القاهرة ـ «القدس العربي»: عكست أخبار وموضوعات الصحف الصادرة أمس الأربعاء 8 يوليو/تموز هدوء أعصاب الأغلبية الشعبية، بعد أن كانت قد توترت يوم الأربعاء قبل الماضي عند تلقيها من الوكالات الأجنبية والمواقع الإلكترونية أنباء عن مقتل وأسر العشرات من ضباط وجنود الجيش، من قبل تنظيم «الدولة» واحتلاله مدينة الشيخ زويد.
ولم يهدأ الناس إلا بعد أن أصدر الجيش بيانا ذكر فيه، تدمير الهجوم وقتل المئات من منفذيه، ونشر صور جثثهم وأشلائها، ثم زيارة الرئيس للقوات في العريش بالبدلة العسكرية، ونشر صورة الإرهابي الخطير كمال عيد سالم، وهو جالس على الأرض مقيد بالحبال من يديه ورجليه، وحوله الأسلحة التي ضبطت معه أثناء هروبه من شمال سيناء إلى جنوبها بسيارته، وضبط قوات الجيش الثالث له. حتى المناقشات الصاخبة في الصحف وبرامج الفضائيات حول مشروع قانون مكافحة الإرهاب، لم تلق اهتماما إلا من بعض المهتمين بها وأطرافها المباشرين واكتفاء الأغلبية بتأييدها الساحق لأي إجراءات يتخذها النظام ضد الإرهاب.
وأصبح الاهتمام الرئيسي موجه إلى المسلسلات والبرامج والعشر الأواخر من رمضان، وامتلاء المساجد بالمصلين للتراويح، حيث ذهب زميلنا في «الجمهورية» سمير الجمل إلى أحدها وبعد انتهائه من التراويح رفع يديه للسماء يوم الثلاثاء وقال:
– اللهم أني لا أسألك رد فيفي وسمية وهيفاء وعلا غانم ونجلاء بدر وأمثالهن لكنني أسألك اللطف بنا، في ما جرّت به أموال الهانص والدنص علينا من النفايات الفنية المدمرة.
– اللهم يا من أخرجت يونس من بطن الحوت أخرجني على خير من رذالة وأكل ناسه وواكل مال النبي.
– اللهم يا من منحت الصبر كله لأيوب إفتح لنا من ظلمات المسلسلات بابا للهروب إلى العبادات.
كما تركز الاهتمام أيضا على أخبار تصحيح أوراق امتحانات الثانوية التي ستعلن نتائجها يوم الثلاثاء المقبل ومواصلة رئيس الوزراء إبراهيم محلب جولاته وزياراته لتفقد تنفيذ المشروعات، واستمرار هيئة قناة السويس في تنفيذ ما تبقى من أعمال حفر القناة الجديدة لتكون جاهزة للافتتاح في السادس من شهر أغسطس/آب المقبل.
وإلى بعض مما عندنا….
الإعلام موضع شكوى واتهامات
يندر أن تتصفح أي جريدة ولا تجد فيها أكثر من معركة لأسباب عديدة بخفض سعر الجنيه أمام الدولار من جانب البنك المركزي، وآثاره على ارتفاع أسعار السلع المستوردة، خاصة أننا نستورد حوالي نصف استهلاكنا من الغذاء، إضافة إلى الوقود والسلع الوسيطة والخامات، بالإضافة للدين الخارجي وفوائده التي يتم تسديدها بالدولار. ومعارك بسبب الإرهاب وكيفية مواجهته والخطاب الديني، ثم المعركة التي تسببت فيها الحكومة وهي تعد مشروع قانون جديد وفتحت عليها أبواب جهنم، لوضعها مادة تجيز الحبس في قضايا النشر والتعبير عن الرأي في مخالفة واضحة لنصوص الدستور، وتجاهلها الالتزام بما قرره في هذا الشأن، وكذلك عدم التزامها بإشراك نقابة الصحافيين والمجلس الأعلى للصحافة عند إعداد أي قانون خاص بهم، بالإضافة إلى أن حالة الإعلام نفسه من تلفزيون وصحافة موضع شكوى واتهامات، خاصة بعد تغطيته لحادث هجوم «داعش» الإرهابي يوم الأربعاء قبل الماضي على نقاط الجيش ومدينة الشيخ زويد. ما دفع زميلنا في «الأهرام» محمد إبراهيم الدسوقي لأن يقول يوم الاثنين: «لكي يتجنب الإعلام الانزلاق لأخطاء مماثلة مستقبلا، فعليه بداية أن يكاشف نفسه بعيوبه، من دون مكابرة، وأن يسعى لإصلاحها من خلال وضع معايير مهنية صارمة لدى اختيار العاملين فيه، فكثرة المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية واحتياجها لمراسلين ومعدين وصحافيين فتح المجال لدخول شباب قليل الخبرة والتدريب، فالقناة أو الصحيفة لا تريد إنفاق أموال على تجهيز إعداد كوادرها فتكون النتيجة ضعف المستوى المهني يقابله في الجهة الأخرى محاولة هؤلاء الشباب تثبيت أقدامهم، وسبيلهم هو فبركة الموضوعات والقصص الإخبارية والاعتماد على مصادر ثانوية للأخبار، كمواقع التواصل الاجتماعي، التي تعتمد عليها برامج «التوك شو» المسائية، وعدم إرهاق النفس بالتأكد من مصداقية المعلومة. مطلوب أيضا السماح بوجود إعلامي أكبر لوسائل الإعلام المصرية في سيناء، حتى لا يضطر للاستعانة بما تورده وكالات أنباء وفضائيات عربية وأجنبية غير معلوم بالضبط من يزودهم بمضمون ما تبثه».
أين دور الإعلام السياسي
في كليات الإعلام في مصر؟
وفي اليوم التالي الثلاثاء شنت أستاذة الجامعة الجميلة وعضو الهيئة العليا لحزب الوفد الدكتورة عزة أحمد هيكل هجوما أشد عنفا في جريدة «الوفد» قالت فيه: « إن ما جرى على أرض المعركة في سيناء مع ما يقدمه الإعلام من أعمال درامية وبرامج فكاهية وترفيهية كله يصب في حالة سيولة فكرية يعاني منها الشارع المصري، والشباب الذين يدعون أن ما آل إليه حالهم من عدم انتماء وغياب للوطنية ورفضهم للمجتمع وللنظام وللدولة وعدم تصديقهم لأي معلومات أو بيانات تخرج عن المؤسسة العسكرية أو المؤسسات الرسمية، وأن كل هذا بسبب الإعلام كما يدعون بكل أسف.
الحرب تدور والجنود يدفعون أرواحهم وأجسادهم فداء لهذه الأرض والإعلام يلعب حربًا ودورًا في توجيه الرأي العام والروح المعنوية والثقة في الوطن وفي مؤسسته العسكرية عبر وكالات الأنباء الدولية والصحف الخاصة والمواقع الخاصة، في غياب تام للدولة، حيث أن وكالة أنباء الشرق الأوسط والصحف القومية الرسمية وهيئة الاستعلامات والتلفزيون والإذاعة المصرية جميعها كانت تقف في خندق المتفرج، المتابع المشاهد السلبي المتلقي للأخبار والمعلومات من مصادر أخرى غير وطنية وغير رسمية، لا تتحمل أي مسؤولية أمنية أو قومية لأمن هذا الوطن مدعية المهنية والحرفية والسبق الإعلامي، الذي تدفع به إلى الرأي العام وهو في الواقع جزء من حرب كبرى تدار على عدة محاور… لم نجد أيا من البرامج قد خصصت ساعات لهؤلاء الأبطال وذويهم في صورة إعلام جديد يرصد ويسجل وأيضا يرفه ويقدم البسمة والأمل والإشراق…. لماذا لم نجد حتى الآن وكالة أخبار مصرية قوية، رغم وجود الإمكانات اللوجستية والبشرية والهياكل الإدارية لأنباء الشرق الأوسط وهيئة الاستعلامات والتلفزيون والإذاعة المصرية المحلية والاقليمية في محافظات مصر المختلفة.. لماذا لا يوجد مراسل حربي في مواقع الأحداث يجمع بين الإعلام والدراسات العسكرية والأمنية وأيضا الاستخباراتية.. أين دور الإعلام السياسي في كليات الإعلام على مستوى مصر، وهو أحد الأقسام العلمية في جامعة جورج واشنطن والآن في إسرائيل.. أين قناة سينا الإعلامية التلفزيونية التي هي إحدى أدوات الحرب الحديثة من حيث الأخبار والمعلومات والتوثيق وأيضا البيئة المحيطة، والوجود مع أهل سيناء للخدمات ولنقل الرأي والمطالب وإثبات الوجود الفعلي للدولة المصرية على أرض الفيروز….؟».
إعلامي رياضي يقود ويوجه الرأي العام!
وهكذا أخطأت الدكتورة عزة لأن وزارة الإعلام ألغيت بحكم الدستور فكيف يمكن إعادتها؟ وفي «جمهورية» يوم الثلاثاء نفسه أراد زميلنا السيد البابلي امتداح البعض في برامج «التوك شو» فقال عنهم: «لا نجد في الصورة إلا عددا من المنافقين والأراجوزات أصحاب الأصوات العالية وقاموس الاتهامات، وقد تصدروا المشهد واعتلوا خشبة المسرح، وراحوا يكيلون الضربات لخصومهم ومعارضيهم تحت دعوى الوطنية والأمن القومي، من دون أن يدركوا أنهم أصبحوا يمثلون الخطر الأكبر على هذا الوطن وعلى أمنه ومستقبله، استمعت مؤخرا لمحاضرة في برنامج «توك شو « يلقيها على مسامعنا أحد أباطرة الإعلام الجدد، وقد أتوا به من المجال الرياضي ليقود ويوجه الرأي العام، وكان الحديث «سوقيا فجا» ومنفرا، خاصة عندما اتجه إلى الهجوم على دولة عربية متهمة بتمويل عمليات الإرهاب في مصر، فمن حقنا أن ننتقد وأن نوضح وأن نهاجم أيضا، بالأدلة والمستندات والقرائن، ولكن باحترام وترفع ورقي في الحوار، يعكس ويبرز مكانة مصر وإعلامها الرائد، بعيدا عن السخرية والإساءات للأب والأم والابن، فهذا ليس إعلامنا ولا هذه هي أخلاقنا وقيمنا، ولن نكسب قضية عادلة بهذا الأسلوب وهذا الإعلام هذا نوع من الجهل باسم الوطنية».
السلطة المصدر الحصري لأخبار الإرهاب!
وفي «التحرير» قال زميلنا أحمد الصاوي في عموده اليومي «عابر سبيل»: «تريد السلطة أن تكون عنوان الحقيقة والمصدر الوحيد للمعلومات في قضايا الإرهاب، فهل هناك ما يضمن حق المجتمع في أن تقول الحقيقة؟ أم أنها لابد من تصديق كل ما تقول لمجرد أنها سلطة؟ لاحظ أنها ذات السلطة التي روجت جهاز «الكفتة» وقالت إنه يعالج المرض، ولم يحاسبها أحد على إشاعة أخبار كاذبة، وتكدير السلم العام، بإشاعة أمل كاذب لدى مرضى يتعلقون بأي بارقة، ولاحظ كذلك أنها السلطة التي قالت إن ضابط العريش قبل شهر استشهد في اشتباكات مع الإرهابيين، ثم ظهر من فيديو للمجرمين أنهم خطفوه وأعدموه، تريد السلطة حقوق المصدر الحصري لأخبار الإرهاب، من دون أن تتحمل واجبات هذا الدور، والواجبات يجب أن لا تكون أقل من أن يعاقب بالحبس كذلك مدة لا تقل عن عامين كل مسؤول رسمي يدلي لوسائل الإعلام بمعلومات كاذبة أو غير دقيقة أو مجافية للواقع، ويجوز لأي صحافي أو وسيلة إعلام أو نقابة الصحافيين ملاحقة المسؤول عن هذه البيانات، فور ثبوت كذبها لكن أولئك الذين «فصّلوا» القانون لن يفعلوا ذلك لأنهم في النهاية بنوا مشروعهم هذا ومشروعات في الطريق على تمكين السلطة منفردة من إدارة الشؤون العامة، من دون أي قدر من المحاسبة أو المتابعة، الذين قاموا على «تفصيل» هذا القانون يمكن أيضا اتهامهم بالعمالة للخارج والعمل من أجل مصالح مؤسسات أجنبية، فقانون كهذا لا يكبل إلا الإعلام المحلي ولا سلطان عليه على وسائل الإعلام الغربية والدولية».
حرية الصحافة والإعلام
أعتى الأسلحة في وجه الإرهاب
وإذا انتقلنا إلى «أخبار» الثلاثاء سنجد زميلنا وصديقنا نقيب الصحافيين الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف يقول في عموده اليومي «في الصميم»: «أي قيود تكبل حرية الصحافة والإعلام في مشروع قانون مكافحة الإرهاب، لا يمكن أن تخدم المصلحة الوطنية، وأي خلاف بين الدولة والجماعة الصحافية والإعلامية في هذا التوقيت، هو أمر لا يجوز والعودة للحديث عن الحبس في قضايا النشر هو مخالفة للدستور، والنصوص الهلامية تثير المخاوف من إساءة استخدامها. ما نخشاه فقط هو استنزاف الجهد في معارك لا معنى لها، مثل تلك التي تثيرها النصوص الخاصة بالصحافة والإعلام في قانون مكافحة الإرهاب، التي يحتاج بعضها للتعديل وبعضها الآخر مثل المادة 33 للإلغاء، فليكن الهدف أن يخوض الصحافيون والإعلاميون معركة الوطن وظهرهم غير مكشوف للأعداء، بمثل هذه النصوص القانونية، وليكن الإيمان كاملا بأن حرية الصحافة والإعلام هي أعتى أسلحتنا في حربنا ضد الإرهاب».
مستشار السوء يستغل الحرب
على الإرهاب ليدفن الحرية
وسانده في ذلك في العدد ذاته زميله وعضو مجلس نقابة الصحافيين وأحد مديري تحرير «الأخبار» خالد ميري بقوله: «بينما الصحافة تحارب مع الوطن معركة، نفاجأ بترزي من أيام مبارك يعود لنا بقانون يضع الصحافة في قفص الاتهام، ويريد أن يسجنها ترزي يقدم أكبر خدمة للإرهابيين وللإعلام الأجنبي الذي يخدمهم. ترزي يريد تحويل الصحف المصرية لنشرات لا يقرأها أحد، لتنفرد وسائل الإعلام الأجنبية وما أكثرها بالأحداث والمعلومات. ترزي يتجاهل الدستور ويريد أن يضعه على الرف، بل ويخرج له لسانه في وضح النهار. الحقيقة أن أخطر ما يهدد الوطن هو عقلية الترزية وأخطر ما يهدد المشروع الوطني للرئيس السيسي هو مستشار السوء الذي يريد أن يستغل الحرب على الإرهاب ليدفن الحــرية».
الخشية على حرية الرأي في الإعلام
وأخيرا إلى مجلة «المصور» القومية التي تصدر عن مؤسسة دار الهلال التي قالت أمس الأربعاء: «مرة أخرى يجد الصحافيون أنفسهم مضطرين للعودة إلى المربع رقم واحد، بعد سنوات من النضال لإلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر، هذا الحق الذي حصلنا عليه بشق الأنفس من نظام مبارك عام 2006، وأسوة بالصحافيين في معظم البلدان المتقدمة، بل وفي بلدان عربية سبقتنا إليه بسنوات، مرة أخرى تنتفض الجماعات الصحافية خشية على حرية الرأي، بعد إعلان مشروع قانون الإرهاب الذي أعدته الحكومة، والذي يتضمن المادة الثالثة والثلاثين، التي تنص على أن: «يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته على سنتين، كل من يتعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية، بما يخالف البيانات الرسمية، بالعقوبات عن الجهات المعنية، من دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن».
نقابة الصحافيين ستدافع
عن حرية الصحافة
ونشرت مجلة «المصور» حديثا مع نقيب الصحافيين زميلنا وصديقنا يحيى قلاش «ناصري» قال فيه: «إن عقلية ترزية القوانين في عصر مبارك ما زالت قائمة تتحرك، سواء أثناء وضع قوانين للانتخابات، أو حتى قوانين الإدارة المحلية، لتضع مواد تمس حرية الصحافة وتضع قيودا على الصحافي، وتحض على حبسه، وأن المواجهة مع الإرهاب ليست أمنية فقط، بل هي فكرية واقتصادية واجتماعية. ومجلس نقابة الصحافيين سيقف بكل حسم وحزم في مواجهة أي مواد مدسوسة تنال من حرية الصحافة».
«هنبل الدستور ونشرب ميته»
وقد أخبرنا أمس أيضا زميلنا الرسام أنور أنه شاهد بنفسه وسمع بأذنيه لا بأذني غيره أحد مقدمي برامج الطبيخ في قناة تلفزيونية وهو يشرح كيفية إعداد قانون مكافحة الإرهاب قال وبجواره فانوس رمضان:
– النهاردة أعزائي المشاهدين هنعمل مع بعض مشروب رمضان جميل جدا هنبل الدستور ونشرب ميته بإذن الله.
حكايات وروايات
وإلى الحكايات والروايات لأنها هذه المرة متصلة بالصحافة، وكانت جريدة «البوابة» قد نشرتها في عددها الصادر يوم الأربعاء قبل الماضي، عن رسالة أرسلها الأديب والصحافي صاحب مجلة «روز اليوسف» إحسان عبد القدوس إلى خالد الذكر بعد أن علم من أستاذنا محمد حسنين هيكل رئيس مجلس إدارة وتحرير «الأهرام» وقتها أن الرئيس غير مستريح أو غاضب من القصة المسلسلة التي ينشرها إحسان بعنوان «البنات والصيف»، وكذلك من مقالات مصطفى محمود كان خالد الذكر يرى أنها تشجع على الإلحاد، فسارع إحسان بإرسال رسالة إليه عام 1955 نفى فيها أنه ينشر ذلك لزيادة التوزيع. ومما قاله فيها: «إذا كان رفع توزيع المجلة يعتمد على نشر القصص المسلسلة، فإن القصص الاجتماعية الصريحة ليست وحدها التي ترفع التوزيع، وقد سبق أن نشرت في روز اليوسف قصة «في بيتنا رجل»، وهي قصة وطنية خالصة، ليست فيها مشكلة حب ولا مشكلة جنس، ورغم ذلك فقد رفعت هذه القصة من توزيع المجلة أكثر مما رفعته «قصة لا أنام» مثلا التي تدور حول مشكلة عاطفية، وذلك كما هو ثابت في كشوف توزيع المجلة. وأنا لا أعتمد اختيار نوع معين من القصص، وقد أبلغني صديقي هيكل أن سيادتكم فوجئت عندما قرأت إحدى قصص «البنات والصيف» بما يمكن أن يحدث داخل الكبائن على شواطئ الإسكندرية، والذي سجلته في قصصي يا سيدي الرئيس يحدث فعلا، ويحدث أكثر منه، وبوليس الآداب لن يستطيع أن يمنع وقوعه، والقانون لن يحول دون وقوعه، إنها ليست حالات فردية كما قلت، إنه مجتمع منحل، ولن يصلح هذا المجتمع إلا دعوة، إلا انبثاق فكرة تنبثق من سخط الناس، كما انبثقت ثورة 23 يوليو/تموز، لهذا أكتب قصصي. وحاول كثيرون من الكُتّاب في مصر أن يحملوا هذه المسؤولية… عبد القادر المازني في قصته «ثلاثة رجال وامرأة»، وتوفيق الحكيم في قصته «الرباط المقدس»، ولكن ثورة الناس عليهم جعلتهم يتراجعون، وظهرت طبقة من كتاب القصص فتعرضوا لتصوير عيوب المجتمع وأخطائه وعقده الجنسية، ولكنهم صوروها بعيدًا عن الجو الواقعي، فلم يتأثر الناس بها، أو صوروها داخل الطبقة التي لا تقرأ وكل ما فعلته أنا بعد ذلك هو أنني تحملت المسؤولية بما فيها مسؤولية سخط الناس عليّ، واعتقدت سواء خطأ أو صوابًا أن قصصي تؤدي دورًا في التمهيد لإصلاح المجتمع بتجسيم عيوبه. يبقى بعد ذلك ما حدثني به الزميل هيكل عن دعوة الإلحاد فى صحف دار روز اليوسف والمقالات التي ينشرها مصطفى محمود، الخاصة ببحث فلسفة الدين، ولكنني أحب أن أرفع لسيادتكم رأيي في هذا الموضوع، حتى أكون قد صارحتكم بكل شيء. إنني مؤمن بالله يا سيدي، لست ملحدًا، ولعلك لا تعرف أنني أصلي، ولا أصلي تظاهرًا ولا نفاقًا، فجميع مظاهر حياتي لا تدل على أنني أصلي، ولكنني أصلي لأنني أشعر بارتياح نفسي عندما أصلي. ورغم ذلك فإنني أعتقد أن ديننا قد طغت عليه كثير من الخزعبلات والأتربة والتفسيرات السخيفة، التي يقصد بها بعض رجال الدين إبقاء الناس فى ظلام عقلي حتى يسهل عليهم استغلال الناس والسيطرة عليهم، وقد سبق مثلا أن نشر الدكتور محمد أحمد خلف الله مقالا في «روز اليوسف» يؤكد فيه أن القرآن لا يمنع زواج المسلمة من الكتابي أو من المسيحي، وهي دعوة جريئة، ولكن الدكتور خلف الله أستاذ في الدين ودراسته وعلمه يخولان له أن يحمل مسؤولية مثل هذه الدعوة. وهكذا كنت أعطي الفرصة لكثير من الكتاب ليبحثوا في أمر الدين معتقدًا أن فتح هذا الباب سيؤدي حتمًا إلى رفع مستوى الإيمان الديني، وقد وقع كثير من الأخطاء نتيجة فتح الباب لمقالات مصطفى محمود مثلا». هذا أبرز ما في رسالة إحسان إلى خالد الذكر عام 1955 وهو والد زميلنا وصديقنا الإخواني وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد عبد القدوس، ومحمد متزوج من ابنة الشيخ والداعية والفقيه المرحوم محمد الغزالي، أما المفارقة في الرسالة فخاصة بالمرحوم مصطفى محمود الذي شارك بعد وفاة عبد الناصر في حملة تتهمه بالكفر ومحاربة الإسلام.
فتحي مجدي: نخشى أن تطال
الاعتقالات أناسا لا علاقة لهم بالإرهاب
ومن مشروع قانون مكافحة الإرهاب وثورة الصحافيين عليه لإلغاء أي مواد فيه تعيد الحبس في قضايا النشر ومن حكاية إحسان مع خالد الذكر إلى الإرهاب وما تسبب فيه من معارك بدأها يوم الأحد في «المصريون» الأسبوعية المستقلة التي يتم طباعتها وتوزيعها بواسطة الأهرام، وقول فتحي مجدي محذرا من ردود الأفعال المتسرعة:
«تذكروا الآن وأنتم تنادون بفرض قوانين استثنائية بعد مقتل النائب العام هشام بركات أنه ليس الضحية الأولىى، بل سبقه آلاف المصريين، لكنهم للأسف لم يجدوا من ينتفض للقصاص لهم، ولم يجدوا من يطالب بحقوقهم وكأنهم من مرتبة أقل من البشر…. قتل النائب العام هو جريمة مدانة يجب أن تبحث الدولة عن المسؤولين عنها، ونتمنى أن يتم ضبط الجناة في أسرع وقت، وأن يحالوا إلى القضاء كي ينالوا جزاءهم، لكننا نخشى أن تطال الاعتقالات أناسا لا علاقة لهم من قريب أو من بعيد بما حدث، أو يتم ارتكاب عمليات تصفية وإلصاق التهمة بالضحايا، نريد أن تتبع الإجراءات القانونية السليمة. أعلم كما يعلم غيري أن القضاء زج به في تلك المعركة، وأنه شريك أصيل وأساسي مع النظام في مواجهة خصومه من الإسلاميين بقيادة «الإخوان»، لكن هذا يجعل الكثيرين يكفرون بالعدالة، وسترتفع معها أصوات التطرف والمتطرفين، ولن يجد من يرفضون دعوات هؤلاء إلى التخريب والقتل والدمار ما يجعلهم يردون كل قوة ويفندون حججهم وأباطيلهم. من هنا أتمنى ألا يعالج القضاء قضية اغتيال النائب العام بإجراءات تزيد من الشكوك والمصداقية في أحكامه».
حكومات مبارك اعتمدت سياسة
عدم مواجهة الجماعات التكفيرية
وفي يوم الأحد نفسه نشرت «الأهرام» مقالا لصاحبنا مصطفى السعيد حمل فيه نظام مبارك المسؤولية عن تفشي الجماعات الإرهابية وقال: «اعتمدت حكومات مبارك طويلا سياسة عدم مواجهة الجماعات التكفيرية، طالما لا تتمرد على الدولة، فتوسعت وتنوعت الجماعات السلفية، التي تبدو مهتمة بالدعوة ونشر الفضيلة والعمل الخيري، لكنها سرعان ما تنقلب إلى أشد الجماعات دموية، أو تكون رافدا أو حاضنا للجماعات الإرهابية. في الوقت نفسه الذي اشتد فيه عود المؤسسات السلفية، كان الترهل والوهن يصيب معظم مؤسسات الدولة لأسباب كثيرة، منها انتشار المحسوبية بدلا من الكفاءة، واستفحال الفساد، ودخول التمويل الأجنبي على مسار أجهزة الدولة، فأنشأ شريحة مستفيدة ومرتبطة بالممول الأجنبي، الذي لم يكتف بمنظمات المجتمع المدني أو الإعلام فقط، وإنما تغلغل إلى وزارات ومؤسسات الدولة، ومن أوسع الأبواب. وقد تسبب هذا الترهل في سهولة الاختراق الأجنبي، ومعه فيروس الإرهاب، ليكونا شقي رحى تطحن الكفاءات وتستبعدها، بينما تدعم العملاء أو الفاشلين، بما يضمن إما الهيمنة أو تحييد أجهزة الدولة، فتضعف مناعتها».
وزير الخارجية يخاطب مراسلي
الصحف الأجنبية بطريقة «قل ولا تقل»!
ومن الأهرام إلى «الشروق» عدد يوم الثلاثاء ومقال الكاتب فهمي هويدي عن التشهير المجاني يقول: «من إبداعات مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد ما نصت عليه المادة 33 التي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين كل من نشر بيانات عن العمليات الإرهابية، تخالف ما أصدرته الجهات الرسمية. وهي مادة تبعث على القلق والخوف من جوانب عدة. فهي تعيد إلى الأذهان نموذج «وزارة الحقيقة» التي تصورها جورج أورويل مؤلف الرواية الشهيرة (1984)، التي عبر بها عن كآبة الأوضاع في بريطانيا إذا كتب النصر للنازيين في الحرب العالمية الثانية. ذلك أن المادة المذكورة اعتبرت أن البيان الرسمي وحده عنوان الحقيقة، ليس ذلك فحسب، وإنما نصت على معاقبة من ينشر أي بيانات أخرى مغايرة بالحبس مدة لا تقل عن سنتين. وهو ما لم يتخيله الكاتب البريطاني في روايته… من المصادفات انه في اليوم الذي نشر فيه نص مشروع القانون عقد وزير الخارجية المصري اجتماعا مع المراسلين الأجانب في القاهرة، انتقد فيه نشر وسائل الإعلام الأجنبية إحصاءات وبيانات غير دقيقة عن الأحداث الجارية، ووجه إليهم تقريرا عرض من خلاله الموقف المصري وحقيقة الصراع الدائر وتجليات الإرهاب في البلاد. وبعد اللقاء سمعت من أحدهم قوله إن وزير الخارجية تصور أنه يخاطب مراسلي الصحف المصرية، ونسي أن سامعيه يمثلون صحفا وقنوات تلفزيونية أجنبية تصدر في مناخ مغاير للحاصل في مصر.
في حين نقل وزير الخارجية عتابه وتوجيهاته للصحافيين والمراسلين الأجانب، فإن وزارته وزعت عليهم تعميما توجيهيا آخر حدد لهم المصطلحات التي يتعين استبعادها في وصف العناصر المشتبكة مع السلطة في مصر، وتلك التي يفضل استخدامها في تقاريرهم ورسائلهم الإخبارية. وعلى طريقة قل ولا تقل، فإن البيان ذكر انه في وصف المشاركين في العمليات الإرهابية ينبغي ألا تستخدم مصطلحات مثل الإسلاميين أو الجماعات الإسلامية أو الجهاديين أو الأمراء أو العلماء أو الأصوليين أو الدولة الإسلامية. أما المصطلحات المرشحة للاستخدام فهي: الإرهابيون ــ المتطرفون ــ المجرمون ــ القتلة ــ السفاحون ــ المتعصبون ــ الجلادون ــ المتوحشون ــ الجزارون… إلخ. أدري أن ثمة تقليدا متبعا في وسائل الإعلام المحترمة، يتم من خلال توافق مجلس التحرير بالمؤسسة على المصطلحات واجبة الاستعمال لوصف الأحداث أو الناشطين في ضوء أعرافها وموقفها السياسي. إلا أنه من غير المألوف أن ترشح جهة حكومية في إحدى الدول مصطلحات بذاتها لتستخدمها وسائل الإعلام في دول أخرى. لذلك فإن التعميم قوبل بدرجات متفاوتة من الاستهجان والنفور، لأنه بدا مؤشرا على الرغبة في توجيه الصحف الأجنبية وليس المصرية فقط.
ليست معروفة الجهات التي تقف وراء هذه التصرفات التي تشوه صورة النظام القائم وتخصم من رصيده في العالم الخارجي، لذلك فليس مستغربا أن تتبنى أغلب وسائل الإعلام العالمية موقفا سلبيا إزاء النظام الذي بات سجله مؤسفا في المجالات الحقوقية والحريات العامة. وهو ما تلمسه السفارات المصرية بوضوح ويستشعره كل ذي صلة بالدبلوماسيين الأجانب. وقصة الصحافي الإسبانى ريكاردو كونزاليس مراسل صحيفة «البايبس» الشهيرة في القاهرة لها دلالتها في هذا السياق. ذلك أن سلطات بلاده أبلغته بأن أمنه بات في خطر فغادر المدينة على الفور، وبعد عودته إلى بلاده تحدث عن معاناة المراسلين الأجانب، وتعسف السلطات المصرية معهم، حتى أصبحوا يعملون في ظروف «رديئة جدا»، كما قال لموقع دويتش فيله الألماني. من المفارقات أن بعض الأصوات فى مصر دأبت على اتهام وسائل الإعلام الأجنبية الناقدة للنظام بأنها مخترقة أو ممولة من جانب الإخوان، ناسين أن ممارسات الداخل التي ذكرت بعضها توفر على الراغبين في التشهير جهودهم وأموالهم، حيث تحقق لهم ما يريدون بالمجان. وإذا استمرت مثل هذه السياسات فلا أستبعد أن يبعث بعض الخصوم ببرقية إلى السلطات المختصة في القاهرة يعبرون فيها عن امتنانهم قائلين: نشكركم على حسن تعاونكم»..
الأوطان لا تحمي أمنها
أو تبنى بأيدي الانتهازيين
أخيرا إلى زميلنا وصديقنا ورئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال ورئيس تحرير مجلة «المصور» الأسبق في مقاله الأسبوعي عبد القادر شهيب في «الأخبار» عما يلقاه الإرهابيون من رعاية في مصر: «يلقى الإرهابيون في مصر معاملة خاصة مختلفة تماما عن تلك المعاملة التي اعتاد الإرهابيون في العالم كله أن يلقوها، سواء داخل بلادهم أو خارجها.. وبينما يتم صب اللعنات فوق رؤوسهم ويعتبر استخدام السلاح في مواجهتهم مشروعا، ويتضامن ويتكاتف العالم كله في مواجهتهم ويطاردهم عسكريا ولوجستيا وماليا وإعلاميا، فإن الإرهابيين المصريين على العكس يجدون داخل مصر من يطالب بحسن معاملتهم وألا يستخدم السلاح ضدهم إذا ما أشهروا أسلحتهم في وجوهنا.. وإذا استخدمت القوة من الأمن في مواجهة بعض الإرهابيين، فإننا نجد تنديدا من هذا البعض منا لذلك، رغم أن الأمن اضطروا لاستخدام أسلحتهم ردا على مواجهتهم بالنيران من أسلحة هؤلاء الإرهابيين، حماية لحياتهم، ورغم أن الأمن يلقون القبض يوميا على خلايا من هؤلاء الإرهابيين أحياء، وأحد هؤلاء الإرهابيين الذين اعترف أمام المحكمة بقتله جنودنا في رفح، سوف تعاد محاكمته لخطأ إجرائي في محاكمته الأولى! بل أن هذا البعض لا يتذكر حقوق الإنسان إلا مع هؤلاء الإرهابيين فقط، ويتغافلون حقوق الإنسان مع ضحاياهم، إنها الانتهازية السياسية واللعب على الحبال والقبول بعصر الليمون.. والأوطان لا تحمي أمنها أو تبنى بأيدي الانتهازيين إنما بسواعد المواطنين الواثقين في النصر على الإرهاب.. أفيقوا أيها الغافلون».
حسنين كروم