أمانة في العنق

حجم الخط
0

(1)في الأسابيع الماضية، انشغل بتسديد ديونه، والتصافي مع الذين اختلف معهم وخاصمهم أو أساء لهم. منهم مَن سامحه ومنهم مَن لم يقبل أن يسامح تاركاً إياه لربه، وهناك مَن أشاح عنه وجهه لم يُفسح له حتى مجرد الكلام.
أمّا سرقاته التي اقترفها صغيراً مراهقاً، فقد وجد طريقة للتعويض عنها: يقدّر حجم السرقات ثم يرسل لأصحابها – أو ورثتهم- القيمة: تارات في مغلفات يرسلها بالبريد بعد أن يضع عناوين مرسِل وهميةً؛ وتارات يسلّمها باليد موحياً أنها من فاعل خير، شخص غيره، لا يريد الكشف عن نفسه، فكان يتألم من الأدعية التي يتلقاها من داعين يجهلون أن المال من حقهم.. في بعض الأحيان كان التعويض المالي مستحيلاً لغياب المعنيين، فكان يقدّر القيمة ثم يضعها في صندوق المسجد للتبرعات والصدقات. ولقد اكتشف، فقط بالقدر الذي استعادته ذاكرته (فكيف بالذي نسيته؟!)، كم ارتكب، على مدار العمر، من آثامٍ كثيرة، فكان يحسّ بسكينِ ندمٍ عميقةٍ تقطع في قلبه وعقله، على حدٍ سواء.
مع ذلك ليست هي أكثر ما تقلقه، بل الذنوب التي لا يمكنه تقدير أثرها أو التعويض عنها. التي مِن الأولى أن يستر عليها ولا يتطرق إليها، كيلا يثير مجدداً أسى المتضررين (أو المتضررات).
(2)
هناك شوارع بعيدة يعبرها ليذكّر نفسه مع أنه لا ينسى. مثلاً الشارع الذي تتفرع منه أزقة قديمة محاطة بالسناسل الحجرية. ثمة زقاق يناصفه منحنى. هناك بالضبط بيت أبي يعقوب الذي تحدده، عن جانب، سنسلة عريضة مرتفعة. في الحوش الضيّق المخفي -كانت- هناك شجرة اسكدنيا ضخمة وكلب حراسة ينبح بشراسة، عند أدنى نسمة أو خطوة شخص عابر.. يتذكّر أن سمعة أبي يعقوب، الذي لا أقارب له، كانت سيئة. وهو لم يشهد عليه شيئاً، لكنهم قالوا أنه حطّم مسدسه في المسجد، أمام المصلين كلهم، وحَلَف ألا يتعامل مع اليهود ثانيةً.. عمله ذاك لم يخرجه من العزلة الجائعة التي هو فيها، بالكاد يسدّ رمقه وزوجه من حشائش الأرض ومن صدقات الجيران المشفقين عليهما (على زوجه خصوصاً). لا أحد صدّقه ولا أحد تركه في حاله.
وكان هو مراهقاً في الخامسة عشرة. أي شيء تسلل إلى عقله ليفكّر فيما نفّذه فيما بعد؟؟ الغريب أنه لم يكن يكره أبا يعقوب، بل إن علاقته مع زوجه العجوز كانت جيدة: يعطيها سجائر ويأخذ منها، إذا ما كان معها. ربما هي وطنية جوفاء وجدت طريقاً سهلة، لأنه بالتأكيد لا يجرؤ على الذهاب إلى الشارع الرئيس، حيث الدوريات الإسرائيلية والخطر العارم.. ربما هي مجرد الرغبة في رؤية النيران تشتعل في هدف حقيقي، بدل أن تتصاعد لتخلف دخاناً من الحطب، داخل المغارة.
لا يدري ولا أحد يدري.
المهم أنه ذات ليلة، دون أن يطلب منه أحد، جهّز المرطبان الذي يتسع لأكثر من لترين من البنزين. تسلل في الزقاق دون صوت. حتى كلب أبي يعقوب لم يسمع خطواته المقتربة ولم ينبح. حالما وصل السنسلة، أشعل المرطبان وألقاه بكلتا يديه من فوق السنسلة، باتجاه الحوش. عندئذ فقط نبح الكلب المجنون وسمع صوت سلسلته المعدنية تتراطم على الأرض، ربما لأن الزجاجة أصابته. أطلق ساقيه للريح المعتمة تاركاً خلفه غيمة من النيران المتصاعدة في الجو، المنيرة.
لم يكن يريد أن يؤذي حتى الكلب، ناهيك عن إيذاء أبي يعقوب أو زوجه. لكن شيئاً تلبّسه، هكذا، ودفعه لفعل ما فعله. صحيح أنه لم يوقع ضرراً فعلياً واشتعلت فقط النار في شجرة الأسكدنيا وسوّدت قليلاً الحوش، لكن ما حدث لأبي يعقوب بعد شهور جعله يشعر بالذنب: لقد اختطفه ملثمون حقيقيون ينتمون لتنظيم من بيته بعد أن قتلوا كلبه وحطّموا عليه الباب. ثم مضوا به إلى جبال قريبة، حيث عُثر عليه مقتولاً. بالكاد وجد مَن يجمع أشلاء جسده المقطّع ويدفنها في أرض، وبلا شعائر.
بعد شهور تبيّن أن الملثمين، وقد اعتقلوا وانكشفوا، لا يكبرونه إلا قليلا.. منهم الراعي والأميّ والعاطل عن العمل.. لن ينسى أبداً زوج أبي يعقوب التي خرف عقلها من تأثير الهوس والصدمة، وتشردت نصف عارية في الخلاء، ومن ثم تبعت زوجها إلى الموت، في غضون أسابيع.
لقد شارك، بطريقة ما، في قتل الرجل وزوجه.. ذنبه هذا لا عوض عنه إلا أن يغفر الله له. لم يحاسبه أحد لأنه لم يخبر به أحداً. استغفر الله وقرأ بخجلٍ الفاتحةَ على روح أبي يعقوب سائلاً أن يغفر الله لهما: له وله. نعم: لم يعد يختلف عن أبي يعقوب كثيراً، فكلاهما قد اقترف ما اقترف.
(3)
في المسجد يرى ابن ‘الحيزبي’ بانتظام. شبّ الابن رجلاً الآن، يداوم على الصلاة في أوقاتها، مغلقاً لذلك محل الأحذية القريب الذي أسسه من تعبه وعمله المبكر تاركاً المدرسة. وهو على الأغلب عضو في جماعة إسلامية، كما يرجِّح من علاقاته. لكن قبل أكثر من عقدين كان طفلاً خائفاً، يقف على حافة الشرفة المحمية، ممسكاً بالقضبان الكثيرة، محروماً من الخروج إلى الحيّ ليلعب مع أقرانه، كيلا يتعرّض للضرب. كانت سمعة والده، الذي عمل في بيع الخضار وكان يجلبها أحياناً من سوق في القدس الغربية، سيئة أيضاً. وكانت سيّارات شرطة إسرائيلية تقف أمام البيت في الليالي، كأنها تحرسه.
منذ عرفه وهو يقتنص الفرص ليتقرّب منه. سكنته فكرة الاعتذار له هو بعدما توفي والده. في الحقيقة يشعر أنه يحتاج ليعتذر للعائلة كلّها. ما كان فكرة تسكنه، أصبح الآن واجباً لا مناص منه. لهذا في صلاة المغرب تعمّد أن يجلس إلى جانبه، ليخبره بعد انتهاء الصلاة حين المصافحة، أنه يريد التحدّث معه.
وقبض على يد ابن الحيزبي التي صافحته بعد التسليم لا يدري ماذا يقول له. شعر الشاب بشيء فأخذ يحدّق فيه، فقال له بارتباك:
– هناك شيء أريد أن أحدّثك به.
– بعد صلاة السُنّة عمي، ولا يهمّك.
أطال في صلاة الوتر وصلّى ركعتين إضافيتين لكي يلهمه الله ويحسن القول. كان الشاب قد انتهى من صلاته وأخذ ينتظره. سأله:
– هناك موضوع حسّاس أريدك به، هل نذهب إلى مكان ما أم نتكلّم هنا؟
– نتكلم هنا عمّي.
كان آخر المصلين قد ابتعد. قال يقدّم لغرضه:
– خرج اسمي من بين الذين سيسافرون للحج..
– حج مبرور، إن شاء الله، عمّي.
كلمة ‘عمي’ كانت تثقل عليه ويتمنّى لو أنه يكفَ عن استخدامها.
أنت لا تعرفني ولا أنا أعرفك. ربما هنا المشكلة. لكنّي اقترفت بحقك وحق أهلك ذنباً كبيراً، ولا أستطيع الذهاب إلى الحج من دون أن تسامحوني..
نظر إليه الشاب باستغراب وشك، ثم تمتم بآلية:
إذا كنا نستطيع..
تخلّى عن كلمة عمّي وهذا أفضل. تردّد كيف يعترف له، ثم رأى أن يبدأ دفعة واحدة:
– أيام الانتفاضة الأولى، كنت أحد الذين ظلموكم..
– لم أفهم..
أخذ يسرد له كيف أنّه، في صغره، نصّب نفسه رقيباً على الخلق معتمداً على الشائعات؛ وكيف أنّه كان جباناً لا يستطيع مواجهة الدوريات فأخذ يتشاطر على المشبوهين؛ وكيف تسلل ذات ليلة ليلقي زجاجتين على شُرِفة بيت أهله..
انتفض الشاب كأن شيئاً لدغه. مع ذلك قال بهدوء وهو يهمّ بالذهاب:
-أشاور أهلي، وأرد لك الجواب في صلاة المغرب غداً.
لقد وضع الأمر في مساره الصحيح وعليه أن يتحمّل المسؤولية الآن. سيستغل ابن الحيزبي الفرصة، وعلى الأغلب أن يطلب حقاً عشائرياً أو تستغلها جماعته أو ربما يرفع عليه قضية ومع اعترافه سيُسجَن.. لا يهم. أكثر من عشرين عاماً وهو يتعذّب وحان الوقت ليزيل العبء عن كاهله.
** **
لم يأتِ ابن الحيزبي وحده إلى صلاة المغرب. كان إلى جانبه شابان ملتحيان صليا معه. كانا يحدّقان فيه بتحفّظٍ يصل حد الكراهية، أو هكذا شعر. نعم، يحق لهم أن يكرهوه. مهما فعلوا به أو قالوا له فهو يستحق. صلّى بسرعة كيلا يظنوّا أنه يؤجّل أو يتهرّب، وأخذ ينتظر مسلّماً أمره لله مترقّباً متربّعاً. عندما انتهوا من الصلاة سبقه الشابان إلى باب المسجد وتوقفا هناك، فيما أتى هو إليه وتربع إلى جانبه. قال:
– أريدك أن تعلم كم تأذينا من والدي ومنك ومن غيرك، لهذا أدعو الله أن تعيش حياة الشُبهَة ولو قليلاً لأنها أكثر قسوة من التهمة المثبتة. والدي لم يكن بريئاً لكن لم يكن لنا نحن العائلة ذنب. شاورت أهلي واتفقنا على أنه لا طائل من فتح مواضيع قديمة خصوصاً بعد أن تغيرت الأحوال، لكن لنا في ذمّتك، تقول لك أمي، زجاجتان..
لم يفهم كلامه. لم يسامحوه ولم يطلبوا شيئاً. بلى طلبوا لكنه لا يفهم.
– لا أفهم..
– زجاجتان على دورية.. أمانة في عنقك.. إن أدّيتها في أي يوم فسامحك الله.
ثم نهض وغادر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية