقصد الخياط البنغالي بالطبع، إنما السيدة حرمه، التي فصلت فتوى شرعية حول الحجاب في واقعة استضافة إعلامية على «أون تي في»، اعتبرت فيها الحجاب بدعة، وهي تصغي السمع بخشوع لأحد المتفذلكين الشرعيين، الذي صنف الحجاب عنصر غواية، يستثير فضول المتحرشين، أكثر من السفور، وهي تطأطئ رأسها، وتسبل عيونها، بإشارةعلى الموافقة التامة، والأسف على حال الأمة التي لا تدرك خطورة هذا العنصر الشاذ الذي يشجع على الفلتان أكثر من الحشمة !
حال الخياط بتفصيل الفتاوى الشرعية لم يختلف بعد انتقالها لـ «القاهرة والناس»، فأول أمس استضافت أحد الثرثارين، للحديث عن سحب الحكومة لعدد من الدعاوى القضائية ضد بعض المتطرفين على ما يبدو، فبعد أن استبسلت بالدفاع عن رفع القضية، عادت بخطة حرب مناقضة تنادي بإسقاط الدعوى، بشراسة مُصارِعَة ثيران تسحب ثورا وتجر آخر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الثورهذه المرة خذلها، فلم يتجاوب – عن عبط ليس إلا – لصاحبة الوشاح الأحمر، عملا بالمثل القائل – إن كان حبيبك تور إلبسلو أحمر – فكلما حدفت الوشاح إلى اليمين، يأخذ الثور أقصى اليسار، حتى تشتت الجمع، وانحرفت الحلبة عن مسار الهيجان الثيراني، ولم يكن هنالك بد من شد الثور من قرنيه، ووضعه في مواجهة ماكينة الخياطة مباشرة، وهنا احتدت الخياطة، ووجهت الضيف إلى ما تم الاتفاق عليه مسبقا، وقد أملت عليه ما يقوله وهي تصك على أسنانها من الغيظ: «إنت قصدك تقول يعني إنو الحكومة مش عايزة تعمل شوشرة ويهمها ضبط الأمور وتهدئة الوضع وووووو إلخ «.. طيب إن كانت الحكومة فعلا حريصة على هذا، فلماذا لم يخطر ببالها تجنب الشوشرة قبل اتخاذ القرار منذ البداية يا حضرة الخياط!
أما وجه الشبه بين البنغالي وصاحبة الوشاح، يكمن بالحرص على أداء الوظيفة على أتم وجه، وأخذ المقاسات حول المناطق المحرمة، دون المساس بالعورة، ما دام الزبون منقبا، ولا يرى من الخياط سوى المتر وعدة الخياطة، وهذا يكفي لإعادة الثور للحظيرة !
أعراض شيخوخة عربية مبكرة
قبل أن تصاب هذه الأمة بأعراض شيخوخة مبكرة، وفلتان «صحني » نسبة إلى الصحون الفضائية، كان برنامج العلم والإيمان الذي قدمه الدكتورمصطفى محمود في أربعمئة حلقة امتدت لثماني عشرة سنة، فسحة معرفية تسلط الضوء على الإعجاز الإلهي في مظاهر الكون بقالب تشويقي وتأملي، يحثك على الإيمان بالله من خلال ما ستعرفه عنه، دون الحاجة إلى روشيتات تويترية لدعاة الفتاوى الشرعية، فالإيمان عن طريق التأمل يغذي روحك ووعيك، ويوصلك إلى ذروة النشوة التي ترفه عنك وتثلج صدرك، لتضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد محققة المعادلة الكاملة للرسالة الإعلامية: المعرفة، الإيمان، الترفيه، جنبا إلى جنب مع برنامجي الشيخ محمد متولي الشعراوي «نورعلى نور» و«خواطر إيمانية» اللذين دفعا أحد الأكاديميين الغربيين، لعرض بعض حلقاتهما مترجمة، على ذمة أستاذي في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية – مما حدا بأحدهم للصراخ في القاعة: علينا أن نخاف من هذا الرجل!
الآن، وبعد أن تمكن منا أعداؤنا، ولم يتبق من علمائنا من يثير الخشية في نفوس أعدائنا منهم، لن يشكل الشعراوي أي خطر يُذكر سوى على أبناء أمته، التي تم حقنها بأمصال شرعية بديلة، تخدر الوعي، وتغسل الأمخاخ، وتشل عزيمة العقل المعرفي لصالح التنويم المغناطيسي بالرقى الشرعية، فيا فرحتك فينا يا أمريكا !
وما دمنا لم نزل في إطار المقارنة بين زمنين إعلاميين فإن الأمر لا يقتصر على الإعلام الديني إنما للإعلام الفني نصيب مما ترك الأولون، فكيف ننسى فوازير شريهان على مدى مواسم رمضانية متتالية، احتكمت فيها إلى الذائقة الفنية، والاستعراض الراقي الخالي من البذاءة أو الإسفاف، وهو ما لم يمنع أحد الصائمين في الأردن- أيام الدم الحامي – من تكسير التلفزيون صونا لعرض الشهر الفضيل، معتبرا شريهان سببا في إبطال صومه، وبين الشائعة والواقعة التي انتشرت كالنار في الهشيم، تنامى الحس الشعبي بالتعاطف مع التلفاز الذي لم يكن له ذنب في كل هذا، فإن كنت من أصحاب الدم الفاير عزيزي الصائم، في هذا الزمن العربي الذي يخوض سباقا للتشلح لا للتسلح، خذ احتياطاتك بالتأمين على الصحن، تجنبا لعواقب العودة إلى الرشد، وتأنيب الجيوب المخزوقة !
رايات داعشية في الأردن
في نشرة منتصف الليل الإخبارية على الفضائية الأردنية، جاء الخبر الأول والأهم، بإنجاز بطولي لحرس الحدود الذين تمكنوا من رصد أحد المتسللين وقتله بعد اشتباك لم تتضح معالمه، في خبر مقتضب لم يشِ بأية تفاصيل حول الاشتباك أو المتسلل الذي لم نعرف إن كان لاجئا أم مسلحا أم جاسوسا؟!
يأتي هذا بعد إلقاء القبض على أحد الأساتذة في جامعة العلوم التطبيقية بتهمة التحريض على نظام الحكم بمنشور «فيسبوكي» يبشر فيه بسقوط الأردن في الهاوية إثر دعوة اسرائيل للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي في البحرالميت، يرافقه تصاعد حدة التوتر في الجنوب وتحديدا مدينة معان، حيث تمت تصفية اثنين من المجرمين فر ثالثهما، بعد مداهمة أمنية، ترتب عليها احتجاج شعبي وحرق إطارات وإغلاق معابر طرق، في ظل إصدار بيانات رسمية لتسليح العشائر السنية في العراق، وخوض حرب الرايات بين العصابات السرية التي تحمل الأعلام الداعشية في شوارع معان، وبين الراية الهاشمية.
الأردن الذي كان الواحة الوحيدة للاستقرار بين سلسلة الطوق الجغرافي المشتعل المحيطة به، والملاذ الآمن للاجئين إليه من تلك السلسلة، يدخل الآن إلى منطقة النار بقدميه، وهو ينتعل بسطارا مستوردا، يوقعه في فخ المؤامرة التي لم تزل تنفذ بنود المشرحة الاستعمارية المتمثلة في اتفاقية «سايكس بيكو»، فهل نخاف على الأردن؟
أمريكا التي تتلاعب في المنطقة
أمريكا التي تحارب أعداءها بطائرات بلا طيار، ومكافآت مجزية للخونة، تزحف كالتماسيح في البرك الآسنة ولا تقوى على السباحة سوى بأذيالها، فأي وليمة رمضانية تعد هذه الأمريكا لداعش !
أخشى ألا ينوب المناسف الأردنية الإعلامية التي يتم طهيها فوق أفران محلية سوى الاحتفاظ بلحمة الرأس للدولة الداعشية، فلمن سنقول: هنيئا مريئا يا بلد…..أخْ !
كاتية فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر