الطفلة الفلسطينية التي جعلت المستشارة الألمانية تنحني… وهل هناك من يأكل لحوم البشر؟

حجم الخط
3

لو كنتُ مكان أنجيلا ميركل وهي تواجه طفلة لاجئة في برنامج تلفزيوني لصارت دموعي ملء وجهي، وأنا بكيت بالفعل مرتين، مرة حين استمعت إلى ريم، الطفلة الفلسطينية السمراء، وهي تتحدث عن مأساتها كلاجئة تواجه خطر الترحيل من ألمانيا، ومرة حين أجبرت كلماتُها سيدةَ ألمانيا الحديدية، على التحرك من مكانها لتنحني نحو الطفلة وتربت على كتفها.
لكن ميركل لم تبك، اكتفت بأن تربت، الأمر الذي عرضها لانتقاد شديد من الألمان قبل سواهم. مثلت السيدة الألمانية سياسة القانون الصارمة تجاه اللاجئين، وقد بالغت بتلك الصرامة إلى حد أنها لم تراع أن الشخص المقابل هو مجرد طفلة، وليس سياسياً أو حقوقياً ينبغي أن يواجه بكل تلك الحجج. لم تبحث ميركل عن ذريعة قانونية كما عثر سياسيون ألمان تالياً عن ذريعة من قبيل طلاقة البنت وإتقانها للألمانية، ما يعني حسن اندماجها وأهليتها للعيش كألمانية. أرادت ميركل أن تبقى حبيسة نفسها كصورة مثلى للقانون.
لكن مهلاً، ألا يستعيد المرء في هذا مشاهد عديدة لزعماء عرب وقفوا الموقف ذاته، فأكرموا، وأجزلوا العطاء، بيوت وسيارات وجوازات سفر؟
علينا أن نختار إذاً بين صورتين؛ زعيم يهب الناس الحياة والموت، قد يعطيك ما تشاء، فيما يملأ السجون والمقابر والعصفوريات بالمآسي، وزعيم هو مجرد موظف عند شعبه، قد يخطئ، أو يصيب، وقد يتعرض للسخرية وللمحاكمة أيضاً.

مسرحيون في التلفزيون

المسلسل التلفزيوني هو فن من الدرجة العاشرة، تقريباً لا خلاف حول ذلك، فما بال أهل المسرح، الفن العريق والعظيم، يتهافتون من أجل الحصول على دور في مسلسل، لا ندري ما نسميه حين يكون، فوق كونه من الدرجة العاشرة، من غير إتقان! التلفزيون على ما يبدو هو حقيقتنا، طموحنا، وجوهر أحلامنا، وحين لا نحصل عليه سنتسكع قليلاً فوق خشبات المسارح، وفي مهرجانات المسرح حول العالم، سنتعبد في محاريبه، ريثما يأتينا دور، أي دور، في أي مسلسل.
التلفزيون هو الشهرة والنجومية والمال والعيش الرغيد، من حق الجميع أن يسعى إليه، بل ويرى فيه معبده ومحرابه، على أن لا يكرروا أمامنا ثانية الحديث عن المسرح المعبد. ابقوا هناك، فلا يستوي التعبّد في محراب، والتمسّح بعتبات مسلسل هابط.

أكلة لحوم البشر

يقترب شريط الطفلة إيندي روز على «يوتيوب» من رقم المئة وأربعين ألف مشاهدة، هو الذي يحمل عنوان «لا أريد أكل الحيوانات». الطفلة روز ذات السنوات الخمسة تبكي بحرقة حين تعثر في طعامها على بقايا العظام، فتكتشف أنها كانت طوال الوقت تأكل أصدقاءها، هي التي لا تسمح لأبويها حتى بقتل الذباب العابر في المنزل.
بكاء حار، حارق، موجع، ومصدوم، وصراخ بنت ترفض إكمال صحنها وهي تردد «لا أريد أن تفرم الحيوانات». غير أن أرقام المشاهدة لا تعني بالتأكيد أن أسئلة الوجود قد اشتعلت لدى جمهور اليوتيوب. كل ما هنالك أنهم تمتعوا بمشهد فيديو ساخر، وبنت لذيذة.
لا أدري لماذا تذكرت مسرحية «أكلة لحوم البشر» للمسرحي الراحل ممدوح عدوان، المأخوذة عن خبر صحفي واقعي يقول إن رجلاً سقط في حلة المرتديلا العملاقة في المعمل، وفرم فيها، فأي خيار سيكون لصاحب المعمل، أي موقف ستتخذون، هل نلقي طبخة المرتديلا إلى حاويات القمامة، أم أننا سنستمر في العمل والبيع كالمعتاد؟
أسئلة كثيرة ستندلع، قد تبدأ من أكل أصدقائنا الحيوانات، ولا تنتهي عند أكل لحوم أبناء جلدتنا، حقيقة أو مجازاً. سنسمي تلك الأسئلة نوعاً من الترف والسفسطة حين نريد أن نرتاح. إن أحداً لا ينوي أن يفسد طعام الغداء، حتى ولو في المخيلة، بافتراض أننا قد نجد بقية عظام لأبناء جلدتنا في طبق اليوم.

عساف يغني لمصر

انتهى المغني الفلسطيني محمد عساف من تسجيل أغنية «حكايتي معاها» باللهجة المصرية قال إنها «تتناول الشارع المصري ببساطته وشجاعته، ومروءته». تقول كلمات الأغنية «حكايتي معاها، حكاية نيل وليل سهران على الكورنيش، وأكلة فول على العربية ورغيف عيش، وسهرة في شبرا والقلعة وحواريها».
كلام المغني الغزاوي يأتي مشفوعاً بكلام معتاد بخصوص أم الدنيا وأم الفن و»صاحبة الفضل الكبير في رحلتي الفنية». إنها بادرة طيبة حقاً نرجو لها أن تثمر حباً مقابلاً للفلسطينيين في أرض الكنانة، ولكن من المؤسف أن هناك حكاية أخرى يبدو أن أحداً لن يستطيع روايتها في أغنية، تلك الحكاية التي دأبت أنظمة مصر على «ارتكابها» بخصوص الفلسطينين؛ التجاهل والاحتقار والمنع والمساهمة في الحصار والتوقيف في المطار والموانئ والحدود. حكاية لا بد أن تروى، لأنها حكاية القمع والاستبداد، لا حكايا الناس.

من يملك الفضاء العام؟

مشهد الفضاء العام ملكية عامة لا خاصة، لذلك نجد حكومات العالم المتحضر تهتم برسمه وقيافته؛ السياج، الرصيف، الشرفات، السطوح، واجهات المباني، الأشجار، كلها مرسومة بعناية، فلعين المواطن كل الحق بأن ترى مشهداً جميلاً غير مشوه. لذلك تجد شرطة ديترويت تصدر مذكرة ضبط بحق أحد فناني الشارع بتهمتي الإتلاف العمد للممتلكات وتشويه المدينة تصل عقوبة كل منهما للسجن خمس سنوات وغرامة مالية كبيرة.
لا يشفع للفنان أنه مصمم ملصق شهير بعنوان «الأمل» لحملة أوباما الانتخابية، وعبارة عن صورة مرسومة لأوباما، فذلك يصلح فقط في بلد عربي يلطخ المشهد العام بصورة واحدة تتكرر وتشوه المشهد العام بلا هوادة. هل قلتُ «الفضاء العام»؟! أعرف أن تدميره شأن عربي خالص.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية