الطائفية السياسية… المال السياسي… ومعاناة اللبنانيين!

حجم الخط
1

جريمة قتل بشعة! القاتل لاحق ضحيته مسافة طويلة، لأنه تجاوز بسيارته سيارة الأول! ظلّ يطعن ضحيته بالسكين على مرأى ومسمع صرخات استنجاد الضحية، من عشرات المواطنين وقد سجلّوا وصوّروا بكاميرات هواتفهم الدراما الإنسانية.. ولم يتدخل أحد! المجرم ذو أسبقيات كثيرة، فقد قتل من قبل، زوجا وزوجته، وقتل اثنين آخرين! وكان في كل مرة ينال أحكاما مخففة، فقط لأنه من رجالات أحد زعماء الطوائف! هذا ما يستقبل الزائر للبنان في عز الصيف اللاهب، وهو الذي يُذهل من حجم الإشكالات الحياتية التي يعيشها شعب هذا البلد العربي في مجالي الكهرباء والمياه. فبيروت العاصمة التي يُطلق عليها «باريس الشرق الأوسط» كما كل المناطق اللبنانية تعيش تزويدا للكهرباء من الدولة مدة 3 ساعات غير متتالية فقط! ودون أي انتظام في مواعيد! أما باقي ساعات اليوم، فيضطر المواطنون اللبنانيون، ومن أجل التزود بالكهرباء لبعضها إلى الاشتراك في شركات الكهرباء الخاصة مقابل اشتراكات مالية باهظة، لا يقدر عليها اللبنانيون الفقراء!.
هذه الشركات الخاصة غير مسموحة الاستيراد والعمل إلا لزعماء الطوائف من خلال الأزلام والتابعين المأجوين لهم. المياه تخضع لقانون التوزيع نفسه ولكن بطريقة أكثر تقنينا. اللهم إلا ما إذا سكن الحارة زعيم طائفي أو نائب في البرلمان أو زعيم حزب سياسي أو ميليشيوي لإحدى الميليشيات المسلحة، فمنطقته والحالة هذه تتزود بالمياه والكهرباء على مدار الـ 24 ساعة يوميا. لذا يسأل كل مستأجر جديد لبيت عن إذا كان أحد النافذين يسكن المنطقة؟ من الجواب بالطبع يستطيع المستأجر تحديد مدى تزويد الحي بالمياه والكهرباء!. كل هذا يحدث في القرن الواحد والعشرين، وفي الوقت الذي استطاعت فيه كل الدول النامية وحتى الفقيرة منها، إيصال الكهرباء والمياه الدائمة إلى مواطنيها. دول عربية كثيرة وعلى الأخص منها خليجية كما إيران أيضا عرضت تمويل لبنان بمادة السولار الكافية لدوام تزويد كل مناطق لبنان بالكهرباء على مدار الـ 24 ساعة يوميا ولعشر سنوات مقبلة، لكن زعماء الطوائف رفضوا كل العروض.. بالطبع من أجل مصالحهم المالية الخاصة! تركيا أرسلت للبنان باخرة لتزويده بالكهرباء، ظلّت الباخرة «فاطمة غول» في عرض البحر سنوات طويلة دون تزويدها بالسولار من لبنان، مما اضطرها للعودة من حيث أتت!.
للعلم ، اشتراك الكهرباء الخاصة يخضع لعدد الأمبيرات التي يستطيع المواطن المغلوب على أمره شراءها من هذه الشركات الخاصة، فكلما زاد عددها تزداد دولارات الاشتراك. الصيف في بيروت لاهب في العادة، يزداد الشعور به إحساسا بالطبع بسبب الرطوبة العالية في الجو (كما كل مناطق البحر) والتي تصل إلى درجة 95٪ ، بالتالي يشعر المواطن بالحرارة وسخونة الجو وضيق في التنفس إن لم يكن المكان مُكيفا ومُبرّدا.
الغريب أن معظم شركات الكهرباء مثلما قلنا مملوكة من زعماء الطوائف ومسؤولي الأحزاب والميليشيات، هؤلاء الذين يسكن الواحد منهم على مساحة تكفي لإسكان حيّ باكمله من حيث تواجد عدة قصور له في المكان ذاته ( فقصر واحد لا يكفيه) وكلها محاطة بأسوار عالية ومحروسة بنقاط عسكرية تحيط بكل زواياها. أما حركة السيارات بجانب الأسوار العالية فممنوعة.. إذ يجري قطع شوارع بأكملها. المال السياسي لزعماء الطوائف يتحرك لشراء الفقراء وأصواتهم أمام كل انتخابات تشريعية، فيشتعل بازار الانتخابات وسعر الصوت، إذ يبلغ يومها وفي الساعات الأخيرة 500 دولار.
للعلم رابين صاحب انتصارات الكيان الصهيوني كان يسكن في شقة بسيطة في عمارة عادية، وعلى الطابق الثالث والعشرين في تل أبيب. أما زعيم ميليشيوي طائفي فلديه قصور قد تقاوم هجوما بالقنايل الهيدروجينية وليس الذرية العادية فقط. كل هذا في ظل الصراع الطائفي والمذهبي البغيض الذي ينخر الدولة بديمومة نظام تقسيم المناصب الطائفية فيها، كما مجلس النواب بتقسيم عدد النواب لكل طائفة ومذهب، وينخر الجسد الشعبي اللبناني ونسيجه الاجتماعي، ويؤثر سلبا وعضويا على وحدته.
الصراع الطائفي والمذهبي والأثني، بدأ ينخر لا لبنان فحسب بل كل الجسد الشعبي العربي وهو أصبح يتمثل في: صراعات تناحرية على حساب صراعات أخرى، من المفترض أن تكون هي الأساسية، التناحرية، التناقضية الرئيسية: كالصراع مع العدو الصهيوني. وأيضا على حساب صراعات أخرى: كالصراع مع استهدافات عموم المنطقة لافراغها من محتواها التاريخي وسماتها الرئيسية المرتبطة بالتاريخ والحضارة العربية، كالاستهداف الطامح إلى تحويل المنطقة إلى شرق أوسط جديد أو كبير تكون إسرائيل فيه: ليس القوة الرئيسية فحسب وانما المكوّن الأساسي من مكوناتها التاريخية والحضارية، المهيمنة على المنطقة ليس سياسيا فحسب وانما اقتصاديا وتقريرا في الأحداث الجارية فيها. مثل أيضا على الصراعات المفترضة: الصراع ضد الأستهداف الطامح إلى تفتيت الدولة القطرية العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية واثنية، متنازعة فيما بينها ومتحاربة مستقبلا.
العلة والأسباب والخلل لا تكمن في النظام الرسمي العربي، ولا في الجامعة العربية التي هي ممثل يعكس التناقضات والأحوال العربية، فقط، وانما أيضا في الاستجابة الجماهيرية لأن تتمظهر فيها التناقضات المذهبية والطائفية والاثنية، فتراها منغمسة في هذه الصراعات دون أن تتساءل: لا عن أسبابها ولا عن استهدافاتها ولا عما ستؤول إليه، وإلى ماذا ستؤدي بالشعوب وبالأطروحات والأهداف الجماهيرية التي كانت على لسان الفرد العربي حتى عقود قليلة ماضية: كالوحدة العربية، والتكامل العربي، ووحدة المعاناة والمصير المشترك. الصراعات الطائفية والمذهبية المتصاعدة في الوطن العربي وفي لبنان تحديدا: ستؤدي إلى ظواهر سلبية كثيرة: ذكرنا بعضا منها وسنذكر واحدة من أبرزها وأخطرها: تؤدي إلى عمى الألوان في رؤية الحدث. يشبه ابن خلدون في (مقدمته) الدولة التي تريد أن تنبعث بعد ان فقدت أاسباب قوتها بـ (الذبال المشتعل) إذ إنه وعند مقاربة انطفائه يومض قليلا .. بحيث يجري الوهم أنه اشتعل، لكنه في حقيقته انطفأ. نتمنى للبنان العربي أن لا تطفىء نار اشتعاله لا الطوائف ولا المال السياسي .. نتمنى للبنان العروبي الانتصار على هذا المال المكرّس لزعماء طوائفه وأهدافهم المصلحية الخالصة.

كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية