رجال أعمال «يلاعبون» الرئيس ويحاولون الضغط عليه… وأصوات عديدة تدعو إلى فرض رقابة صارمة على الفن

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» امتلأت صفحات صحف الأمس الخميس 16 يوليو/تموز بالكثير من الأخبار والموضوعات، التي اجتذبت اهتمامات الأغلبية، بينما لم يجتذبها خبران في منتهى الأهمية، الأول معاودة «داعش»، «أنصار بيت المقدس» سابقا، الهجوم في شمال سيناء بأعداد كبيرة ضد قسم شرطة مدينة الشيخ زويد، كما صرح مصدر أمني، لكنهم انسحبوا بعد تبادل لإطلاق النار، من دون خسائر في الأمن.
كما هاجموا كمينا للأمن الذي رد عليهم وقتل عشرين وجرح عددا آخر، وقدر عدد المهاجمين بخمسين فردا، تمكنوا من سحب جثث القتلى والجرحى وقامت طائرات الاباتشي بمطاردتهم والهجوم بمجموعة تصل إلى الخمسين فردا، ما يعني انه رغم الضربة التي تلقوها بقتل الجيش أكثر من مئتين وخمسين منهم من أول يوليو، وحتى يوم الأحد الماضي، فلا تزال لديهم القدرة على حشد العشرات والهجوم بهم.
في الوقت نفسه، أعلن المتحدث العسكري عن تدمير سيارة يقودها إرهابي كانت محملة بخمسمئة كيلوغرام متفجرات، قبل اقتحامها كمينا على طريق القطامية السويس، من دون أن يوضح في أي كيلو على الطريق، لنعرف مدى قرب الهجوم من القاهرة، لأن القطامية تقع على أطرافها. لكن كما قلنا كان الاهتمام الأكبرمنصبا على نتيجة الثانوية العامة بعد إعلانها رسميا، ثم المسلسلات التلفزيونية التي ستتوقف بعد ساعات انتهاء الشهر الكريم وبدء العيد والإجازات، وهي في الحكومة أربعة أيام، الجمعة والسبت والأحد والاثنين، وفي القطاع الخاص يومان فقط والبنوك حتى الأحد، وانشغال الغالبية إما بالسفر للشواطئ والمنتجعات، أو لزيارة الأهل، ولم يكن هناك اهتمام يذكر بسبب قيام محمد جبريل بالدعاء في صلاة التراويح في مسجد عمرو بن العاص على الصحافيين واتهامهم بالفساد بعبارات صريحة، وعلى النظام بطريقة غير مباشرة، لكنها واضحة. وصدور قرار بمنع سفره إلى لندن بناء على طلب من وزارة الأوقاف، للتحقيق معه، وتمت إعادته من المطار، ونفى جبريل في التحقيق الذي أجرته معه الأوقاف أنه كان يقصد قادة مصر إنما كما ذكرت «الأخبار» في صفحتها الثالثة يقصد تركيا وقطر وإيران، وما ذكره للجريدة الشيخ محمد عبد الرازق عمر، رئيس القطاع الديني في الوزارة أن جبريل قال ذلك لأعضاء اللجنة التي حققت معه. المهم أن وزير الأوقاف الدكتور الشيخ محمد مختار جمعة، أصدر قرارا بمنعه من الخطابة أو إمامة الصلاة في أي مساجد الوزارة، والأهم أن الوزير بدأ يتعرض لموجة من الهجمات بأنه السبب في الإتيان بجبريل لإمامة صلاة التراويح والدعاء، ولا نعرف إن كانت أيام العيد ستنقذه من الهجمات وتطورها، لكنها لن تكون مؤثرة لانصراف الناس عن القراءة فيها، كما أن الكتاب والمعلقين لا يناقشون خلالها أمورا جادة لمعرفتهم أن أحدا لن يقرأ. أما المغزى من الرد سريعا على جبريل فهو تأكيد أن الدولة لا تقيم أي وزن لمن يعتقدون أنها لن تقترب منهم خوفا من جماهيريتهم، وهو ما تأكد من الإجراءات التي تم اتخاذها مع لاعب كرة القدم محمد أبو تريكة، كما قد أقول قد يتم الرد القاسي بتسريبات ما كانت مجال أحاديث في الكواليس أيام مبارك والله أعلم، والأيام بيننا وكل عام ونحن العرب مسلمين ومسيحيين بخير، وإلى ما عندنا….

أيمن سلامة: فلتخرق الدساتير ولا تحرق الأوطان

ونبدأ بالإشارة إلى النهاية التي وضعها مجلس الوزراء للمعركة التي تسبب في وقوعها مع نقابة الصحافيين والغالبية الساحقة منهم، بأن قرر مجلس الوزراء برئاسة المهندس إبراهيم محلب، في اجتماعه الأسبوعي يوم الأربعاء، الموافقة على التعديل الذي أجرته إدارة الفتوى والتشريع في مجلس الدولة، على نص المادة 33 من مشروع قانون مكافحة الإرهاب، بإلغاء الحبس في قضايا النشر واستبدالها بالغرامة من مئتي ألف إلى خمسمئة ألف جنيه، ورغم موقف الحكومة المتفهم لاعتراضات الصحافيين على الحبس لتعارضه مع الدستور وإلغائه من المادة فإنه كان من المؤسف أن يتورط اثنان من أساتذة القانون في تحريض الحكومة على عدم الاستجابة لمطالب النقابة قبل موعد اجتماعها بساعات قليلة. فقد نشرت «الأهرام» يوم الأربعاء مقالا للأستاذ في كلية الحقوق في جامعة القاهرة الدكتور أيمن سلامة صاح فيه محرضا الحكومة: «حين خلطت زمرة قليلة متقوقعة في غياهب الجهل الحابل بالنابل، عمدت ألا تسأل أربابها وأصحابها، ماذا لو أثارت الشائعات المغرضة، والأنباء الكاذبة ضجيجا، وأحدثت بلبلة عارمة في أوساط الجماعة المصرية، بل ثبطت همم الصناديد من الجنود والضباط والقادة في سيناء، الذين يجابهون الأخطار المحدقة بالمصالح العليا للبلاد؟ في أتون جمرة الانفلات لمن اختاروا الانحراف عن جادة الصواب، وسداد المنطق، وآثروا أيضا الوقوف في نسق معاد للشعب والوطن، بقصد خبيث أو جهل فاضح مريب للآثار السلبية والخطيرة التي تحيق بالأمن القومي المصري والمصالح العليا للبلاد. اتهم هؤلاء السلطات بالبطء في موافاة الإعلام والعامة بالبيانات والمعلومات العسكرية الكاشفة عن سير العمليات للوحدات والتشكيلات لخير جنود الأرض في سيناء، دونما أي حدس أو تحرز. لقد غفل هؤلاء، كالمعتاد عن أن جميع التشريعات الوطنية في العالم تحظر تداول المعلومات المتعلقة بالأمن القومي، أو بسير العمليات الحربية، أو كل ما يخص القوات المسلحة في الدول ذات السيادة، وأن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ترخص للدول ذات السيادة السلطة في تنظيم وتقنين الموضوعات والمسائل المشار إليها، بل تقييدها في ظروف وحالات محددة. أما في مصر فتحولت الساحة إلى «سوق عكاظ»، وصار خطر المرض العضال «الشبق الصحافي»، ينهش في جسد الأبطال الشرفاء المقاتلين في سيناء، وتشبث البعض بأهداب الدستور، كأن الدساتير والتشريعات أسمى من الدولة أو أسبق على وجودها. ختاما فإننا نجزم بأنه إذا كانت التشريعات والقوانين تكبل إرادة الشعب، فلتكسر هذه الأغلال، وإذا كانت الدساتير تحول دون بقاء وحياة الدولة ذاتها فلتخرق هذه الدساتير، ولا تحرق الأوطان».

لا أحد فوق المساءلة أو الحساب

والمقال الثاني في عدد «الأهرام» كان لأستاذ القانون المحامي وعضو مجلس الشورى المعين في معظم دورات أيام مبارك، الدكتور شوقي السيد الذي قال: «أعدت الحكومة مواد مشروع قانون لمواجهة الإرهاب، تستهدف به تحقيق العدالة الناجزة والجزاء الرادع في مواجهة صور الإرهاب أو الأفعال المؤدية له، لكن المؤسف أنه ما أن عرض المشروع على مجلس القضاء الأعلى، حيث أبدى بعض الملاحظات الإجرائية، وأعيد إلى الحكومة لعرضه على مجلس الدولة، ألا وقد حظي باعتراضات عديدة، واتهامات متبادلة، وسرعان ما نفض البعض يده من مسؤوليته عن بعض مواده، وألقى المسؤولية على الآخرين، رغم أنه الوزير المسؤول، وكانت أشد الاتهامات أن بعض مواد المشروع تخالف الدستور وتهدد حرية الصحافة، وتطلق يد السلطة في مواجهة مرتكبي جرائم الإرهاب، وسرعان ما أطلقت التصريحات والتهديدات.. وعقدت المؤتمرات.. ومازالت مواد المشروع في أول الطريق في هذه الظروف الاستثنائية لمواجهة جرائم ضد الوطن، تهدد حياته وحياة المواطنين، وتتطلب الارتفاع بالنقاش أو الخلاف بالحكمة والموضوعية والانحياز لقضايا الوطن. فالنصوص تخص جرائم الإرهاب بقصد مكافحته بكل صوره ومصادر تمويله، وقد جمعت عدة مواد في قانون العقوبات منذ عام 97.. وكذلك صور الاشتراك في التحريض والتسهيل والمساعدة بشتى الوسائل التي تمهد إليه، أو تؤدى إليه.. سواء بطريق النشر أو بالفعل.. أو بالتمويل.. فلا أحد فوق المساءلة أو الحساب.. ولا أحد يملك مصادرة الحق في النقاش ولا أحد يملك توجيه الاتهام، فالمصالح العامة تعلو على المصالح الجماعية أو الخاصة، والمصلحة ذات المرتبة الأعلى ترجح على الأقل منها.. وهي كلها قواعد وأصول في الموازنة بين المصالح في التشريع. ومن المؤكد أن مصالح الوطن العليا وهي متكاملة.. وغير متعارضة.. ولا تنفصل إحداها عن الأخرى تعلو فوق أي مصالح أخرى مهما كان شأنها، فلقد انتهى زمن افتعال الأزمات.. واصطناع البطولات، ولم يعد لدينا رفاهية الثرثرة».

لماذا يهاجم شوقي السيد المعترضين على المادة 33؟

والدكتور شوقي هنا يهاجم وزير العدل المستشار أحمد الزند، لأنه صرح علنا أمام رئيس الوزراء أثناء اجتماعه مع أعضاء مكتب مجلس النقابة وعدد من رؤساء التحرير أنه عارض هذه المادة ونبه إلى ضرورة استطلاع رأي النقابة أولا في أي أمر يخص الإعلام، كما ينص القانون، ولم يغضب منه لا رئيس الوزراء ولا الرئيس السيسي، فما هو دخل الدكتور شوقي في أمر كهذا إلا محاولة إثارة وقيعة وإذا كان يتذكر وجود مواد في قانون العقوبات تقوم باللازم فلماذا يهاجم المعترضين على المادة 33؟ هذا وإشارته إلى 1997 تذكرنا بالمعارك التي كانت دائرة منذ عام 1995 بشأن إلغاء حالة الطوارئ التي فرضت بعد اغتيال الرئيس السادات في السادس من أكتوبر/تشرين الأول سنة 1981 وكان يتم تجديدها ستة أشهر ثم سنة بسنة ثم بالثلاث سنوات، وإعداد قانون لمكافحة الإرهاب بدلا من استمرار حالة الطوارئ، لكن الرئيس الأسبق مبارك رفض ونتيجة لذلك لجأ رئيس مجلس الشعب الأسبق وقتها خفيف الظل الدكتور أحمد فتحي سرور، وهو أشهر أساتذة القانون الجنائي في المنطقة العربية، إلى حيلة تتفق مع خفة دمه وذكائه، وهي القيام من فترة لأخرى بإدخال تعديلات على بعض مواد قانون العقوبات، أو إضافة مواد جديدة هي نفسها التي تحقق هدف حالة الطوارئ، وبعدها تلقي الحالة فيتم التصفيق للنظام وديمقراطيته وترفض الدولة إصدار قانون للإرهاب فتصفق لها أوروبا وأمريكا، لأنهما كانا في ذلك الوقت يرفضان دعوات مبارك المتكررة بعقد اجتماع دولي للاتفاق على تعريف الإرهاب ومكافحته، في الوقت نفسه نطبق نحن كل ما نريده وأكثر بالقانون العادي، بقي أن أعيد التذكير بأن الدكتور شوقي وهو عضو مجلس شورى كان واحدا من ثلاثة فقــط أيدوا القانون رقم 93 لسنة 1995 الخاص بتغليظ عقوبة السجن في قضايا النشر إلى خمس عشرة سنة، وكنت من أسبوع قد ذكرت خطأ أنه القانون رقم 95، والثاني الذي أيده المحامي فريد الديب، شفاه الله من مرضه، والثالث كان زميلنا الأديب الراحل ثروت أباظة الذي كان دائم توجيه الاتهامات لخالد الذكر بقمع حرية الصحافة.

السيسي: أين بطولات الجنود الذين
يدافعون عن الوطن في المسلسلات؟

وإلى الرئيس السيسي وأبرز ما نشر عنه شخصيا وأوله كان يوم الأربعاء لزميلنا الناقد السينمائي البارز طارق الشناوي وقوله في عموده اليومي في جريدة «التحرير» (أنا والنجوم): «الرئيس عبد الفتاح السيسي غاضب من مسلسلات رمضان، هكذا أشارت جريدة «الوطن» أمس، كما أن أكثر من موقع أكد أنه في اجتماع الرئيس في المجلس التخصصي للتنمية المجتمعية عبَّر عن استيائه من تركيز الأعمال التلفزيونية في رمضان على تجارة المخدرات والزنا والسحر، وتساءل: أين بطولات الجنود الذين يدافعون عن الوطن؟ من حق الرئيس بالطبع أن يعلن رأيه، ولكن ليس من حق أحد أن يعتبر هذا الرأي بمثابة ضوء أخضر لتشديد الرقابة على الفنون في مصر. الرئيس يعبّر عن قناعاته في ما تُقدمه الشاشة، وربما أغضبته مشاهد التعاطي في «تحت السيطرة» والعنف في «حواري بوخارست» أو السحر في «العهد»، وغيرها، كل هذا أتفهمه، ولكن يجب أن نضعه في إطاره الصحيح، وهو أن الرئيس لا يُصدر أوامر لأحد في هذا الصدد، وهو لا يتدخل بالتوجيه، ولكنه يطرح قناعاته الفكرية، لاحظنا جميعا ومنذ عام أن هناك أصواتا عديدة تدعو إلى فرض رقابة صارمة على الفن، وأن أصحاب تلك الأصوات عادةً يزايدون في هذا الاتجاه، ولديهم منابرهم ومناصبهم، وبعضهم يلوّح بأن تلك هي أوامر الرئيس، رأي الرئيس ليس وليد اليوم، من الواضح أنه في أكثر من جلسة أشار إلى ذلك، وأن هناك مَن استشعر هذا التوجه، فقرروا المزايدة في هذا الاتجاه».

عودة لموضوع «تجديد الخطاب الديني»

أما في «المصري اليوم» عدد يوم الأربعاء فكتب لنا سليمان جودة عن الرئيس الغاضب قائلا: «ما الذي نفهمه من حديث الرئيس في حفل ليلة القدر؟ نفهم أنه غاضب، وأنه غير راضٍ عن أمور كثيرة من حوله، وأن من بين هذه الأمور حكاية «تجديد الخطاب الديني»، التي كاد الناس أن يملوا منها، إن لم يكونوا قد ملوها فعلاً، من طول تكرارها، ومن دون شرحها لهم كما يجب، ومن دون تبسيطها في أوضح الكلمات، ومن دون فعل شيء حقيقي من أجلها أمام كل واحد فينا. ونفهم، أيضاً، أن الرئيس كان قد طلب أشياء بهذا الخصوص، في الاحتفال الماضي بالمولد النبوي، وأن شيئاً مما طالب به لم يتحقق، وأن الضيق من هذا عنده قد بلغ مبلغه، وأنه لم يجد طريقة يعبّر فيها عن ضيقه، وعن غضبه، سوى أن يقول إن الجهد المبذول في مجال مقاومة أفكار العنف والتطرف لا يكفي، وإنه، كرئيس، يُشْهد الله تعالى على أنه قد طلب كذا وكذا، من أهل الشأن في هذا الموضوع، ولكن الاستجابة عندهم، كما يراها الرئيس ونحسها، لم تكن عند مستوى الطموح!
ولو سألتني عن رأيي فسوف أقول لك إنني أشارك الرئيس غضبه، وضيقه، وعتابه على الذين كان عليهم أن يفعلوا شيئاً في مواجهة أفكار الظلام، ولم يفعلوه.. ولكنني، في الوقت نفسه، أعتبره مسؤولاً بأكثر ممن يعاتبهم هو.. أعتبره مسؤولاً لأنه الرئيس، ولأن موقعه يقتضي منه أن يذهب إلى ما يريده، ويحتاجه البلد، من أقصر طريق.. أعتبره مسؤولاً لأنه عندما يأتي في حفل ليلة القدر، ليطلب الشيء نفسه، الذي كان قد طالب به قبلها بنحو ستة أشهر، فهذا معناه أن ستة أشهر قد ضاعت منه، ومنا، في ما لا يفيد.. مع أن أحوالنا لا تحتمل أن يضيع منا يوم واحد، فضلاً بالطبع عن أن تضيع ستة أشهر كاملة! وعندما يصل ضيق رأس الدولة من ضآلة الجهد المبذول في مكافحة الأفكار المخاصمة للعصر إلى هذا الحد، فليس لهذا سوى معنيين: إما أن الذين كان عليهم أن يقوموا بمثل هذا الجهد قد قاموا به فعلاً، ثم لم يعلنوه علينا بالشكل المفترض، وإما أنهم لم يقوموا به على نحو ما كان يأمل الرئيس، منذ البداية، ليس لأنهم لا يريدون القيام به، وإنما لأن الرسالة من الرئيس إليهم، عند بدايتها، لم تكن بالوضوح الكافي، وبالتالى انخرطوا هم في فعل شيء ليس هو الذي يقصده الرئيس ويريده… إن عبارة «تجديد الخطاب الديني»، التي أطلقها الرئيس في حفل المولد النبوي، ثم عاد وكررها في حفل ليلة القدر، عبارة شديدة العمومية، وإذا أنت سمعت عن جهة في الدولة تقول إنها بدأت في تجديد الخطاب الديني فكن على يقين من أنها لن تفعل شيئاً، ليس لأنها لا تريد فعل شيء، وإنما لأن الشيء الذي عليها أن تفعله بالضبط ليس واضحاً عندها بما يكفي! سيادة الرئيس.. نحن غاضبون بمثل ما أنت غاضب، وأكثر، ولكن هناك فرقاً بين غضب رئيس وغضب مرؤوس.. فالأول يملك، على عكس الثاني، أن يغير ما يغضبه، وأن يأمر بأفعال محددة على الأرض.. إنه رئيس دولة ليس في حاجة إلى مقدمات، ثم إن وراءه تأييداً كبيراً من الناس يسنده.. فما الذي بالضبط يمنعه؟».
دور رجال الأعمال اقتصادي لا سياسيا

وإذ تحولنا في يوم الأربعاء نفسه إلى مجلة «المصور» سنجد رئيس تحريرها ورئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال القومية التي تصدر عنها المجلة غالي محمد يطالب السيسي بأن يتشبه بالرئيس الروسي بوتين في زيادة قبضة الدولة الاقتصادية وضرب الفساد قال: «استلم فلاديمير بوتين الدولة الروسية منهارة اقتصادياً واجتماعياً، كان يلتسين قد قام بتخريبها تماماً هو ومجموعة من المليارديرات، كانوا جزءاً من المافيا العالمية، أعاد تأسيسها مجدداً، صنع اقتصاداً قوياً، وأعاد دعم قيم المجتمع بشراكة بين الدولة ورجال الأعمال، في معظم المشروعات الضخمة، جعلت للدولة يدا عليا في إدارة الاقتصاد لصالح المجتمع، نعم.. ظل الاقتصاد الروسي رأسمالياً، لكنه صار ذا توجه اجتماعي واضح، هذا التوجه جعل الشعب الروسي يستعيد كرامته التي أهدرت في زمن يلتسين، ويستر ماء وجهه الذي كان قد أريق، وتعود إليه ثروات بلاده التي نهبت. صاد بوتين بعض أملاك هؤلاء المليارديرات وقضى بعضهم نحبه في الخارج منفياً، وأقام مجلساً مشتركاً بين الدولة ورجال الأعمال، الدولة فيه هي الفاعل الرئيسي ورجال الأعمال مستشارون فقط.. تراجع دور رجال الأعمال سياسياً إلى الوراء، صاروا أهل بيزنس وحسب، يؤدون ضرائبهم، ولا يجرؤون على العبث- ولو قليلاً- بمقدرات الاقتصاد الروسي الراهن! بالتوازي مع المشهد الروسي، هناك المشهد المصري.. الذي حصل فيه رجال الأعمال على مكاسب بتريليونات الجنيهات، في مقدمة مصادرها الحصول على الأراضي بأسعار بخسة في عصر المخلوع مبارك، هذه الأراضي اكتسبوا منها عشرات المليارات ولم تحصل الدولة إلا على أقل القليل. قامت ثورتا يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران، لكن أحداً لم يقترب من هؤلاء بزعم أنهم حصلوا على هذه الأراضي بالقانون، والقانون منهم براء.. واليوم يديرون إمبراطوريات مالية ضخمة لا تستفيد منها الدولة ولا الشعب، الفساد لا يقف عند الأراضي وحدها، بل هناك من كان يحصل على العمولات بالمليارات في زمن مبارك ولصالح نجليه علاء وجمال مبارك، لم يكتف هؤلاء بالثروات التي نهبوها بل يعرقلون مسيرة الوطن الآن، والبعض منهم من خلال الفضائيات والصحف الخاصة التي يمتلكونها، يلاعبون الرئيس، ويحاولون الضغط عليه.. ويصورون أنه لو اقترب أحد من الثروات التي نهبوها ستنهار البلاد، وأن هذه الثروات خط أحمر!».

المنظومة الأمنية في حاجة
إلى تطوير على كل المستويات

وإلى المعارك والردود ولدينا العديد والمهم منها ويضرب أصحابها في كل اتجاه ويبدأها زميلنا في «الجمهورية» السيد البابلي يوم الاثنين مهاجما زميلنا في الأخبار ورئيس تحرير «أخبار اليوم» الأسبق ممتاز القط بقوله عنه: « إبحث عن الإهمال والتراخي في كل أو معظم ما يقع في مصر من حوادث إرهابية أو غيرها.
فنحن لا نلتزم بقانون ولا نطبقه أيضا.. وفي كل أزمة أو حادث نرفع حالة التأهب والطوارئ، ثم تعود ريما لعادتها القديمة إلى أن يقع حادث آخر. ومن الممكن أن نشهد كل يوم حادثاً إرهابياً يتم تنفيذه بسهولة ويهرب الجناة بفعلتهم، لأن المنظومة الأمنية كلها في حاجة إلى تطوير وتأهيل وإعادة تدريب لضباط وأفراد الأمن على كل المستويات. ومن السهل في شوارع مصر كلها بدون استثناء أن تجد سيارات بلا لوحات معدنية أو بلوحات مطموسة ويتحرك أصحابها بكل الهدوء والأمان، ويعبرون أيضا الأكمنة المرورية من دون أن يستوقفهم أحد ومن دون مخالفة أو مصادرة مؤقتة للسيارة. علينا أن نكون أكثر استعداداً لعمليات إرهابية مقبلة قد تكون أكثر عنفاً من تفجير القنصلية الإيطالية الأخير. فالإرهاب دخل مرحلته الجنونية، ولم يعد يهتم ببشاعة العمل واستهداف المدنيين والأبرياء بقدر اهتمامه بأن يهز صورة مصر وأن يلحق أكبر ضرر ممكن باقتصادها وبمحاولتها استعادة عافيتها.
ونعود إلى حوارات رمضان والأستاذ ممتاز القط رئيس التحرير الأسبق لـ«أخبار اليوم» وموقفه الذي لم يتغير من الرئيس الأسبق حسني مبارك. فالأستاذ ممتاز يقول إن مبارك هو أفضل زعيم لمصر وإن 25 يناير/كانون الثاني نكبة كبرى. ومن حق الأستاذ ممتاز الذي كان قريباً من مبارك أن يدافع عنه، وأن يظل مخلصاً ووفياً له.. لكن حكاية أفضل زعيم لمصر «واسعة» قوي خصوصاً أن الدكتور مصطفى الفقي الذي عمل عن قرب مع مبارك كان يتحدث عنه في اليوم نفسه الذي تحدث فيه ممتاز وقال عن مبارك «لم يكن غبياً.. ولكن محدود الثقافة». ولم يكتف الفقي بذلك بل اتهم مبارك بأنه كان ايضا «غداراً» ويا استاذ ممتاز.. إعجابك بمبارك وإخلاصك له يجب ألا يحجب عنك الحقيقة».

اليسار المصري
لم ينتقد عادل إمام

وفي يوم الاثنين نفسه قام زميلنا وصديقنا في «الأخبار» المتحدث باسم حزب التجمع اليساري وعضو مكتبه، السيسي نبيل زكي بكتابة مقال رد فيه على زميلنا في «الأهرام» الشاعر فاروق جويدة بالقول: «لم تحدث ضجة في «مواكب اليسار» ضد الفنان الكبير عادل إمام، كما قال الشاعر الكبير فاروق جويدة – الذي احترم شخصه وإبداعه – ذلك أن اليسار يعرف قدر هذا الفنان والدور المهم الذي قام به في كشف القناع عن الجماعة الإرهابية وفضحها منذ وقت مبكر، سواء في أعماله الفنية أو زيارته الشهيرة لصعيد مصر، في وقت كان لدينا كتاب ينافقون تلك الجماعة ويسايرون تضليلها. والدليل على ما أقول أن الحزب الرئيسي لليسار المصري وصحيفته لم يذكرا كلمة نقد واحدة لعادل إمام.. ولا يصح اعتبار ما يكتبه أو يقوله من ينسبون أنفسهم إلى اليسار، أو من يتصور الشاعر أنهم «في مواكب اليسار»، إنه موقف يعبر عن اليسار. ويقول الشاعر إن اليسار «كان دائما منغلقا رافضا لأي فكر معارض ولا أدري عن أي يسار يتحدث الشاعر، ذلك أن اليسار لم يعارض سوى سياسات التبعية للقوى الأجنبية وزواج المال بالسلطة، واتساع الفجوة بين الطبقات والحرمان من فرص العمل والرعاية الصحية والاجتماعية والخصخصة، في ظل اقتصاد السوق العشوائي. ومنذ نشوء اليسار وهو في موقع المعارضة، ولم يؤيد سوى مواقف وطنية تاريخية مثل إلغاء معاهدة 1936 أو تأميم قناة السويس أو حرب أكتوبر/تشرين الأول أو ثورتي 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران، اللتين شارك فيهما بكل قواه، ولم يكن موضع رضاء السلطة في أي ظرف من الظروف. فقد اعتقل جمال عبد الناصر اليساريين لفترة زمنية قياسية، ومات منهم كثيرون داخل المعتقل، كما اعتقل أنور السادات آلاف اليساريين بتهمة قيادة انتفاضة الخبز بعد رفعه للأسعار. وفي ظل مبارك ظل اليسار محاصرا. وليس صحيحا أن اليسار «لا يرى في الساحة المصرية بل والعربية أحدا غير رموزه وأقلامه ومفكريه»، وأنه «شطب من أجندة الحياة المصرية كل من خالفه في الرأي»! فاليسار يقدر تقديرا عاليا كل مفكري النهضة والتنوير، كما يقدر شعراء عرب من أمثال الجواهري والسياب وأدونيس والشابي.. وقائمة طويلة.. طويلة من المبدعين».
هذا والمعروف أن مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب عراقيان وأدونيس لبناني وأبو القاسم الشابي تونسي.

تزييف الوعي الاجتماعي المصري

وفي اليوم التالي شهدت صفحات جريدة «البوابة» اليومية المستقلة هجومين الأول شنه صديقنا في «الأهرام» مؤسس وأول رئيس لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية فيه والمفكر، السيد ياسين وقوله في مقاله الأسبوعي في «البوابة» مهاجما زميلنا وصديقنا مجدي الجلاد رئيس تحرير جريدة «الوطن» بقوله عنه: «فاجأنا أحد الكتاب الصحافيين من الذين يرأسون تحرير جريدة يومية، ويقدم في الوقت نفسه برنامجا تلفزيونا، بمقال له يعترف فيه أنه «صرصار» وهذا حقه في توصيف نفسه كما يشاء ولعله صدق في ذلك، ولكن ليس من حقه على الإطلاق أن يّسب الشعب المصري ويدعى أن كل أفراده «صراصير» مثله!.
ولو كان هناك ميثاق إعلامي أخلاقي مطبق لفرض عليه أن يعتذر علنا للشعب المصري، سواء في صدر جريدته أو على شاشات القناة التي يقدم فيها برنامجه، بل أن رئيس مجلس إدارة الجريدة وصاحب القناة ملزم قبله بالاعتذار للشعب المصري عن التجاوزات الساقطة لأحد تابعيه ممن يغدق عليهم الأجور بالملايين سنويا. وبغض النظر عن هذه السقطة الأخلاقية والمهنية لهذا الكاتب الصحافي الذي أريد أن ألتمس له العذر، لأنه يفتقد إلى موهبة الكتابة، ويعجز عن تسطير مقال له معنى، ولذلك خيل إليه أنه بلغ ذروة البلاغة والفصاحة حين سب الشعب المصري، واعتقد وهما أنه قادر على الكتابة الساخرة، مع أنها بأي معيار كتابة منحطة! حانت لحظة الحسم، ولتخرس الألسنة المنحرفة، ولتكشف كل أوراق الإعلاميين الفاسدين الذين تحولوا في غفلة من الزمان لأصحاب ملايين نتيجة التواطؤ مع رجال الأعمال، الذين خططوا لتزييف الوعي الاجتماعي المصري تحقيقا لمصالحهم الهابطة».

الأمن يدفع ثمن تراكم
سياسات مستمرة منذ فترة طويلة

وننتقل الآن إلى جريدة «الشروق» عدد يوم أمس الخميس ومقال رئيس تحريرها عماد الدين حسين وما نقله لنا عن تصريحات مسؤول أمني قائلا: «في صبيحة يوم الثلاثاء الماضي حضرت الاحتفال بذكرى ليلة القدر في مركز الأزهر للمؤتمرات في مدينة نصر بدعوة كريمة من وزارة الأوقاف. انتهى الاحتفال بعد كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وفي انتظار الخروج من المكان قابلت مسؤولا أمنيا رفيع المستوى، وسألته عن آخر التطورات، وكانت تلك هي الحصيلة التي تظل على عهدة صاحبها.
سألت الرجل ــ المطلع بدقة على كل الملفات الأمنية ــ عن تفسيره للاختراقات المتوالية للإرهابيين، خصوصا بعد حادثي اغتيال المستشار هشام بركات والهجوم على القنصلية الإيطالية، فقال إن الأمن يدفع الآن ثمن تراكم سياسات مستمرة منذ فترة طويلة، لم تتضمن تدريبا كافيا، ونقصا في الإمكانيات التي تحتاجها الشرطة لمواكبة ما يملكه الإرهابيون من أدوات وإمكانيات متنوعة.
وعن مشكلة نقص المعلومات قال المسؤول إن مجمل التطورات التي حدثت منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011 أدت إلى خلل واضح في هذا الشأن، لكن تمت إعادة بناء هذه المنظومة وسوف تبدأ نتائجها في الظهور قريبا. وأقر المسؤول بأن امتلاك المعلومات المهمة في هذا الصدد هي التي ستعجل بحسم المعركة مع الإرهابيين على الأرض في ما يتعلق بالشق الأمني ويتبقى بعد ذلك دور بقية مؤسسات الدولة….
يعتقد هذا المسؤول أن المشكلة الكبرى التى يواجهها الجهاز الأمني هي نفسها التي واجهها خلال تصديه للعمليات الإرهابية طوال ثمانى سنوات في حقبة التسعينيات، وهي أن غالبية أجهزة الدولة لا تؤدي وظائفها وتترك كل الحمل على عاتق الشرطة، التي من الطبيعي أن تخطئ، وبعدها يتم تحميلها مسؤولية جميع الخطايا.
قلت لهذا المسؤول: «لكن بقية أجهزة الدولة خصوصا المجتمع المدني يتهم الشرطة بأنها تتعمد إبعاده عن القيام بدوره، ثم إن هذا الدور الافتراضي، ينبغي أن تتوافر له بيئة تجعل من دور المجتمع المدني عنصرا فاعلا في كل مناحي المجتمع وليس فقط في التصدي للإرهاب أو أداء دور تجميلي. يراهن المسؤول الأمني على المستقبل، لكنه يقر بصعوبات الحاضر، وتأثير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، معتقدا أن تطور وسائل الاتصالات الحديثة يمثل تحديا صعبا أمام أجهزة الأمن، وعنصرا فاعلا لدى الجماعات الإرهابية».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية