وحش اليونان الرأسمالي: خوار الرأس وعذابات البدن

حجم الخط
0

في الميثولوجيا الإغريقية، كان «المينوتور» مخلوقاً فريداً، برأس ثور وجسم آدمي؛ حُبس في المتاهة الشهيرة المعروفة باسم الـ Labyrinth، التي صممها المعماري الأسطوري ديدالوس وابنه إيكاروس؛ فصار هذا الوحش رمزاً لهيمنة كريت على أثينا، وتجسيداً لعذابات الأطراف أمام المركز، واستعارة لكل ما انطوت عليه تلك الأحقاب من شرور القوّة وجبروت الأباطرة. وهكذا، كان يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني المستقيل والعضو البارز في تجمّع «سيريزا» اليساري، قد اختار دلالات هذا المخلوق لكي يعنون الطبعة الأولى، 1911، من كتابه «المينوتور الكوني: أمريكا، الأسباب الحقيقية للأزمة المالية ومستقبل الاقتصاد العالمي». الطبعة الثانية، الراهنة، حملت تعديلاً في العنوان الفرعي، ليصبح: «المينوتور الكوني: أمريكا، أوروبا، ومستقبل الاقتصاد الكوني». وفي الطبعتين، على حدّ سواء، ظلّ المخلوق الميثولوجي رمزاً لهيمنة طاغية غير متوازنة، قوامها انشطار المطامع والمصالح والغايات، وفرض الهيمنة عن طريق ثنائية التناقض بين الرأس والجسد.
فاروفاكيس يستعيد حكاية المينوتور لكي يعيد قراءة التوازنات (أو بالأحرى: اللاتوازنات) التي اتضحت بعد انهيارات 2008 المالية، ومسؤولية أمريكا، ثمّ ألمانيا، عن تلك الأزمة الكونية. أمّا عن أوروبا، في الطبعة الثانية تحديداً، فإنّ فاروفاكيس، في أحد فصول الكتاب، يتخيل مشهداً، يمزج بين السخرية والمرارة، حيث يُتاح للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن تضغط على واحد من زرَّين: أحمر ينهي أزمة اليورو، ويرفع معدّل النموّ على امتداد أوروبا، ويهبط بالدين إلى مستوى ما قبل اتفاقية ماستريخت، فلا يتألم مواطنو اليونان (وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا…)، ولكن لا ضمانات، في المقابل، للديون المحاذية (الدول مثل المصارف) خاصة في ألمانيا وهولندا؛ أو: زرّ أصفر، يُبقي أزمة اليورو على حالها طيلة عقود، مع إمكانية تفاقمها واشتدادها، واحتمال خروج بعض البلدان من المنطقة، بما يؤثر سلباً على اقتصاد ألمانيا ذاتها، أو يشكّل كارثة، فتصبح إيرلندا أو البرتغال نسخة أخرى عن لاتفيا أو حتى كوسوفو…
ويكتب فاروفاكيس: «إذْ لا يمثّل الزرّ الأصفر أية جاذبية لدى الرئيس الأمريكي أو رئيس الوزراء البريطاني، فإنّ المستشارة الألمانية ترى أنه الخيار الأعلى سطوة. ولكن حتى لو أرادت اختيار الزرّ الأحمر، فإنها سوف تفزع من ناخبيها الألمان، لأنّ إنقاذ اليونانيين والطليان، ثمّ الإسبان والبرتغاليين، من صنّارة الركود على هذا النحو ‘السلس’ لن يُكسبها الكثير من الأصوات شرق الراين وشمال الألب». ذلك لأنّ الرأي العام الألماني تشبّع، خلال سنتين، بفكرة أنّ ألمانيا نجت من الأزمة لأنّ شعبها الفاضل اعتنق الكدّ والجهد، ومن حقه بالتالي أن يعاقب «الزيزان»، حسب تعبير فاروفاكيس؛ هذا فضلاً عن إيمان شعبوي، ذاتي التغذية، بأنّ «المينوتور الكوني» هو الذي مكّن ألمانيا وهولندا من البقاء في رأس الدول المصدِّرة (والمستوردة، في الآن ذاته، ومن هوامش منطقة اليورو، للبضائع أمريكية الصنع).
والحال أنّ العودة الأبسط إلى جذور أزمة اليونان الراهنة (تضخم الدين العام على نحو غير مسبوق، واعتماد برامج تقشف خرافية أسفرت بالضرورة عن عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة)؛ تعيد التذكير بأنّ أزمة هذا البلد هي وليد طبيعي، وغير خديج البتة، لأزمة النظام المالي العالمي، الآخذة في الاشتداد، وليس في الانفراج كما يحلو للبعض أن يشيع. ثمة ما يشبه المصير الحتمي الذي أفضى إلى اتخاذ قرارات مؤلمة، مثل إعادة النظر في أجور مئات الآلاف من الموظفين، وخفض الإنفاق على الخدمات الحيوية، فضلاً عن خدمة للديون صارت أرقامها خرافية بدورها.
وحين ظهرت للعيان أولى بوادر التأزم في الاقتصاد اليوناني، كانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية قد كشفت النقاب عن تواطؤ كبرى بيوت المال الأمريكية، وعلى رأسها مصرف «غولدمان ساكس»، في صناعة أزمة اليونان الراهنة. فعلى امتداد عقد كامل، وربما منذ دخول البلد في منطقة اليورو، أغدقت تلك البيوت قروضاً سخية على الحكومات اليونانية المتعاقبة، وكانت تموّه عمليات الإقراض تحت بنود شتى ومسمّيات مختلفة، تسمح بالتملّص من القيود التي كان الاتحاد الأوروبي قد فرضها على سقوف التضخم الحكومي.
ولم يطل الوقت حتى اكتشف النظام الرأسمالي، ممثلاً في فرعه الأبرز، الأمريكي، ليس دون ضجيج من الكونغرس وعجيج في اجتماعات لجان التحقيق؛ أنّ مجموعة «غولدمان ساكس» لم تكن قصة نجاح رأسمالية باهرة تعود إلى سنة 1869، فحسب؛ بل هي «أخطبوط عملاق يمتصّ الدماء»، في تعبير مجلة «رولنغ ستون». وعلى نقيض المبدأ الشهير «دعه يمرّ، دعه يعمل»، بوصفه أحد أكثر أقانيم اقتصاد السوق قدسية وعراقة، كانت المجموعة تعتمد مبدأ النقيض الأقرب إلى هذا الشعار: «لا تدعه يعمل، إلا إذا مرّ من هنا»، أي من تعاملات الزبائن مع مصارف المجموعة. الأمر الذي لم يُفضِ، في كلّ حال ومآل، إلى إيقاف العزف المديد على نغمة انتصار اقتصاد السوق، والتنظير المكرور حول عبقرية النظام الرأسمالي.
وليس المرء بحاجة إلى تشخيصات فاروفاكيس الثاقبة، حول ثنائيات النظام المالي والاقتصادي الكوني الراهنة عموماً، أو تعبيراتها في أوروبا ومنطقة اليورو خصوصاً؛ لكي يدرك أنّ الصراعات الراهنة تبدو أشبه بقواعد انتحار ذاتي لعشرات المفاهيم الرأسمالية التي جرى إعلان ظفرها، بالضربة القاضية أحياناً، بعد سقوط جدار برلين، و»انتهاء التاريخ» على يد أمثال فرنسيس فوكوياما (بين أقوال الأخير المأثورة، حقاً، ذاك الذي زعم أنّ «الثقة بين رأس المال والبشر أشبه بالثقة التي نمنحها للطبيب حين نسلمه أجسادنا دون ارتياب، وليس لدينا من ضامن سوى معرفتنا أنه أدّى قَسَم أبقراط»)!
ولكن، ألا تبدو طرائق «غولدمان ساكس» ـ في تكديس الأرباح على خرائب صغار المقترضين، ثمّ ادعاء الإفلاس، والتمتّع بمليارات القروض من الحكومة الفيديرالية ـ وكأنها تخون أكثر من قَسَم واحد، وربما جميع مواثيق الاقتصاد السياسي، وليس الاقتصاد الرأسمالي وحده؟ وهل يتوفّر مغفّل واحد يوافق على أنّ هذا النوع من التنافس المشروع هو جوهر الديناميكية الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تزعم الدولة الرأسمالية أنها تنفرد به، ويتوجّب عليها أن تُحْسن توظيفه على أساس مبدأ الثقة بين المنتج والمستهلك، وبين السوق والسلعة، والمُقرِض والمقترض؟ وكم من الزيف، الأليم والمؤلم لأنه يقتات على عذابات البشر، يتبقى من مزاعم انتصار اقتصاد السوق اليوم؛ ليس بين اليونان وألمانيا، فالمثال هو الأقصى، بل بين فرنسا وهولندا مثلاً؟
الأكيد أنّ روح الثقة لم تكن هي التي تملكت الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حين التقى بمحفل من كبار مدراء المصارف الأمريكية (وبينهم، بالطبع، رجالات «غولدمان ساكس» و»جي بي مورغان»)، خلال الأزمة، فناشدهم أن يقبلوا بما ينوي القيام به من إصلاحات: «لا يوجد خطّ فاصل بين «ماين ستريت» و»وول ستريت»، قال أوباما في تلميح إلى صدام بيوت المال مع المجتمع العريض، «وإما أن ننهض أو نسقط، كأمّة واحدة». بيد أنّ أوباما كان يتلو مزاميره على معشر من الصمّ، عن سابق قصد وتصميم، لأنّ وقائع الماضي، مثل وقائع الحاضر، كانت تؤكد ما قاله كارل ماركس قبل أكثر من 160 سنة، بصدد المجتمع البريطاني: «إني أرى أمّتَين»!
وليس خوار رأس الثور الرأسمالي في برلين، مقابل عذابات البدن الإغريقي في أثينا؛ إلا ذروة معاصرة لاختمار ذلك القول الماركسي، واحتشاد عناصره إلى حدّ الانفجار، المفتوح المتعاظم المتفاقم.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية