مِن أسوأ الصفحات التي رافقت الاعوام العشرة الماضية من عُمر العراق، تلك التي تتعلق بالدور الذي لعبه الإعلام في شحن الأجواء العامة بالمشاعر الطائفية، وتأليب مشاعر الحقد والكراهية بين ابناء الشعب الواحد واللعب على الوتر الطائفي ليكون دافعا إلى مزيد من الدم والعنف.
تعوَّدنا طيلة الاعوام التي سبقت عام 2003 على أن تكون السلطة هي المصدر الوحيد للمعلومة، ولا سبيل للوصول اليها وكشفها امام الناس بعيدا عنها، وبدون ان تكون قد مرت من مرشحات السلطة، لذا كان الاعلام يلعب على الاغلب دورا تزيفييا مخادعا غير الدور الذي ينبغي ان يضطلع به، وهو بذلك كان شريكا في الانكسارات والهزام التي ابتليت بها البلاد، وراح ضحيتها الآلاف واستحال بسببها الاقتصاد الوطني الى انقاض، بعد أن تم تدمير مجمل البنى التحتية التي انفق عليها من المال العام مليارات الدولارات. لذا يمكن القول أنْ ليس النظام السابق بأجهزته الامنية ومؤسساته السياسية وحده من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه البلاد من خراب، بل يقف الاعلام معه على الخط والمسؤولية نفسها.
كثيرون منّا عاصروا تلك الفترة، ويعرفون جيدا شكل ومعنى الاعلام عندما يكون ناطقا باسم الحكومة فقط، ومعبرا عنها، ولا يخرج عن دوره في التلميع والتصفيق والتهليل لكل خطوة وقرار يصدر عنها، حتى لو تناقضت القرارات بين ليلة وضحاها، فالاعلام هنا لا يتردد في أن يمارس دوره التبريري والتضليلي، لكي تبدو المواقف والقرارات المتناقضة طبيعية وسليمة، وليس فيها ما يدعو الى العجب، فكان من الطبيعي وفق هذا السياق ان يهلل الاعلام عندما تلجأ السلطة الى إعدام عدد من الناس بحجة التجسس، بدون أن ينال هؤلاء حقهم في محاكمة علنية شفافة، تتيح لهم الدفاع عن انفسهم، وتتيح لنا كذلك معرفة الحقيقة من خلال سماع اقوال المتهمين (السيناريو نفسه يتكرر اليوم)، فقد تم تنفيذ حكم الاعدام بحق عدد من المتهمين بمجزرة سبايكر، التي كان تنظيم «داعش» قد اعدم فيها عشرات الجنود العراقيين في قاعدة عسكرية قرب مدينة تكريت، وقد اعترف بها التنظيم عبر الصور التي بثها في حينها عن كيفية اعدامه للجنود، بينما نجد اطرافا حكومية وحزبية متنفذه وجهت الاتهامات الى عشائر سنية معينة، تسكن تلك المناطق، ازاء هذا التشابك والتضارب في تفاصيل القضية والاقوال، كيف لنا أن نتوصل الى الحقيقة إن لم يتم اللجوء الى الشفافية؟ كيف لنا ان نثق بصحة الاتهامات إذا كانت المحاكمات قد جرت بطريقة سرية وبعيدة عن وسائل الاعلام؟
قبل عام 2003 كان من الطبيعي أن يهلل الإعلام وهو ينشر خبر وصول الرئيس الفلاني للدولة الفلانية، ولن يتردد في وصفه بالبطل والصديق والمناضل والمدافع عن الحق، بعد أن كان قبل يوم واحد مطعونا بشرفه ووطنيته ونسبه، وعلى انه مصدر الفتن الموجهة ضد بلدنا. هكذا بكل سهولة كان الاعلام يمارس دوره التضليلي بعيداعن شرف المهنة واخلاقياتها،لا لشيء إلاَّ لأن المؤسسات الاعلامية كانت جميعها جزءا من منظومة الحزب الحاكم ومعبرة بالتالي عن سياساته. لذا لم يكن الناس يثقون بالاعلام،وما كان للصحف أي مصداقية في اخبارها وتقاريرها، اضافة الى ان جميعها كانت متشابهة، ولافرق بين هذه الصحيفة أو تلك.
بعد 2003 كنا نتوقع أن تكون المؤسسات الاعلامية في مقدمة المؤسسات التي ستشهد تحولا نوعيا في سياساتها، بالشكل الذي سيجعلها مستقلة وبعيدة عن هيمنة النظام السياسي الحاكم، تجاوزا ً لكل الاخطاء التي كانت تلازم العمل الصحافي والاعلامي في العراق، وليس الأمر هنا مقصورا على الاعلام غير الرسمي الذي لا يرتبط بالدولة والحكومة من حيث التمويل، بل يشمل كذلك المؤسسات الصحافية الرسمية، لكن ما يدعو الى الخيبة تلك الصورة التي ظهر عليها المشهد الاعلامي العراقي، فعلى الرغم من مساحة الحرية التي تبدو واسعة ومهيمنة في ظاهر الصورة، سواء في الاطار الرسمي أو غير الرسمي، اضافة الى العدد الهائل من الصحف والمواقع الصحافية الالكترونية والمؤسسات الصحافية التي ترصد وتراقب وتدافع عن حرية الصحافة، إلاّ أن ما اتَّسم به الاداء بشكل عام لا يدعو للاطمئنان، بل يثير الكثير من الاسئلة المقلقة وعلامات التعجب والاستهجان، وهذا يعني ان الكثير من الاخطاء التي كانت علامة بارزة في ممارسات الأداء الاعلامي قبل 2003 عادت مرة ثانية لتطفو على السطح، خاصة ان الساحة الاعلامية تم اختراقها بعشرات الاشخاص الذين لا يستطيعون التمييز بين كلمة الاعلام والاعلان، بل ان الكثير منهم بالكاد يستطيع ان يكتب اسمه بشكل صحيح، ومعظمهم شباب صغار السن لم يسبق لهم ان تتدرجوا وتتدربوا في كواليس العمل الصحافي، اضافة الى ان هناك العشرات من الاسماء التي تم تجنيدها لقاء رواتب مغرية من قبل اطراف رسمية حكومية او حزبية متنفذة، لاجل ان تكون مخالب يتم استخدامها للنيل من أي صحافي يرصد مساوئ الاداء الحكومي، ويكشف مفاسده، وهذا ما كشف عنه مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي في سبتمبر 2014 في «أن الأخير يواجه مشكلة كبيرة، تتلخص بتعيين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، أكثر من خمسة آلاف شخص أغلبهم لا يمتلكون الشهادة الثانوية بعنوان «صحافي» في الأمانة العامة لمجلس الوزراء ومكتب رئيس الوزراء ورئاسة الوزراء والمكاتب والمؤسسات المرتبطة بمكتب رئيس الوزراء، أغلبهم تم منحه درجة وظيفية من وزارة المالية على الملاك الدائم للدولة. وظيفتهم فتح صفحات على شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» والترويج للولاية الثالثة لنوري المالكي، والتعليق على تلك الصفحات فيما بينهم، مع مهاجمة صفحات الأحزاب والكتل الوطنية وقياداتها المنافسة والرافضة للولاية الثالثة».
هذه الصورة التي عبر عنها العبادي في أول ايام توليه رئاسة مجلس الوزراء تكشف حجم الكارثة التي اصبح عليها الاعلام العراقي، والدور الذي بات يمارسه ضد حرية الرأي والتعبير وتشويه الحقائق،وهذا يعني اننا خرجنا من نفق مظلم ودخلنا في آخر أكثر ظلمة.
البعض من المسؤولين الحكوميين يتبجح مدعيا بأن العراق لم يعد يعتقل الصحافيين والاعلاميين، فيما لو كتبوا ضد سياسات الحكومة، كما كان عليه الحال ايام نظام صدام. يبدو هذا الكلام صحيحا للوهلة الاولى، لكنه لا يعكس الحقيقة كاملة، أو لا يعكس الوجه الآخر لهذه الصورة، الوجه المخيف والمرعب الذي تكشف عنه اغتيالات غامضة تعرض ويتعرض لها عدد من الاعلاميين والصحافيين والأمثلة كثيرة.
لجنة حماية الصحافيين الدولية التي مقرها في نيويورك كانت قد ذكرت في تقرير سابق لها ان «عدد الصحافيين الذين قتلوا في العراق بعد عام 2003 وحتىعام 2011 بلغ 150 صحافيا، أي ضعف عدد الصحافيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية، وكان عددهم 68 صحافيا، بينما وصل عددهم في الحرب الامريكية الفيتنامية الى 66 صحافيا». واللجنة ذاتها كانت قد اشارت في تقريرها الى أنه «لم تتم محاكمة أي فرد الى حد الان بمسؤولية قتل الصحافيين». بهذا الصدد تضاعف رقم القتلى من الصحافيين الذي ذكرته اللجنة عام 2011 الى 420 صحافيا حتى عام 2015.
عدد الضحايا من الصحافيين الذين قتلوا بظروف غامضة يعكس حجم المخاطر التي تواجها الحقيقة في العراق، بالوقت نفسه هذا الرقم يفنِّد تصريحات المسؤوليين الحكوميين، وكذلك تصريح نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي، الذي أكد أمام وسائل الاعلام اثناء الاحتفال بالذكرى 146 لعيد الصحافة العراقية في 27 يونيو 2015 عندما قال «منذ اكثر من 6 سنوات لا يوجد في العراق سجين صحافي على عكس بلدان متقدمة، وسجون العراق خالية من المعتقلين بقضايا رأي… والعبادي الغى جميع دعاوى الصحافيين».
لا غبار على ما قاله اللامي، وليس لدينا دليل على عدم صحة ما جاء فيه، لكنه لا يستطيع أن ينكر هو الآخر عمليات الاغتيال والتصفيات الجسدية، التي تتم بين فترة واخرى ضد صحافيين واعلاميين، بدون ان يتم القبض على القتلة، أو حتى الكشف عن اسمائهم او اسماء الجهات التي تقف خلفهم، فيما لو أعلن عن القاء القبض على واحد منهم.. لذا لا معنى لحرية القول والتعبير المزعومة التي يتم التبجح بوجودها في عراق ما بعد 2003 ، ولا صحة لوجودها اصلاً، فإن كانت الانظمة السابقة تملك من الجرأة الى الحد الذي كانت تعتقل الصحافي عندما يكتب منتقدا سياساتها ولو بالايحاء، فإن الوضع الحالي اشد خطورة من السابق عندما يتم اللجوء مباشرة الى التصفية الجسدية، بدون المرور بمرحلة الاعتقال والسجن والمحاكمة. فقد أمسى علاج من ينتقد السلطة، فيه اختصار كبير لمساحة الحوار المتاحة، الى الحد الذي تم الغاؤها نهائيا عبر القتل بكاتم الصوت .
بلا ادنى شك إن الذي قتل الصحافيين لمْ يقرأ للضحايا كلمة ولم يسمع لهم رأي في برنامج تناولوا فيه بالنقد اوضاع الحياة والمجتمع والدولة، لكنه استلم الاسم والعنوان من الجهة التي يرتبط بها تنظيمياً ــ وغالبا ما تكون الرابطة بينهما طائفية ـــ التي استلمت بدورها المعلومات من اولئك الصحافيين الطارئين الذي تسللوا الى المهنة خلسة، ليؤدوا ادورا محددة لهم لاعلاقة لها بالصحافة لاتخرج عن الوشاية وكتابة التقارير والتسقيط لكل صوت قد يخرج منتقدا سياسات السلطة. ومما يثير الريبة في هذا الموضوع ان أمثال هؤلاء صعدوا سريعا في غفلة من الزمن ليتولوا مسؤوليات اعلامية وصحافية هنا وهناك خارج الوطن في مؤسسات تابعة للدولة.
الحرية ليست شعارا يرفع في مهرجانٍ، ولا قيوداً ترفع أمام ما تود قوله وتصرخ به.. الحرية ممارسة فعالة حقيقية في مجمل تفاصيل الحياة.. هي شعور حقيقي بالاطمئنان يحيط بك عندما تكتب وتقول وتفعل، بدون أن تتعرض حياتك للتهديد أو القتل.
٭ كاتب عراقي
مروان ياسين الدليمي