■ أشعل الغزاويون يوم الثلاثاء شعلة انطلاق «أسطول الحرية 3» من إحدى الجزر اليونانية، لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، والمقطوع كليا عن العالم منذ 3 يوليو 2013.
وكان الأسطول قد بدأ رحلته من السويد بتاريخ 10 مايو، على أن يبدأ الرحلة الرسمية للانطلاق إلى غزة من اليونان. ويرافق الأسطول على متن المراكب الخمسة نحو 100 مناضل ومناضلة غالبيتهم من دول أوروبا، ولحقت بهم مجموعة من أبناء العروبة الشجعان، وفي مقدمتهم الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، والنائب باسل غطاس ابن بلدة الرامة، الذي دخل الكنيست يوما مزنرا بالكوفية الفلسطينية، وثلاثة نواب عرب هم، يحيى السعود من الأردن والنائبة نسرين الهاشمي من العراق، وناصر حمدادوش من الجزائر. ومن بين المشاركين أبو زيد المقرئ الإدريسي من المغرب، وصحافي جزائري وصحافية تركية والباقي من أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا. وتتصدر السويد قائمة المشاركين تليها الدنمارك فإسبانيا. تجمع هؤلاء الذين يمثلون ضمير الإنسانية ليتحدوا حالة الحصار الظالم ضد مليونين من الفلسطينيين، أدار العالم لهم ظهره وتركهم في سجن كبير تغلق بوابته جميعا عليهم، ويقف على البوابة سجانون من بينهم من يدعي العروبة.
وإذا لم يعترض طريق «أسطول الحرية 3» قراصنة إسرائيل كما فعلوا في «مافي مرمرة» في مايو 2010 سيصل الأسطول في الأيام القليلة القادمة شواطئ غزة، التي بدأت تستعد لاستقبال يليق بأبطال الأسطول. وقبل أن ينطلق الأسطول وجه منظموه رسالة للأمين العام للأمم المتحدة لتأمين الحماية للأسطول، الذي لا يحمل إلا مساعدات إنسانية للتخفيف من معاناة أهل غزة، الذين ما فتئت منظمات الأمم المتحدة جميعها تنادي المجتمع الدولي بتقديم المعونات لهم، وعلى وجه السرعة، كي لا ينزلق القطاع إلى حالة موت سريري مزمن.
كما أرسل النائب العربي باسل غطاس رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع يحذرهما من التعرض للأسطول قائلا: «لا يوجد سبب لمنعنا من الوصول إلى غزة وتقديم المساعدات التي نحملها معنا. لذلك أدعوكم إلى إصدار الأوامر لقوات الأمن الإسرائيلية بالابتعاد عن سفن الأسطول، وأن تسمح له بمواصلة الإبحار إلى غزة، وأن السيطرة على السفن ومنعها من الوصول إلى هدفها سيورط إسرائيل في أزمة دولية جديدة وصعبة وستتحمل أنت وحكومتك المسؤولية الكاملة عن النتائج».
العبرة في المغزى
نعرف جميعا أن حمولة خمسة مراكب لا تكفي ليوم أو بعض يوم لمخيم جباليا أو مخيم الشاطئ أو مخيم خانيونس. فما يحتاجه القطاع أكبر وأعقد بكثير من أن تفي به حمولة «أسطول الحرية 3»، لكن العبرة في التحدي نفسه. إن المغامرة صرخة في غابة الظلم التي تقف إسرائيل على قمة الهرم فيها، حيث ولغت في دماء الغزيين ولم ترتو بعد. إنها عريضة احتجاج عالية النبرة ضد «الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» كما يحلو لسياسييها أن يطلقوا عليها، التي تضع مليوني إنسان وراء القضبان وتعتدي عليهم بآلة الموت يوميا. وقد شنت عليهم حروبا أربعا منذ عام 2006 بهدف تركيعهم فلم يركعوا، وتجويعهم ولم يستسلموا، وتهجيرهم ولم يرحلوا. قتلت الأطفال ودمرت البيوت على ساكنيها وزلزلت الأرض وأحرقت وهدمت وشردت بدون أن ترى راية بيضاء في غزة.
أسطول الحرية أيها الناس صرخة أخرى موجعة ضد العرب، الذين أداروا ظهورهم لفلسطين، وهم الذي فرطوا فيها. تركوا الساحة الرئيسية واختلقوا ساحات بديلة ليجربوا أسلحتهم وطيرانهم في لحم أهلهم وإخوتهم. أسطول الحرية صك اتهام لكل من تقاعس عن الواجب نحو فلسطين، وكل من حول اتجاه بندقيته إلى صدور إخوته وأبناء عمومته. إنه صك اتهام لكل الذين تاجروا بالقضية الفلسطينية واغتنوا على حسابها، ووصلوا الكراسي باسمها، وورّثوا أولادهم تحت يافطتها وخنقوا المخيمات من أجل إنقاذ القضية كما قيل لنا. أسطول الحرية لائحة اتهام لكل البرلمانات العربية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية بكافة ألوانها وأيديولوجياتها.
إنها صرخة ضد قوى الظلم العالمي، التي تشاهد نفاقها ودجلها وازدواجيتها بأم العين صباح مساء وهي تحاضرنا في حقوق الإنسان والمساواة وشتم التعصب وسيادة القانون وحل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية، وتلعن الإرهاب والإرهابيين إلا إذا تعلق الأمر بإسرائيل. الكل عندئذ يطأطئ الرأس ويلتفت إلى الجهة الأخرى ويتلعثم ولا يعرف كيف يرد أسهم الاتهام. حصار الأبرياء ممنوع، يقولون لنا وهم يحاصرون دول العالم النامي، ويضيفون: ويجب عدم استهداف المدنيين، خاصة الأطفال. إياكم أن تقتلوا الأطفال أيها البرابرة. ولا تضطهدوا النساء فمن حق كل امرأة أن تعشق امرأة مثلها إذا أرادت فلا تتدخلوا ومن حق كل رجل أن يتزوج رجلا مثله فهم أحرار. ونسأل وهل من حق إسرائيل أن تقتل 540 طفلا في خمسين يوما بمعدل 10 أطفال وثلث يوميا؟ لا جواب. وهل من حق إسرائيل هدم البيوت على أصحابها؟ لا جواب. وهل مسموح لإسرائيل أن تبني مستوطانتها فوق أرض الفلسطينيين وتكسر أشجارهم وتهدم بيوتهم وتعتقل خيرة شبابهم وتطلق أيادي مستوطنيهم ليعيثوا فسادا وخرابا؟ لا جواب، ثم يتابعون دروسهم لنا: إياكم أن تضهدوا دلافين البحر- ثم لا يجوز لكم أن تقطعوا الأشجار للحطب، بل موتوا بردا لأن الأشجار مصانع الأوكسجين لنا، ثم إياكم أن تلوثوا البيئة، ثم نسأل وهل يجوز لإسرائيل أن تستخدم القنابل الفوسفورية والفراغية والعنقودية، التي لا شك تلوث البيئة؟ لا جواب. فيا أسطول الحرية أرسل برقية تعزية للضمائر التي تجلدت عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وقل لهم لا داعي أن تستمروا في محاضراتكم لنا فقد كرهنا خطابكم المزدوج والمتعالي.
توقيت إعادة السفير المصري إلى تل أبيب
لا تغضب يا سيادة الريّس. أنا أتكلم عن التوقيت فقط. من حقك أن تعيد السفير الذي سحبه مرسي من إسرائيل بعد بدء عملية «عامود السحاب» بتاريخ 14 نوفمبر 2012. هذه مسألة تتعلق بالسيادة، وأنا لا أتدخل في السيادة. بما أن مرسي مصـّنف لديكم بأنه إرهابي، إذن كل ما يصدر عن الإرهابي يصب في خانة الإرهاب، أي أن سحب مصر لسفيرها من تل أبيب عمل إرهابي قام به إرهابي، وإن إعادة السفير – المقصود سعادة السفير حازم خيرت، هو تصحيح لما قام به إرهابي يقبع داخل السجون على فعلاته الشنيعة، خاصة التخابر مع حماس التي أودت به إلى السجن مدى الحياة. فكيف سولت له نفسه أن يسحب سفيره من تل أبيب ويتخابر مع حماس؟ على فعلته الشنيعة تلك يستحق الإعدام مثله مثل زملائه شهداء فلسطين أو أسراها الذين حكموا بالإعدام، مثل الأسير حسن سلامة المحكوم بالسجن المؤبد لدى الكيان الصهيوني منذ عام 1996. والشهيد رائد العطار (8/2014 ) والشهيد حسام الصانع (12/2008) والشهيد تيسير أبو سنيمة (4/2011) ومحمد سمير أبو لبدة (توفي 2005) ومحمد خليل أبو شاويش (توفي 2007).
أنا يا سيادة الريّس أعترض على التوقيت، لأنه جاء في اليوم نفسه الذي أطلق فريق التحقيق الأممي المكلف بجمع الأدلة على ما ارتكبت إسرائيل والأطراف الأخرى من انتهاكات جسيمة في «عملية الجرف الصامد» صيف 2014، تصل إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ووجد التقرير أن إسرائيل فعلا ارتكبت جرائم كبرى بحق المدنيين والأطفال والمباني والمستشفيات والمدارس والجامعات ومقرات الأمم المتحدة ترقى إلى مستوى جرائم حرب. وقد عزز التقرير من عزلة إسرائيل في المجتمع الدولي، مما أثار حنق إسرائيل واتهمت الأمم المتحدة بأنها قد «خطفت من قبل الإرهابيين»، على حد تعبير سفيرها في الأمم المتحدة رون بروزر. قد يقصد بالإرهابيين من نوع مرسي الذي لم يحصل إلا على 51٪ من الأصوات، أما خلفه السيسي فقد حصل على 97٪ من أصوات الذي صوتوا على مدى ثلاثة أيام وهذا الفرق بين الإرهابي والقائد.
ثم تأتي إعادة السفير أيضا بعد أسبوع من تقرير الأمين العام عن الأطفال والصراعات المسلحة، الذي أيضا وجه إصبع الاتهام لإسرائيل بعد أن ثبت التقرير أن إسرائيل استهدفت المناطق المدنية وأدت عمليتها إلى قتل 540 طفلا في غزة. وكان على الأمين العام أن يضيف اسمها لقائمة العار، لكنه رضخ للضغط الأمريكي فخرجت القائمة بدون إسرائيل. قد نجد عذرا للأمين العام بأنه لم يستطع أن يقاوم ثقل الضغط الأمريكي فكيف نفسر إعادة السفير بدون ضغط بل تطوعا؟
وإعادة السفير أيضا تأتي بعد أسبوعين أو ثلاثة من تقرير الأمم المتحدة الداخلي حول استهداف مدارس الأونروا السبع، الذي أكد بأن ثلاث مدارس كانت مأهولة بالمدنيين قد استهدفت بالقصف وأدت إلى مقتل 44 مدنيا، من بينهم أطفال كانوا داخل مؤسسات دولية تتمتع بالحصانة.
في هذه اللحظة التي تكاد تصاب إسرائيل بحالة اختناق بسبب حالة العزلة الشاملة والإدانات الواسعة والضربات القانونية المتلاحقة والإثباتات الدامغة بارتكابها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تأتي يا سيادة الريس ترمي لها حبل نجاة من غرق محقق وتفك عزلتها دون كل دول العالم. ألم يكن بإمكانك التريث قليلا لتأخذ حملة الإدانة والعزلة مجراها؟
وبعد هذا هل من يلومنا إذا قارنا بين طرازين من التعامل مع إسرائيل واحد يمثله أسلوب «أسطول الحرية 3» وآخر يمثله إعادة السفير المصري إلى تل أبيب، ممثلا بأحد فلول العهد المباركي الطويل الذي أثار ملايين المصريين وقرروا طرده من الباب ليعود لهم من الشباك محمولا على أكتاف العسكر.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام