بين العقل العربي الان والحضارة الإنسانية

حجم الخط
0

تدفعنا الغربة أن نتساءل عن كل شيء، هل نحن على حق، أم نحن نبحث عن التعلات، هل قدرنا أن نكون شعوب التخلف؟ الماذا يصر البعــــض على تعــــارض الإسلام مع تطور العقل البشري؟ مع التاريخ؟ مع الـــعلم والتكنولوجيا والبحث والغوص في حقيقة الأشياء؟
الحقيقة إن ما نعانيه هو نتيجة لعدة عوامل: أولا إصرار البعض على تعارض الإسلام مع الحظارات البشرية أو بالأحرى تصور البعض أن البشرية بدأت بالإسلام وإنتهت به، وهذا ما يفسر على حد السواء الصراع الذي يشعلونه تارة مع التاريخ وأخرى مع الحداثة،فالإنطلاق من هذا المفهوم هو ما يفسر تحجر الخطاب الديني الذي سيطر عليه هذا الفكر منذ مئات السنين، وهو الذي يفسر اليوم مدى الإنحطاط الفكري الذي تعانيه مجتمعاتنا، فسيطرة رجال الدين على عقول الناس تحت مسمى الدين وعبر الفضائيات المنتشرة واليوم عبر أحزاب منظمة وميليشيات ممولة، يحيلنا بالضبط إلى ما عرفته أوروبا في العصور الوسطى عبر سيطرة الكنيسة ورجال الدين على مفهوم الدولة وعلى عقول الناس، فكلا الحالتين سواء، بالأمس كانت الكنيسة تجيش الناس تحت إسم الدفاع عن الله واليوم يجيشون الناس في عالمنا تحت نفس المفهوم، وكأن الله عاجز عن الدفاع عن نفسه! بالأمس كانت توزع صكوك الغفران تحت أمر الكنيسة ورجل الدين ويشرَع للأخ أن يقتل أخاه تحت شعار ‘يحيا الصليب’ واليوم نفس الأمر نعيشه في عالمنا العربي، فصكوك الغفران تمنح حسب الأمولاء للحزب أو الفرقة ويفرض على الأخ أن يقتل أخاه تحت شعار ‘الله أكبر’، بالأمس كان الخارج عن سلطة الكنيسة يتهم بالهرطقة ويحرق أو يعدم في الساحات العامة ليكون عبرة، واليوم الخارج عن سلطة رجال الدين يتهم بالزندقة والكفر ويستحل دمه بل يقتل أمام باب منزله ولا دية له! هي نفس التجربة تعاد،ترعاها البروباغندا الإعلامية للبترودولار والتوظيف للنصوص الدينية في سياقات تجعلها تتعارض مع مفهوم تطور المجتمعات الإنسانية، فمن المفاهيم المنتشرة بكثرة هي أن العودة للدين كفيل لشعوبنا أن تخرج من دائرة التخلف، وهذه المقولة في حقيقتها كلمة حق يراد بها باطل، فهي تخفي المشكلة الحقيقية تحت عباءة الدين كمقولة ‘الإسلام هو الحل’، إن الحقيقة الوحيدة هو أن الدين لم يكن يوما مشكلة لأي مجتمع كان وخاصة مجتمعنا العربي، فالمشكلة الحقيقية هي في طبيعة الخطاب الديني والذي صار اليوم ومنذ قرون هو الدين في حد ذاته،صارت شعوبنا تقدم هذا الخطاب الديني الذي لا يمثل في حقيقته سوى إجتهادا يتلاءم مع طبيعة وزمن محدودين لا لشيء لّأنه مجرد إجتهاد إنساني عن الدين نفسه،ومن المفاهيم المبهمة التي تسيطر اليوم على عقول الناس نجد مفهوم الشريعة، هذه الشريعة التي لا تمثل في حقيقة الأمر سوى أيظا إجتهادات إنسانية لإستنباط الأحكام حسب طبيعة المجتمعات والأزمنة،وهذا ما يجعلنا اليوم نرى شرائع لا شريعة،فلكل تيار أو حزب أو فكر ديني شريعته الخاصة التي يراها الحقيقة الوحيدة التي يجب أن تفرض بحد السيف على الآخرين، وهذا المنطق هو المشرَع الوحيد للتقاتل والتحارب بين هذه الأطياف الذي نعانيه منذ قرون ومازال سيتمر لقرون أخرى مع إستمرار سيطرة هذا الفكر العقيم على مجتمعاتنا.
إن مفهوم الشريعة يرتبط بتفاسير مختلفة للنص القرآني أضف إليه بعض الأحاديث النبوية وسير الصحابة، ويضل هذا المفهوم مبهما لعدة عوامل: أولا لتغافله على أن النصوص القرآنية معظمها نزل في ظرفية معينة لتبليغ رسالة ما وهذا ما يفسر مثلا التناقض الذي من الممكن أن نراه بين بعض الآيات، فمن جهة مثلا يقول النص القرآني ‘واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل’ ومن جهة أخرى قوله تعالى ” ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم وليَ ديني ‘، وفي حقيقة الأمر لا تناقض بين النصين بل لكل نص ظرفية معينة وإطار معين….
ثانيا يتناسى مستنبطو الشريعة، أن معظم السير النبوية المعتمدة كتبت بعد وفاة الرسول بقرنين على الأقل إظافة إلى أن إجتهادات رواة الحديث إجتهادات إنسانية وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون فوق النقد، أظف إلى ذلك الظرفية التاريخية التي حكمت تلك الفترة وهي الديكتاتورية الأموية أو العباسية على حد السواء التي لا تسمح بوجود فكر يعاديها .ومع الأسف لا أحد يملك الجرأة اليوم للغوص والتدقيق في هذا رغم كثرة المنادين بذلك.
ثالثا سير الصحابة وإجتهادات السلف، كلها أيظا لا تتعدى كونها إجتهادات إنسانية في ظرفية زمنية معينة وفي طبيعة مجتمع إنساني معين، أظف ألى ذلك ما لحقها من غبار السنين والتخاريف الشعبية، ومع الأسف صارت اليوم هذه السير والإجتهادات مقدمة على الدين نفسه.
وطبعا نسبة إلى هذه الشرائع المختلفة بأختلاف الفرق صرنا نرى الفتاوي العجيبة بداية من زواج القاصرات مرورا بمضاجعة الوداع ووصولا إلى جهاد المناكحة،والأدهى والأمر هو مانراه من إرتفاع متواصل للمعتقدين لهذا الفكر وهذه الفتاوي، فالعقل العربي المكبل بأساطير الماضي و قيود الحاضر يرى في هذه الفتاوى ملاذا لإشباع رغباته وشهواته طبعا تحت غطاء شرعي!

عبد القادر معيوف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية