لم تفاجئني الأعمال الدرامية العربية هذه السنة بتميّز أغلبها، ذلك أننا منذ سنوات ونحن نعاني من رداءة غالبة على ما نتابعه. وارتفعت أصواتنا تطالب بتحسين مستوى الدراما العربية. مع أننا نعرف سلفا أن الظروف التي مررنا بها لم تكن جيدة، ولم تكن فضاءً للإبداع وللإنتاج والتسويق، خاصة بعد الهزة السياسية الكبيرة التي تعرض لها الفنانون العرب في بلدانهم التي انقلبت الأوضاع فيها رأسا على عقب.
تشرّد البعض في البداية، وبحثوا عن مأوًى لهم، وبعضهم هُجّر، وبعضهم بحث عن بيئة جديدة لا تحاكمه على توجهاته السياسية والفكرية… هُدّد البعض، قتل البعض، رفعت قضايا تكفيرية ضد البعض، وبدا المشهد الدرامي «دراما عجيبة» في حدّ ذاته. وأصبح الفنان يعيش مأساة تفوق مآسي القصص التي كان يمثلها أمام الكاميرا. أصدقاء من الوسط الفني عرفت عن قرب مآسيهم، ومع هذا يصرُّون على ألا يعرف أحد ما عاشوه من معاناة، حتى لا تهتزّ صورتهم أمام جمهور ليس بالإيجابي في غالبه في مواقفه تجاه الفنان والمثقف.
حالة عدم الاستقرار التي ألمت بشريحة واسعة من فنانينا انعكست سلبا عليهم وعلى أعمالهم، والضغط الكبير الذي تعرضوا له أثّر في قيمة عطائهم. يطالب الفنان أحيانا بما يفوق قدرته، وأنا اليوم لا أدافع عن الأعمال الرّديئة التي أتحفتنا بها بعض القنوات، ولكنني أدافع عن الفنّان الذي ظُلمته الأيام والمجتمع والظروف، ووجد نفسه مشرّدا بين الدول، وفوق ذلك هناك من يُعرض عليه العمل وهناك من يحاول أن يقتلع اللقمة من بين أسنانه ويرميها. صحيح سيثور البعض ويدّعي أن ممثلاتنا اليوم تحوّلن إلى دمى بوتوكس، وأوافق على فئة صغيرة منهن، لأن الغالبية لم تحظ بشرف «التجميل» والاشتغال على جمالهن… ظهرت ممثلات كثيرات هذه السنة بدون ماكياج وبدون تصفيف شعر في أعمال كثيرة، وهذا ما لم نتعوّد عليه سابقا، ذلك أن شهر رمضان موسم الدراما بامتياز، ولأنه يستقطب نسبة عالية من المشاهدين يتحوّل بعضهن إلى عارضات أزياء لا أقل ولا أكثر.
ولعل أكثر ممثلة جذبت انتباهي بدورها هي المبدعة شكران مرتجى، التي أخذت دور امرأة مشوّهة الوجه، وهي التي تعوّدناها في أدوار كوميدية، رأيناها هذه السنة في دور مناقض تماما لسوابقها الفنية، تقمّصت فيه قمّة المأساة السورية وقدّمتها بشكل درامي متقن. وقد سبقتها في ذلك سلاف فواخرجي في مسلسل رأيناه سابقا هو «الولادة من الخاصرة»… لكن هذه الأدوار عموما لا تستهوي فناناتنا لأنها تشوّه صورتهن في أذهان الجمهور حسب اعتقادهن، مع أنّني أرى عكس ذلك، فالدور كلما كان بعيدا عن بهرج «عرض الأزياء» وتصفيفات الشعر والمغالاة في الماكياج لامسنا لأنه يشبهنا.
صحيح أن فئة من الجمهور تحب أن «تتفرّج» على الفنان كشكل، لكن هذه الفئة تذهب بالفنّان إلى عوالم سطحية، تجرُّه من عنقه مثل حيوان لا يختلف عن حيوانات «السيرك… وأعتذر لهذا الوصف، لكنّه الأقرب لحقيقة لا يعترف بها الفنان نفسه، فحين يُقصى من الظهور بسبب شكله، تكون الإهانة موجهة إليه في صميم تجربته الفنية وموهبته وتكوينه وطموحاته كحامل رسالة مهمة للعالم، وحين تنهال عليه العروض بسبب شكله أيضا تكون الإهانة مضاعفة، لأنها لا تتوقف عند عتبة واحدة، بل تقفز به من عتبة إلى أخرى ومن دهليز إلى آخر تستهلكه كدمية، وبدل أن يبني مسيرة فنية يصبح همه الأول الدخول في سباق لا ينتهي مع نجوم ينبتون كل سنة مثل الفطر في الساحة الفنية، وصعب جدا منافستهم ومنافسة شبابهم وتألقهم الطبيعي قبل دخولهم هم أيضا في متاهة عمليات التجميل المبكرة، واستهلاك قدراتهم «الجسدية» في فترات وجيزة… شيء محزن ولكنّه يبدو لي منظرا قديما جدا، تخلّصنا منه أيام أسواق النخاسة، ولا يحق لأي كان أن يعيد تلك المرحلة من تاريخنا الأسود إلى الواجهة بشكل مغاير.
دعونا نخرج من دائرة العتب، ونلقي نظرة سريعة على أعمال ممتازة لامست آلام المجتمع وقضاياه، مثل مسلسل «تحت السيطرة» الذي تألقت فيه الفنانة نيللي كريم كما تألقت في السنة الماضية، ورغم أن نيللي لها من مقومات الجمال ما لا تملكه غيرها ربما إلا أنها وقفت أمام الكاميرا بثقة نفس عالية وقدمت لنا دورا رائعا نصفق له بقوة.. دور لم تستعن فيه بأي إغراء جسدي، لأن الموضوع الذي أرادت أن توصله إلينا يحتاج للتفكير لا للاستعراض (عالم مدمني المخدرات ومعاناتهم). ومثلها فعلت كاريس بشار في مسلسل «غدا نلتقي» حيث أقنعتنا أنها «وردة» وبلغ بنا التفاعل لدى مشاهدتها حدّ البكاء معها والضحك معها والضحك عليها أحيانا… كل فريق هذا العمل جرّدنا تماما من كل الأقنعة التي ارتديناها، صار مرآة لنا عكست كل عيوبنا دفعة واحدة، وأخرجت الجمال المدفون في أعماقنا على مدى فترات طويلة من الكذب والكبت والتّحايل. نقف عند الحكاية يوميا وكأنّنا نستعيد ذكريات حقيقية تقاسمناها في زمن ما، مع أن الحكاية تدور في مخيم للسوريين المهجرين، مع عبور كبير يحملنا بين الفينة والأخرى لباريس، المحطّة الأكثر إيلاما في المسلسل كله والأكثر صدامية لما نظن أنفسنا أننا تخطيناه.
وردة وكل شخصيات المسلسل لا يختلفون عن المنكوبين الذين نراهم في نشرات الأخبار باقتضاب، ولا نعيرهم اهتماما أحيانا لقسوة خفية في قلوبنا. يستحق رامي حنّا الكثير من الاحترام على هذا العمل المتميز مع فريقه كاملا. ولعلّه المسلسل الأكثر نجاحا على كل المستويات، حتى إن كان «باب الحارة» الأكثر استقطابا للجمهور.. وباب الحارة بكل تناقضاته وسخافاته ومبالغاته يظل وجها من وجوه المجتمع العربي الذي أراد باسل الخطيب أن يرد عليه بقوة من خلال عمله «حرائر»، ليقول إن المجتمع السوري لم يكن بهذا الجهل وهذا الغباء ولم تكن المرأة فيه «القطعة» التي تزين البيت، ويقتنى منها أكثر من واحدة، ويستغنى عنها لأتفه الأسباب..دور المرأة الريادي لتغيير وجه المجتمع الشامي أبرزه الخطيب استنادا إلى مراجع تاريخية وأدبية يفتقدها «باب الحارة».
مسلسل «الكابوس» من بطولة غادة عبد الرازق والعملاق أحمد راتب، الذي برع بشكل مدهش كعادته نال أيضا استحسانا، وألقى الضوء على مشاكل كثيرة يخفيها المجتمع ويتعايش معها في الخفاء، وهذا ما رأيناه في أعمال أخرى مثل «العراب»: نادي الشرق، بطولة جمال سليمان وآخرين..
وقد كان بودي أن أتحدث عن أعمال أخرى لكن قد يستدرجنا الحديث مستقبلا عمّا عرض ولم أتمكن من مشاهدته، وقد أتمكن معكم طبعا من عرض أعمال ظلمت لأنها لم تعرض في هذا الشهر الفضيل، فيما أعمال أخرى عرضت على أكثر من قناة في الوقت نفسه.
لكني حريصة جدا على قول حقيقة يجهلها الكثيرون حين يثورون وينتقدون الدراما على أنها إهدار لأموال يمكن أن تساعد الفقراء، ويذهب البعض إلى اتهام أصحابها بأنهم ينشرون الفساد بين الناس. والحقيقة أن كل مسلسل هو ورشة كبيرة من ممثلين، كتاب، تقنيين، نجارين، كهربائيين، مصممي أزياء، خياطين، وعمّال، كثر يفتح لهم باب رزق في هذا الشهر… فرجاء لا تتحدوا ضد باب الفن لأنه باب رزق كبير لكل المهن، لا يضاهيه باب آخر…
غير أنه يضمن للفنان الذي يصنع فرحتنا ويشارك في بناء وعينا ويسلينا، شخصا يستحق الاحترام، لأنه ليس موظفا يصله مرتبه آخر الشهر، إنه مثل البذرة التي تحتاج لأربعة فصول لنرى ثمارها، فلا تلقوا الثمار بحجارة أحقاد لسنا بحاجة إليها.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب