رام الله ـ «القدس العربي»: انتظر الفلسطينيون طويلاً صدور التقرير الأممي الخاص بالعدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة صيف العام المنصرم. وفور صدوره علموا أنه يحمل إدانة لهم كذلك بارتكاب مخالفات قد ترقى إلى جرائم حرب، لكن هذا الأمر بالنسبة لهم هو محاولة لذر الرماد في العيون لصالح إسرائيل من جهة، ومن الجهة الثانية لن يثنيهم الأمر عن التمسك بهذه الوثيقة الهامة لملاحقة إسرائيل على جرائمها المستمرة بحق الفلسطينيين.
تزامن صدور التقرير الأممي مع موعد تسليم البلاغ الفلسطيني الأول للمحكمة الجنائية الدولية بخصوص ملف العدوان على غزة، والاستيطان، والأسرى. ما يعني أنه إذا ما اعتمد في مجلس حقوق الإنسان، فإنه سيكون بمثابة الوثيقة الأقوى بالنسبة للفلسطينيين لاستخدامه في المحكمة وإدانة إسرائيل بشكل مباشر.
موقف السلطة الفلسطينية الرسمي من التقرير كان مُرحبّاً وصدر هذا الترحيب بتقرير الأمم المتحدة على لسان منظمة التحرير الفلسطينية. خاصة وأنه اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب خلال عدوانها الأخير على قطاع غزة.
وقال مصطفى البرغوثي عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة إن «ما تضمنه تقرير الأمم المتحدة سيعزز المسعى الفلسطيني في محكمة الجنايات الدولية». وأكد أن «ما تضمنه التقرير بشأن ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في غزة يعزز موقفنا من التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية». أما «فيما يتعلق بالشق الخاص باتهام الفلسطينيين بارتكاب جرائم حرب فنحن جاهزون لذلك أيضاً».
بدوره أعلن إبراهيم خريشة مندوب فلسطين لدى مجلس حقوق الإنسان أن الجانب الفلسطيني بصدد صياغة مشروع قرار لتقديمه إلى المجلس لاعتماد تقرير لجنة التحقيق الأممية في العدوان الإسرائيلي.
تصريحات خريشة التي جاءت من جنيف إلى إحدى محظات التلفزيون قال فيها «أن مشروع القرار المذكور سيتم تقديمه بعد عرض تقرير لجنة التحقيق أمام مجلس حقوق الإنسان وفق ما هو مقرر في جلسة مفتوحة لكافة الدول الأعضاء في المجلس».
وأوضح أن الهدف من إصدار قرار بشأن التقرير هو المصادقة عليه رسميا وللمطالبة بتنفيذ كل الجهات الدولية والأممية بمسؤولياتها في ما جاء في التقرير، وضرورة احترام القانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان.
وأشار خريشة إلى أن اعتماد التقرير بقرار من مجلس حقوق الإنسان سيجعله وثيقة أممية هامة مصادق عليها رسميا ويمكن الاستفادة منها في التوجه الفلسطيني للمحكمة الجنائية الدولية مستقبلاً. كما أشاد بما جاء في التقرير من حيث استعراض انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي واستهداف العائلات الفلسطينية بالاسم وقصف المنازل والأبراج السكنية واعتبار أن ذلك يرتقي إلى جرائم حرب.
وبعيداً عن الترحيب الرسمي من منظمة التحرير ومن مندوب فلسطين في مجلس حقوق الإنسان، يرى المحلل السياسي راسم عبيدات، أن التقرير الأممي الذي نشرته الأمم المتحدة، تقرير لجنة تقصي الحقائق حول الحرب الأخيرة على قطاع غزة اتهم فيه محققو الأمم المتحدة إسرائيل وجماعات فلسطينية بارتكاب انتهاكات في حرب غزة قد ترقى إلى جرائم حرب. هذا التقرير أثار غضب إسرائيل وجنونها وقلقها ليس من زاوية أنه سيقود إلى تقديمها للعدالة الدولية قريبا، فهي على هذا الصعيد لا تزال تثق بالظهير الأمريكي المساند، لكنها تخشى من آثاره المعنوية على الرأي العام العالمي وخصوصاً الأوروبي.
وفي سياق الإكثار من الحديث عن خطر نزع الشرعية عنها على الصعيد العالمي، تجد إسرائيل أن تقرير لجنة التحقيق، يقدم قرائن تساعد في إدانة إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية وزيادة عزلتها في العالم.
أما لجهة ترحيب السلطة الفلسطينية بتقرير الأمم المتحدة والإشادة بما جاء فيه من استعراض لـ»انتهاكات» إسرائيل واستهداف العائلات الفلسطينية وقصف المنازل والأبراج السكنية، واعتبار أن ذلك يرقى إلى جرائم حرب، رغم توجيهه اتهامات إلى حماس بإرتكاب خروقات وانتهاكات، قد تشكل مدخلا لمحاكمة النضال الوطني الفلسطيني مستقبلاً، وتضع علامة إستفهام على مشروعية هذا النضال، حيث القوانين الدولية كفلت للشعوب المحتلة ممارسة كافة أشكال النضال من أجل نيل حريتها واستقلالها، وهذا التقرير يساوي بين الضحية والجلاد، فهو يرى في قطاع غزة شكلا من أشكال الدول تحكمه حماس، ولذلك يجب تطبيق القوانين الدولية عليها، ولذلك كان على السلطة أن ترحب بالتقرير لجهة أنه يدين الخروقات والإنتهاكات الإسرائيلية، في حربها العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، ولكن يجب الإصرار على انها جرائم حرب يجب جلب مرتكبيها إلى المحاكم الدولية، فالقرائن والبينات واضحة في قتل الأطفال والنساء والمدنيين العزل، ويجب أن تتحفظ وترفض الإتهامات للفصائل الفلسطينية وبالذات حماس رغم خلافها معها بإتهامها بإرتكاب خروقات وانتهاكات، فحماس هي حركة تحرر وطني وتخوض حربا دفاعية، وهي حـركـــة تــحــرر وليست دولة، لكي تنطبق عليها معايير ومواثيق الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان.
ويعتقد عبيدات في حديثه لـ«القدس العربي» أنه ورغم ذلك فإن ترحيب السلطة بالتقرير، ينطلق من أن اعتماده بقرار من مجلس حقوق الإنسان سيجعله وثيقة أممية مهمة مصادق عليها رسمياً ويمكن الاستفادة منها في التوجه الفلسطيني لمحكمة الجنايات الدولية مستقبلاً.
ولا تكمن المشكلة بالنسبة للفلسطينيين خاصة الجانب غير الرسمي منهم في صدور التقرير من عدمه، بل في استخدامه بالفعل لصالحهم والاستفادة منه على عكس ما كان يحدث سابقاً في تقارير الأمم المتحدة، وتحديداً «غولدستون».
وما زال الشارع الفلسطيني يخاف من المناورات التي تستخدمها بعض الدول بضغط من إسرائيل على السلطة الفلسطينية لعدم استخدام هكذا تقارير ضدها خاصة بعد أن تقدمت فلسطين رسمياً بأول بلاغ لها في المحكمة الجنائية الدولية. إلا أن إسرائيل بدأت حرباً ضروس في دول الاتحاد الأوروبي لمنعهم من المصادقة على التقرير وعدم اعتماده في مجلس حقوق الإنسان، خاصة وأن هناك خلفية لهذا الأمر سواء في تقرير غولدستون أو في فتوى لاهاي المتعلقة بجدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل على الأرض الفلسطينية وغيرها من الملفات.
ولا يملك الفلسطينيون غير الترقب والانتظار رغم الجدية التي أبدتها السلطة الفلسطينية هذه المرة عبر إيداع البلاغ الفلسطيني الأول ضد الاحتلال الإسرائيلي في المحكمة الجنائية الدولية.
فادي أبو سعدى