بطاقات معايدة عربية على وقع القصف والبراميل والمفخخات والانتحاريين

بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد، لا نعرف من أين تأتي السعادة، أنا المواطن العربي «الغلبان»، وكما عودتكم في كل عيد، أبعث لكم هذه البطاقات القصيرة من بين الخرائب التي أصبحت مأواي في عدن وإدلب والفلوجة وبنغازي وغزة والعريش والفاشر وعرسال ولحج وحلب والموصل وسوسة وغرداية والرمادي، وما شابهها من مدن وضواحي الوطن العربي المقهور والمغلوب على أمره.
أود أن أرسل بطاقة معايدة للأمة التي ما زلت أومن بها، فلم أكفر بعروبتي رغم ما ألحق الحكام وحلفاؤهم بي من أذى وقهر وإذلال. أقول لكم كل عام وأمتنا العربية بخير، أناشدكم أولا يا أصحاب عمليات الحزم والقهر والعصف والفرقان والحشد، أن تمنحوني هدنة لمدة ثلاثة أيام كي استطيع أن أدفن الموتى وأعالج المصابين وأطعم الجوعى وآوي المساكين. هدنة لثلاثة أيام لا غير لأمارس حقي في الحياة لأني لست مستعجلا على الموت فهو ينتظرني بالباب، وقد يدخل بدون إذن في أي وقت. لقد أدخلني، ومثلي الملايين، حكامنا الأشاوس حالة أبدية من الخوف وترقب الموت، لأنهم وضعوني بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبقى الحاكم جاثما على صدري إلى الأبد، ويورث ابنه من بعده لمتابعة القهر والطغيان، أو أن يدمر البلد حجرا على حجر، ويفتح الأبواب على مصاريعها لاستقبال الجزارين المتطرفين كي يضعنا مرة أخرى أمام خيارين: إما الحاكم المستبد أو التكفيري الجزار.
لقد حرفوا بوصلة النضال التي كانت مصوبة نحو القدس لتشير الآن إلى كل الاتجاهات إلا القدس، وأطلقوا غول الطائفية ومولوا كل الحركات التكفيرية وأشعلوا العديد من الفتن داخليا وخارجيا. كيف يمكن أن نستمتع بعيد أو نتذوق الحلوى أو نرى أطفالنا يلبسون الملابس الجديدة ويعودون إلى البيت سالمين، بدون أن تتصيدهم طائرة أو برميل أو سيارة مفخخة أو صاروخ أو بندقية رجل أمن أو سيف تكفيري؟
بطاقة من غزة
نحن يا إخوتنا وأخواتنا لم نعرف طعما للعيد منذ تسع سنوات، حصار وحروب واغتيالات وقتل وتصفيات. تذكرون أننا في عيد الفطر الماضي كنا نتعرض لأبشع مجزرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. خمسون يوما وحمم الموت تتساقط على قطاع صغير بحجم ملعب غولف لدى بعض الأثرياء العرب. على الأقل كنا نواجه عدوا واضح المعالم معروفا لدينا ولديكم شكلا ومضمونا. لا تخطئه العين رؤية ولا الأذن مسمعا. نعرف أسلحته كلها ونميز بين جميع أنواع الصواريخ من أصواتها ونعرف الفرق بين القنابل الفراغية والعنقودية والإنشطارية. لكن الوجع الذي نشعر به هذا العام، رغم الصمت المؤقت لأسلحة الأعداء، أكثر إيلاما وحزنا في الوقت نفسه. نحن نشعر أن العالم تخلى عنا ويعمل على تركيعنا، لأن بقاءنا واقفين يعري المنهزمين والمهرولين والمرتبطين والمنسقين وزوار السر والعلانية. أبناء القطاع المحاصر برا وبحرا وجوا ومن كل المعابر، لا يعرفون كيف يحتفلون بالعيد. كل ما نتمناه منكم في هذا العيد وأنتم تتبادلون القبل والحلوى ألا تنسوا فلسطين ولا غزة ولا المسجد الأقصى «الذي باركنا حوله»، لأن كل ما يجري في عالمنا العربي من مصائب يخدم في المحصلة هذا الكيان السرطاني الغريب الذي زرع في قلب أمتنا بطريقة قسرية. كيف لنا أن نفرح بالعيد؟ وكيف يمكن أن نفرح وإخوتنا في مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن والعراق والسودان ولبنان مشغولون عنا بمشاكلهم العظيمة والمعقدة، بدل أن يكونوا معنا في مصيبتنا التي هي مصيبتهم ومحنتنا التي هي أصل محنهم؟
بطاقة من مصر
كل عام وأمتنا العربية بخير. تغيرت مصر كثيرا يا أحبتنا وكأن هذه ليست مصر التي نعرفها المسالمة الهادئة الصبورة المليئة بالحب والتسامح والإيمان العميق. نحن يا أخوتنا نعيش لحظة تمزق وفرقة وخلاف وشك وخوف وترقب وانطوائية. ادعوا ا أن يلهمنا الله طريق الخير والرشاد والتعافي، لتبدأ مصر عصر الاستقرار والتقدم والحرية والكرامة لما في ذلك خير لنا ولأبناء أمتنا الكرام الذين دائما يتفاعلون مع مصر في السراء والضراء. تعرفون يا أحبابنا أن أمور بلدنا لم تسر على ما يرام منذ ثورتنا المباركة التي أسقطت أعتى طغاة العصر بعد ثلاثين عاما من الفساد والتخاذل والتراجع والانصياع لإملاءات الأعداء. رقصنا فرحا في الشوارع وكدنا لا نصدق عيوننا ونحن نرى الفرعون خلف القضبان. لقد اكتشفنا أن مقايضة تاريخية جرت بين العسكر الذين لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية والإخوان الذين يتربصون منذ أكثر من 80 سنة للوصول إلى سدة الحكم، حتى يتم حرمان من قاموا بالثورة حقيقة وكي يبقى التغيير في الشكل دون الجوهر، وأمام هذه المعادلة الصعبة وُضع الناخبون أمام خيارين أحلاهما مرّ: الفلول أو الإخوان فلم يجدوا بديلا عن انتخاب مرشح الإخوان. كنا نعقد الأمل على أن يرتقي الرئيس المنتخب إلى مستوى يليق بمصر ومكانتها وأن يصبح رئيسا لكل المصريين، وألا يتلقى أوامره من المرشد العام، فما هو إلا عام أو أقل وإذا بأرض الكنانة تصبح ميدانا للتمزق والصراع والتخوف والتحرش واضطهاد الأقليات وتهميش المرأة والضنك الاقتصادي والانفلات الأمني. تمنينا على مؤسسة الجيش أن تستخدم قوتها الناعمة لإجراء تصحيح سلمي وسليم بالضغط على كافة الأطراف للتوصل إلى حل توافقي يعيد عجلة الحياة التي تعطلت أو كادت ولم نكن نتوقع أن نرى الرئيس المنتخب ينقل من قصر الرئاسة إلى السجن وأن تطلق النار بكثافة على المتظاهرين السلميين فيتضرج مئات من الأبرياء بدمائهم. الإرهاب يزحف من سيناء إلى القاهرة ومن استهداف الثكنات إلى السفارات الأجنبية. تعطيل عجلة الاقتصاد سيضر بنا نحن الغلابى ولن يتأثر به الناس «اللي فوق». الحريات العامة تخنق وهامش التعبير يضيق كل يوم والأقلام الحرة تعتقل وأحكام الإعدام تصدر بالمئات والمطبلون والمزمرون يتقنون لعبة التملق ويغيرون جلودهم مع كل نظام. أين نحن ذاهبون؟ لا نعرف ولكن نحن في هذا العيد لا نجد ما نفرح له أو به.
بطاقة من سورية
ماذا بقي من سوريا لنمارس أي نوع من الفرح فيها؟ أين نقيم احتفالاتنا بالعيد بدون خوف من صاروخ أو برميل أو غاز الكلور أو جماعة تكفيرية تمارس جزّ الرؤوس؟ ثورتنا يا أبناء العروبة الأحرار التي كان يمثلها غياث مطر وحمزة الخطيب وعلي فرزات وإبراهيم القاشوش ومي سكاف وخالد تاجا، تم خطفها على أيدي التكفيريين والمتطرفين من أمثال الجولاني والبغدادي والشيشاني والداغستاني والألباني لا فرق… شعبنا قام بطريقة حضارية سلمية ينشد الحرية والكرامة بالمسيرات الليلية والشموع والغناء والرقص والحداء ورفع علم سورية عاليا، لكن الرد جاء بالصورايخ والدبابات والبراميل وإطلاق أيادي الشبيحة محترفي القتل والتعذيب. تحولت سورية إلى مقبرة وسجن وملجأ. دكت معالمها التاريخية من مسلات ومعابد ومساجد وقبور أولياء صالحين، ولم يسلم من ذلك حتى قبر خالد بن الوليد ولا تمثال أبي العلاء ولا قلعة حلب ولا مسجد الأنصاري. دخل حدود سورية الأغراب الذين لا يهمهم لا الشعب السوري ولا حضارته ولا تاريخه ولا مستقبله ويحاولون أن يفرضوا سلطتهم بحد السيف لدرجة أن الكثيرين تراجعوا وهربوا من النار إلى الرمضاء. بعد أربعة رمضانات تحولت بلادنا إلى «حقول موت» و»أرض يباب» بعد أن كانت في ما مضى من غابر الأيام «قلب العروبة النابض». لا تقولوا لنا «كل عام وأنتم بخير»، لأننا لا نعرف يا أخوتنا هل سيبقى شيء من سورية لنحتفل به في عيد فطر خامس.
بطاقة من تونس
المؤامرة على بلدنا مستمرة من أجل الإطاحة بالشعلة التي تمثلها ثورة الياسمين. تجاوزنا مطبات كثيرة، تصرفنا بطريقة حضارية. لم نلجأ إلى حكم العسكر أو تعميم الفوضى. اتفقنا أن نحل مشاكلنا بالحوار فقط. واجهونا أولا بالاغتيالات يوم جندلوا في وضح النهار النقابي شكري بلعيد يوم 6 فبراير 2013. سرت قشعريرة في جسم كل تونسي وتونسية. لم نصدق. قلنا بالتأكيد هذه أيادٍ خارجية. شعبنا لا يغتال ولا يغتصب ولا يتدخل في الشؤون الشخصية لأحد. تكررت حادثة الاغتيال وسقط الناشط الناصري المعروف محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013. ثم فتحوا جبهة ضد الأمن والجيش واستطاعوا اغتيال العشرات، بعضهم ذبحوا ذبحا، خاصة في جبل الشعانبي. وعندما فشلت مخططاتهم واختار الشعب الاحتكام إلى الصندوق وهنأ المرشح الخاسر الرئيس الفائز، استخدموا ورقتهم الأخيرة وهي الإرهاب الموجه ضد الأجانب لتدمير السياحة التونسية، عصب الاقتصاد في البلاد. ضربتهم الأولى في متحف باردو التاريخي في 19 مارس من هذا العام فأردوا 24 ، ثم إلى مدينة الحلم والجمال سوسة فقتلوا 28 سائحا أجنبيا. كيف يمكن أن يتم هذا في تونس الخضراء بلد المحبة والخير والحضارة والسلام؟ هذا العيد يأتينا ونحن خائفون- خائفون على ثورتنا وخائفون على بلدنا وخائفون على طريقتنا في الحياة وخائفون على مستقبل أولادنا. نحن مصممون على حماية ثورتنا الرائدة فنجاحها للأمة كلها وفشلها فشل للملايين الذي صرخوا يوما في وجه الحاكم الظالم «الشعب يريد إسقاط النظام». نأمل أن نلتقي في العيد القادم ووهج الثورة الرائدة أكثر بريقا وأمواج بحرها الهائج قد هدأت.
بطاقة من اليمن
آه ما أكثر أوجاعنا يا إخوتنا. عن أي عيد نتحدث؟ نحن لم نعرف الأعياد منذ أربع سنين، فالخير مؤجل عندنا لغاية أن نتخلص من آثار الشاويش الذي خرب البلاد وقسمها ودمر نسيجها الاجتماعي وسلمها لأبنائه وأقاربه وأصهاره ليكملوا مسيرة الخراب. أشعل الحروب في الشمال والجنوب وفتت القبائل وكدس ثروات تقدر بالمليارات وعاد وتحالف مع أعدائه الذين قصفهم بالطائرات منذ عام 2004 لينتقم من كل الشعب اليمني الذي ظل يهتف في الميادين في 17 محافظة لإسقاط حكمه الأخرق. تلاقت المصالح بينهما فتمددا من صعدة إلى عدن مخلفين وراءهم الخراب والموت والجوع. الجارة الكبرى التي تقصف فقراءنا بالصواريخ هي التي رممت «عفاش»، كما نسميه هنا، وأعادته لليمن لمتابعة مسيرة التخريب. ها هم يدفعون الثمن ويدفّعون فقراء اليمن الثمن أيضا. مشاكل بلدنا متعددة «ويا حسرة نجيبها منين ولا منين؟» أنتصدى لناشطي القاعدة أولا أم نعمل على تعزيز الوحدة بين الشمال والجنوب، أم نطارد فلول الشاويش، أم نتصدى لتمدد الحوثيين المتحالفين مع الشاويش، أم نعلن رفضنا للطائرات التي تتصيد المدارس والمستشفيات ومواكب الأعراس؟ سامحونا يا أبناء العروبة الأمجاد فاليمن سيعود إلى حضن أمته الدافئ بعد أن نرتب أوضاعنا الداخلية، التي لا تسر صديقا لتعقيداتها. واقبلوا منا بطاقة المعايدة هذه بمناسبة عيد الفطر السعيد من اليمن غير السعيد.
بطاقة من العراق
لا نستطيع أن نرسل بطاقة معايدة هذا العيد فالعراق الذي تعرفون تمزق وعلى أشلائه قامت أكثر من سلطة وأكثر من دولة وأكثر من ميليشيا وأكثر من برلمان وأكثر من علم وأكثر من نشيد وطني. فالبطاقة مؤجلة إلى أن تلتئم جراح الوطن وتلتقى مِزقــه معا لإعادة العراق الواحد الموحد. والسلام

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية