«أقبلا من الشمال: رامبو وفان غوغ» هكذا ترجم جلال الحكماوي كتاب فرنسواز لالاند(1)، وجمع فيه بين النصّين الأصلي والعربي. وهو ما يُحمد له، إذ أتاح لنا أن نقرأ النصّين، وأن نقارن بينهما. والكتاب يسلّط الضوء على شوابك القرابة بين هذين المبدعيْن الاستثنائيّين في ثقافة الغرب الحديثة، وعلى العلائق الجوهريّة التي تصل المجتمع بمبدعيه، كما جاء في الغلاف.
لأقل إنّني أحببت هذا الكتاب، وإن كانت لي مآخذ قليلة جدّا على بعض تراكيبه؛ وهي لا تهوّن من قيمته ولا من الجهد الذي بذله المترجم. ومن أمثلة ذلك ـ وقد أعدت صياغة بعض الجمل والتراكيب، عسى أن تناسب التركيب العربي ـ: «من الشمال أقبلا. كانا وسيميْن: عينان زرقاوان ولحية صهباء. بهذا البلد مرّا، بلدِ الفاقة وعمّال المناجم [ترجمها المترجم بـ»الوجوه السوداء» وهي ترجمة حرفيّة، في حين هي معنى حافّ أو ظلّ معنى ودلالة إضافيّة أو تعبير كنائي أي ما أثبتناه]. أجل من هنا جازَ كِلاهما [وليس «معا» كما في الترجمة] منطقة البوريناج [ منطقة الفحم الحجري في بلجيكا] وطريق التبغ؛ عبْر أوستاند وبروكسيل، عبْر شارلروا حيث وددتُ لو أنّهما تلاقيا في مقهى قُبالة محطّة القطار، دون أن يُسرّ كلاهما بما في نفسه؛ عبْر لندن وعبْر باريس؛ عبْر جيفي وعبْر آرل… عبْر نابولي وعبْر قناة السويس… عبْر جنوة والاسكندريّة؛ عبْر جدّة وسواكيم؛ عبْر عدن وبلاد العرب؛ يحملُ كلاهما في أمتعته إرث عائلته الكئيب، ويتشبّث ـ على ذلك ـ بالحياة، طالبا نورا غير نور الشمال؛ يلهبُ ضيقه. ولقد كانا مُغامريْ الشمس، حتّى كان ذلك اليوم الذي أخذ فيه فانسان [فان غوغ] يَحُومُ في الحقول، صحبة الطيور السود المحلّقة فوق سنابل القمح التي نمَتْ واستطالتْ؛ حتّى كان ذلك اليوم الذي أخذ فيه أرتور [رامبو] يأسَنُ في الفيافي؛ وهو يذرف دمعا سخينا، كما لو أنّ محتضرا آخر غيره؛ لن يذرفه أبدا. أمّا اليوم، فإنّ الشمس لا تزال تشرق من أجلهما».
على انّ هذا الكتاب ـ وليس هدفي تصويب جملة أو تركيب هنا أو هناك ـ له شأن غير الذي ذكرت؛ فقد كتبته لالاند بلغة عاشقة هي أقرب ما تكون إلى «لغة واصفة» تشير إلى تفكير الذّات المتكلّمة في خطابها، ورؤيتها له وطريقتها في أدائه. وهذه الظّاهرة التي يمكن أن نسمّيها «الشّعر على الشّعر» أو «الخطاب الواصف» حيث لا موضوع للشّعر سوى الشّعر نفسه، قديمة جدّا في تاريخ الشعر والفنّ عامّة.
فلا ارتجال ولا بداهة ولا إرسا ل على سجيّة في هذا النصّ القويّ ـ وهذا نعت أفضل في تقديري من «جميل» ـ وإنّما « كتابة» محكومة بضوابط الصّنعة والعقل والحدْس معا. بل هو شعر، أي نبت لّغة رامبو وثمرة لوحات فان غوغ. بل هو يكاد يُستشفّ بنوع من الوحي أو بضرب من المشاهدة الرّوحيّة. بل إنّ الكاتبة رفيق غامض يترسّم خطى هذين المبدعين. بل هي ظّلّهما في آن. وينبغي ألاّ ننسى أنّها استأنست في نصّها بشذرات من رسائل فان غوغ إلى أخيه، وأخرى من أعمال رامبو؛ أجرتها في لغتها الرائقة؛ وكأنّها ـ وإن اختلف نسبها ـ تتحدّر كلّها من غمام واحد. بل هي لا تني تذكّرنا بقصّتها «قبالة محطّة قطار شارلروا» الواردة في مجموعتها «الرجل الذي أحبّ» حيث تذكر لقاء رامبو وفرلين في الكاباريه الأخضر. تقول: «ألأنّ غابة الآردين تبدأ وراء البيت الذي ولدت فيه؟ ألأنّني أكتب في قرية هولنديّة صغيرة هي «واترلاندكيركج» [اسم يكاد يصعب نطقه بالفرنسيّة، بيْد أنّه فائق الجمال مُترجَما: «كنيسة بلاد الماء الصغيرة»]، أحببتُ أن أكون واسطة العقد بين رامبو وفان غوغ؟».
ولذلك يمكن أن نسِمَ هذا النصّ بـ»الخطاب» في الخطاب»، ومردّ ذلك إلى أنّ حرف الجرّ»في» يؤدّي بجلاء عن جملة المعاني التي ننشدها من هذا « الخطاب الواصف»، مثل المصاحبة والظرفيّة المكانيّة والزّمانيّة. وقد لا يخفى أنّ القول من حيث هو الفعل الذي ينتج مقولا، محكوم دائما بظرف: أنا- هنا- الآن. وهو الظّرف الذي يحدّ الإرسال وهيئة المقول أو الخطاب. وثمّة دائما علامات نصّية تحيل عليه. هذا الظرف هو ما يسمّى عالم الذّات وهي تعقد علاقة بين المقول وفعل القول. فالمقول موسوم بسياق ظرفيّ يلزم ظهوره في زمن بعـينه ومكان بعـينه، شروطا من «خارج القول» تكون نفسيّة وثقافيّة واجتماعيّـة… وليس بالميسور أن نباشر هذا «الخطاب في الخطاب»، إذا نحن أغـفـلنا الظروف الحافـّة به، خاصّة أنّه خطاب يضمر موقفا من الشّعر والفنّ جماليّا، ورؤية أقرب ما تكون إلى الرّؤية الشعريّة النّقديّة.
وهو من ثمّة، محكوم بتداخل خطابين: شعريّ و»نقديّ»، يضطربان به اضطراب حركتين متموّجتين صادرتين من «تردّد» واحد، الأمر الذي يخوّل الكلام عليه من حيث هو موالفة بين مقولات تؤدّيها في الظـّاهر ذات فرد تحيل عليها جملة من العناصر الإشاريّة؛ وهي عناصر يمكن جرْدُها والتحقـّق منها من خلال ضمير المتكلـّم وأسماء الإشارة وأسماء المكان والزّمان وأزمنة الفعل من حيث هي أدوات يحيل بها الخطاب على إجراء القول. على أنّ ما يعنينا أنّ الخطاب إذ يستخدم مصطلحات شعريّة أو نقديّة، فإنّه يعقد علاقة خاصّة بينه وبين أنظمة خارجة عنه، أو هي ليست منه. ولكنّها تمكّن من الاقتراب منه ومن استخلاص مزاياه أو بعضها. ذلك أنّ هذه المصطلحات تنهض بوظيفة مرجعيّة تجعل الخطاب يترجّح بين لغته وشبكة من القرائن ليست منه، ولكنّها ضرورة من ضرورات تحقـّقه. وبالتّالي لا مناص من قراءة هذه المصطلحات في سياقها الشعريّ وسياقها النّقديّ معا.
هذا الكتاب طريقة في إعادة تسمية الأشياء، وفي «تعميدها» تعميدا لغويّا ثانيا؛ تقطع دابر الكلمة، وتخلـّص الأشياء من أسْر الإسم، لتشرعه على الخيال. وليس بالمستغرب عند هذين المبدعيْن، أن تتراسل الأشياء والموضوعات على نحو غير مألوف، وأن يحفّها الإلغاز والغرابة في كلّ مسالكها، ولكن دون أن يسوق ذلك إلى القول بأنّ تراسلها ثمرة مصادفة أو اعتباطيّة .
والتّنافر المنطقيّ عند رامبو مثلا، قد يتمثـّل في إضاءة تماثلات قائمة في نظام الشّعر نفسه، مثلما هي قائمة في نظام القيم الذي ينضوي إليه. والصّورة ترتبط بتمثيليّة اللّغة ومدى قدرتها على تمثّل جملة من الأفكار والمفاهيم. وتاريخ الصّورة ومفاهيمها، إنّما يعلّمنا، قبل كلّ شيء أنّ خبرة الشّاعر عن العالم هي مثل خبرة أيّ منّا، غير مباشرة، فما بين الشّيء والذات المتعالقين، تنهض اللّغة بصفتها موجّها للدّلالة.
ومع هذا فللكتاب الذي نحن فيه شأن آخر، فهو يطلعنا على شوارد من حياة المبدعيْن، وتفاصيل؛ وليس في هذا المقال فسحة؛ حتّى آتي عليها. وبعضها مبذول لمن يعرف سيرة هذين: فانسان الذي قطع أذنه، لأنّه كان يسمع أصواتا تهمس له بكلام بشع؛ وكان عليه إسكاتها، ولقد قدّمها هديّة لامرأة دأب على زيارتها في ماخور مدينة آرل؛ ورامبو الذي شفي من حبّ فرلين، وانقاد إلى حبّ أكثر طمأنينة؛ فكانت له زوجة حبشيّة مليحة طردها دون مقدّمات، وولد اسمه «دجامي وجهه رقيق مثل وجه أمير عربيّ، وبشرة ناعمة كالحرير… دجامي الذي كان رامبو يناديه من سريره في مرسيليا، لكنّ الطفل الحبشي سينتظر عودة آرتور دون جدوى؛ إلى أن تذهب به مجاعة من تلك المجاعات التي تعوّد عليها بلده. أحبّ أن أتخيّل أيضا أنّ الطفل نادى على رامبو، قبل أن يلفظ نفسه الأخير».
هذان الاثنان ينتسبان إلى قبيلة العمّال والبحّارة والفلاّحين وتجّار الخيول، ويتحدّران من ماء واحد: فانسان بألوانه، وآرتور بكلماته؛ ولا حديث لهما إلاّ عن هذا الجنون الذي قد يكون شكلا آخر من أشكال الوجود، وعن هذا الصخب صخب الحياة الباطنة وهي تغلي. «امّا المرفّهون الذين يأتيهم رزقهم رغدا، فلن
يروا في ذلك، سوى شموس متراقصة وحكايات عربيّة، وسيصرخون بسذاجة: يا لهذا الجمال!».
هما رفيقان لم يلتقيا، ومع ذلك جمعهما مصير واحد. كانا حفيديْ بروميثيوس المأساويّين: ماتا أبتريْن، فان غوغ «الأصلم» الذي يقول إنّ مزاجه «كالماء المِلْحِ ممزوجًا بالصابون الأخضر»، وقطع أذنه؛ ورامبو «الأبتر» الذي ضرب مثله السائر «أنا الآخر»، وقُطعتْ ساقه. «كانا أبترَيْ مجتمعهما (أيختلف مجتمعنا عن مجتمعهما؟)، رحلا في السنّ نفسها؛ باكرا جدّا وقد استنفدا قوّة الألوان وبأس الكلمات… الشاعر هو قصيدته نفسها، والرسام هو اللوحة عينها».
(1) Françoise Lalande, Ils venaient du Nord, Rimbaud/ Van Gogh.
منصف الوهايبي