في التاسع من يوليو 2011 احتفل أبناء جنوب السودان باستقلالهم، أو بانفصالهم عن السودان، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة وعدد كبير من الضيوف الكبار والصغار، بعد أن جاءت نتيجة الاستفتاء على وضعية الجنوب لصالح الانفصال بنسبة 98.83 بالمئة، بغالبية 3792518 صوتا، ولم يصوت لصالح البقاء ضمن دولة الوحدة إلا 44888 شخصا.
أقام أبناء الجنوب الأفراح، ولم يكونوا يعرفون آنذاك أنهم قادمون إلى مستقبل مجهول لبلد مغلق لا يوجد فيه من الموارد المستغلة إلا البترول، الذي دفع الشعب السوداني كله تكاليف استخراجه على أيدي الشركات الصينية. ورث الجنوبيون شبه دولة بدون بنى تحتية. لقد كان في جنوب السودان عشية الاستقلال شارع واحد معبد بطول 70 كلم وثلاثة مطارات بمدرجات معبدة، في بلاد تعادل مساحة ربع السودان، وأوسع قليلا من فرنسا، وسكانها عندما يتجمعون يصلون إلى 11 مليونا. شعبها منتم لقبائل متنافرة أصلا، جزء يحمل السلاح ويقاتل، ونحو خمسة ملايين من السكان بدائيون أميون لا يتقنون شيئا آخر غير الصيد والأعمال الزراعية البدائية. أضف إلى ذلك تلك الجيوب التي لم يحسم أمرها إلى الآن، وهي أبيي المنطقة الغنية بالنفط وجنوب كردفان والنيل الأزرق، المرشحة لإبقاء أسباب تفجر الصراع مع الشمال قائمة إلى أمد بعيد. فلماذا الفرح أيها القوم؟ لقد اكتشف الغرب سريعا أن المولود الذي أقاموا له حفلة زار كبرى مشوه، وأن إمكانية بقائه حيا سليما معافى من العاهات أمر صعب ولا يمكن أن يعيش إلا على أنابيب الدعم الخارجية.
لقد هلل الغرب وطبل للدولة الجديدة واعتبروا ذلك انتصارا على الرئيس عمر البشير، المصنف لدى الولايات المتحدة براع للإرهاب. لقد أوهموه أو خدعوه بأنه إذا أوقف الحرب ووقع اتفاقية السلام الشامل، وقبل بفكرة الاستفتاء الذي يتضمن خيار الانفصال، سيتم تأهيله دوليا ويشطب اسمه من قائمة الراعين للإرهاب، وترفع العقوبات المفروضة على السودان. وبالفعل وقع الاتفاقية عام 2005، التي تضمنت إجراء استفتاء بعد ست سنوات من الحكم الذاتي الموسع حول الانفصال أو الاندماج. وكان قد أعلن القطيعة مع معلمه ومنظر الانقلاب الشيخ حسن الترابي عام 1999 ووضعه في السجن عام 2004 تقربا من الغرب، لكن النتائج كانت عكسية تماما، فقد انفجر الصراع في دارفور، وأدين البشير بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتورط في أكثر من نزاع داخلي ونزاعات أخرى مع تشاد وإريتريا وحتى مع مصر.
هل كان انفصال الجنوب الخيار الأسلم؟
ننطلق من قاعدة علمية حول تمرد الأقليات أثبتت صحتها مرة وراءة مرة ومفادها: كلما تعرضت الأقليات للظلم والقهر والتهميش يكون رد فعلها التمرد، والعمل على الانفصال أو اللجوء للأجنبي للحماية، أو استخدام أساليب العنف لإسماع صوتها. وكلما سادت العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون تتعزز المواطنة وتلتحم فئات الشعب، بغض النظر عن جذورها وقنواتها وأطيافها ومعتقداتها. المواطنة المتساوية التي لا تميز بين شخص وآخر لا في الحقوق ولا في الواجبات تقوي الوطن كله وتعزز الانتماء إليه أما التمييز والتفرقة والعنصرية والاضطهاد فتحول الوطن إلى سجن والمواطنة إلى حلم والنظام إلى عدو والقانون إلى قيود. لهذا السبب لا تتمرد الأقلية الطليانية في سويسرا ولا الأقلية الصينية في ماليزيا ولا الأقلية الفرنسية في كيبيك بكندا. بينما يتمرد القبارصة الأتراك والأكراد في شمال العراق وشرق تركيا والأوسيتيون والأبخاز في جورجيا والشيشان في روسيا والأرمن في نوغورنو كرباخ والهنود الأصليون في المكسيك وأقليات جنوب السودان العديدة التي ما فتئت تخرج من حرب ظالمة إلى أخرى، حتى غدا الوطن بالنسبة لها قيدا لا بد من الفكاك منه.
عندما منحت بريطانيا السودان الاستقلال عام 1956، كان هناك تفاهم على إشراك سكان الجنوب تماما في السطة. لكن الحكومات السودانية المتعاقبة أدرات ظهرها لتلك الوعود وبدأت الحرب الأهلية الأولى (1955- 1972) ثم بعد فترة انفراج استمرت عشر سنوات تجددت الحرب الأهلية الثانية (1983 – 2005) ولم تتوقف إلا بعد توقيع اتفاق السلام الشامل. حروب أهلية ظالمة وقاسية أدت إلى مقتل مليوني مواطن وتهجير أربعة ملايين وتعطيل أي عمل تنموي أو بنيوي في الجنوب. الحقيقة التي لا مراء فيها أن سكان الجنوب ليسوا عربا وليسوا مسلمين في غالبيتهم الساحقة. وضعوا تحت حكم الشمال ذي الغالبية العربية الإسلامية. فلكي تتعزز وحدة البلاد ليس من المنطق ولا من المصلحة الوطنية أن تفرض مبادئ الشريعة على من لا ينتمي إليها، ثم أي شريعة؟ شريعة قطع الأيدي وجلد النساء اللواتي يلبسن البناطيل وفي الوقت نفسه يقوم الرئيس الحالي جعفر النميري، الذي أعلن فجأة أنه خليفة، وبدأ بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، في الوقت الذي كان يقبض أموالا من الموساد الإسرائيلي على كل رأس من يهود الفلاشا يسهل سفره إلى إسرائيل. الحكاية القديمة الجديدة نفسها – يختبئ وراء الدين كل من يخون الوطن أو يفرط فيه أو يتورط في مجابهة مع الشعب.
لماذا إذن يبقى الجنوبيون جزءا من دولة تقتلهم وتدمر بيوتهم، ولم تستثمر في تطوير المنطقة ولم تحاول أن تستوعبهم في دولة القانون والمساواة؟ إذن كان الشعور بالغبن مفجرا للتمرد، الذي تلقفه أعداء السودان والعرب فغذوه ورعوه ومولوه.
يتحمل مسؤولية الانفصال عن الجنوب الرئيس السوداني عمر البشير أولا وقبل أي إنسان، لقد ضحى بالجنوب من أجل إعادة تأهيله دوليا بعد أن وقع في الفخ الذي نصبته له الدول الغربية، فبدل أن ينفتح على الجنوب ويستوعبهم في دولة المواطنة المتساوية، وسع عمليات الحرب بعد استيلائه على السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989 وإطاحته بحكومة الصادق المهدي المنتخبة، ثم توسع في تطبيق الشريعة الإسلامية وحاول إخضاع الجنوب بالسلاح ليكتشف بعدها أنه غير قادر على حسم المعركة، وأن قوى كبرى تدعم الانفصاليين وعلى رأسها إسرائيل.
ولا بد أن نشير كذلك إلى مسؤولية كل من الرئيس المصري حسني مبارك والعقيد القذافي. الأول أدار ظهره للسودان وكان همه الأساسي أن ينتقم من البشير على إثر محاولة اغتياله عام 1995. فقد اتهم مبارك حكومة البشير بإيواء تنظيم الجماعة الإسلامية التي تبنت عملية الاغتــيال، وأصدر مجلس الأمن العديد من القرارات ضد السودان وفرض سلة واسعة من العقوبات تحت الفصل السابع، وأصبح البشير معزولا عربيا وأفريقيا وعالميا. ونكاية في البشير تعامل مبارك مع جيش التحرير السوداني وفتح له مكاتب في القاهرة. وعندما تنبه إلى مسألة الانفصال وخطر ذلك إستراتيجيا على مصر، خاصة على منابع نهر النيل طرح فكرة التوسط للوصول إلى حل «الكونفدرالية» بين الجنوب والشمال، ولكن الوقت كان متأخرا جدا فلم يقبل بها الطرفان.
أما القذافي فقد كرر أكثر من مرة تأييده لانفصال الجنوب، بل قام بتسليح جيش التحرير السوداني. وقبل الاستفتاء بأيام، قام مبارك والقذاقي بزيارة للسودان ليطرحا فكرة الكونفدرالية. وهي حقيقة نكتة تافهة إذ بقي الاثنان صامتين عن الفكرة منذ توقيع الاتفاقية 2005 وقررا الحديث عن خطر الانفصال ساعة الانفصال 2011 وهما يعلمان أن الوقت تأخر كثيرا. لقد أعلن وزير الخارجية المصري آنذاك أحمد أبو الغيط، أن الهدف من الزيارة كان للتأكيد على سلاسة إجراء الاستفتاء والتأكد من أن الاستفتاء سيعقد في جو من «االحرية والشفافية والمصداقية» لتبيان رغبات سكان الجنوب ومن ثم تعزيز أواصر الصداقة بين الدولتين.
في الذكرى الرابعة- هل بقي من جنوب السودان ما يستحق الاحتفال؟
بقبعته الكبيرة قام سلفا كير، رئيس جمهورية جنوب السودان، الدولة الوليدة، بأول زيارة له خارج البلاد بتاريخ 24 ديسمبر 2011 فكانت وجهته إسرائيل، بل أن أول سفارة لجنوب السودان افتتحت في تل أبيب بتاريخ 10 يناير 2011 أثناء الاستفتاء. كان يعتقد أن حب إسرائيل والتذلل على أبوابها أقصر الطرق إلى قلب واشنطن ودولاراتها كما فعل زعماء أوروبا الشرقىية. الذي لا يعرفه كير أن جنوب السودان ليس مثل رومانيا وبلغاريا وهنغاريا وهو أقرب إلى إريتريا، حيث حاول أسياس أفورقي بتقديم واجب الطاعة لدى إسرائيل لاعتماده في النادي الأمريكي، فشن حروبا على اليمن والسودان وجيبوتي وإثيوبيا، لكنه اكتشف بعد فوات الأوان أنه غير مقبول، لأنه أيضا ليس شرق أوروبيا. في بداية حكمه وبقدر من الغرور حرك سلفا كير قواته لاحتلال أبيي، المنطقة الحدودية المتنازع عليها والغنية بالنفط، بقوة السلاح، فما كان من جيش السودان إلا أن ضربه على قفاه وهزمه شر هزيمة فتدخلت الأمم المتحدة ونشرت مجموعة من القبعات الزرق لحماية أبيي، إلى أن تتم تسوية المشكلة سياسيا، ثم قام بغزو منطقة آبار النفط في هيجليج، جنوب كردفان، لكنه عاد وانسحب منها بعد تهديد جيش السودان لولاية الوحدة الجنوبية بكاملها.
وعلى طريقة «النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله» انقلب كير أخيرا على شريكه ورفيق نضاله ونائبه ريك مشار، مؤسس الحركة لتحرير السودان وزعيم قبيلة النوير ثاني أكبر قبائل الجنوب بعد قبيلة الدنكا التي ينتمي إليها الرئيس كير. اتهم كير نائبه مشار بأنه يدبر انقلابا من وراء ظهره. فما كان منه إلا أن طرده من المنصب واعتقل ستة وزراء من حزب مشار. فما كان من مشار إلا أن لجأ إلى المناطق ذات الغالبية النويرية وبدأت في منتصف ديسمبر 2013 حربا أهلية شقت البلاد طولا وعرضا لغاية الآن، وأدت إلى فواجع إنسانية أوصلت البلاد إلى حافة الكارثة العظمى، التي تهدد الملايين بمجاعة ماحقة إذا لم يتم احتواء الصراع على وجه السرعة.
دولة جنوب السودان الآن تحتل الموقع الأول ضمن سلم الدول الفاشلة، بعد أن تقدمت على الصومال في الفشل. ويبلغ عدد الذين فروا خارج جنوب السودان في الحرب الأهلية الأخيرة أكثر من 730 ألف شخص، بينما يصل عدد المشردين داخليا نحو 1.5 مليون. البلاد الآن تتفكك وتتجه إلى الهاوية ولم تجد فلسا واحدا في الميزانية فأنقذتها دولة خليجية بتقديم قرض، حسب مقال لنيويورك تايمز (7 يوليو).
هذه هي النتيجة، شجع الغرب وإسرائيل أبناء جنوب السودان للانفصال وسلحهم وأيدهم حتى ساعة الانفصال ثم قال لهم وداعا- تماما كما فعل في أفغانستان عام 1989 بعد طــــرد السوفييـــت، وكما فعل في العراق وليبيا بعد سقوط نظام القذافي؟ فهل يتعلم الطغاة درسا، خاصة من وضعوا 99٪ من أوراق اللعبة في يد أمريكا، وما أكثرهم هذه الأيام.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام