شرق أوسط خال من السلاح النووي ـ إسرائيل الاستثناء

■ في جلسة مجلس الأمن يوم الإثنين 20 حزيران/يوليو الحالي تحدث المندوبون الخمسة عشر بالإضافة إلى إيران وألمانيا وممثل الاتحاد الأوروبي عن أهمية الاتفاق التاريخي الذي توصلت إليه مجموعة الدول الخمسة وألمانيا مع إيران حول كبح برنامج إيران النووي والتحقق من سلميته مرة وإلى الأبد والذي لم يفتأ الإيرانيون يرددون دائما أنه برنامج سلمي أصلا يهدف إلى توليد كميات من الطاقة لبلد يصل عدد سكانه إلى 80 مليونا وفي طريقه إلى نهضة شاملة. الأمر الذي يثير الاستغراب أن المتحدثين جميعا ما عدا إيران تجاهلوا الإشارة إلى برنامج إسرائيل النووي مما يشير إلى أن هناك صمتا مقصودا عن ترسانة إسرائيل النووية ولا أعتقد أن أيا من السفراء الموجودين في قاعة المجلس يجهل حقيقة إمتلاك إسرائيل برنامجا متطورا من تصنيع السلاح النووي، وكأن الدول الغربية المنافقة وحلفاءها من الدول العربية متفقة على تجريد إيران من السلاح النووي وإبقائه في يد إسرائيل فقط دون مراجعة أو محاسبة أو مساءلة.
ومما يثير الغيظ أيضا أن يقف السفير الإسرائيلي، روني بروزر، أمام الصحافيين ويتحدث بكل عنجهية عن خطر إيران التي ستسترد عافيتها الاقتصادية بينما سلطته المارقة تمارس أبشع أنواع الجرائم الإنسانية التي عرفها عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومما قال محذرا من خطورة هذا الاتفاق: «لأول مرة في الذاكرة المعاصرة إسرائيل والعالم العربي يتفقان تماما بأن هذه الصفقة خطيرة على المنطقة وشعوب المنطقة يهودا وعربا ومسيحيين وعلى العالم بأجمعه».
أي نفاق أكثر من هذا وأي عالم تتحكم فيه دولة مثل إسرائيل بحيث تقنع العالم على مطاردة إيران بناء على نوايا مشبوهة بينما يتجاهل إسرائيل بناء على حقائق مثبتة. إسرائيل تقف منفردة مع ثلاث دول أخرى (كوريا الشمالية والهند وباكستان) خارج إتقافية حظر الانتشار النووي بينما إيران ليست فقط عضوا في الاتفاقية بل وفي البرتوكول الاختياري والذي يتيح للمفتشين الدوليين التحقق الدائم من سلمية البرنامج.

إمتلاك أسلحة الدمار الشامل

لقد حاولت ثلاثة أنظمة عربية بالإضافة لإيران إمتلاك أسلحة نوعية استراتيجية لترفع من مستوى قدراتها الردعية لأنها كانت تشعر بأنها مستهدفة من إسرائيل ومنظومة الدول الغربية بكاملها. وللعلم فإن إمتلاك أسلحة الدمار الشامل ممنوع على العرب وإيران حتى لو كان رأس النظام عميلا لصالح وكالة الاستخبارات الأمريكية لأن المطلوب عدم السماح للدولة أو الشعب أو الأجيال المقبلة بامتلاك السلاح النوعي بل وممنوع على الدولة تطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية حتى لا تتمكن في المستقبل من تطوير منظومة دفاعات نوعية. ولا يعتقدن أحد أن تدمير القدرات العلمية والتكنولوجية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل هي شهادة مع النظام أو ضده فليس هذا هو المطلوب. المطلوب فقط أن تبقى إسرائيل وحدها، لا شريك لها، تمتلك أسلحة الدمار الشامل كي لا يفكر أحد، لا الآن ولا في المستقبل أن يشكل قوة ردع حقيقية لها أو توازن رعب معها.
لقد حاولت دول عربية ثلاث امتلاك السلاح النوعي هي العراق وسوريا وليبيا وتم التخلص منها بطريقة أو بأخرى، وهذه هي المحاولة الأخيرة التي قامت بها إيران واصطف العالم ضدها بما فيها دول المنطقة كي ينزع منها إمكانية تطوير برامجها النووية فيما لو قررت ذلك أو شعرت أن أمنها الوطني حقيقة مهدد.
لقد حاول قادة العراق وسوريا وليبيا أن يمتلكوا أسلحة دمار شامل (نووي- كيميائي- بيولوجي) لكن الغرب الذي يعمل تحت امرة الكيان الصهيوني لم يسمح لهم بذلك. وبعد أن تخلص من ترسانات تلك الدول جاء الدور على إيران وها هي تسير في المسار نفسه. قد تكون الشروط غير مذلة مثلما حدث مع العرب لكن النتيجة واحدة. لقد جلبت محاولات إمتلاك أسلحة الدمار الشامل على تلك الدول مصائب كبرى لم تنته آثارها لغاية هذا اليوم.

العراق

بدأ العراق منذ عام 1975 بالتعاون مع فرنسا بتطوير منشأة «أوزيراك» للأبحاث النووية في منطقة التويثة شرق بغداد. لكن إسرائيل، وقبل إكتمالها، مستغلة إنشغال العراق بالصراع مع إيران، قامت بتدميرها في 7 حزيران/يونيو 1981. أما بقية أسلحة العراق الكيميائة والبيولوجية والصواريخ بعيدة المدى فقد تكفل بتدميرها المفتشون الذين دخلوا حتى القصور الرئاسية. ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك بل قامت باحتلال البلاد وإعدام صدام صباح عيد الأضحى كي يتجرع كل عربي شيئا من كأس المذلة. ثم قام الاحتلال بعد ذلك بتفكيك الدولة إلى مكوناتها الطائفية حتى يبقى الصراع الداخلي إلى الأبد.
لقد قامت قوى خفية أيام الاحتلال الأمريكي بإعدام العديد من العلماء العراقيين نذكر منهم المهندسة النووية عقيلة هاشم ومحمد عبد الله الراوي رئيس جامعة بغداد ومجيد حسين علي أستاذ الفيزياء النووية وأستاذ الكيمياء محمد عبد المنعم الأزميرلي، ومحمد حسين علي أستاذ الفيزياء النووية. وقد بلغ عدد العلماء الذي إغتيلوا بين 2003 و 2006 أزيد من 140 عالما كي لا تقوم للعراق قائمة في مجال التكنولوجيا المتطورة في المدى المنظور.

سوريا

بدأت سوريا تطور أسلحة دمار شامل بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. أدرك آنذاك حافظ الأسد أن التفوق النوعي لإسرائيل في مجال الأسلحة النووية لا يمكن أن يجارى فعمل على تطوير منظومة أسلحة كيميائية وبيولوجية كي يصل إلى ما يسمى توازن الرعب مع إسرائيل. ثم قامت القيادة العسكرية السورية في عهد بشار الأسد بالتعاون مع كوريا الشمالية بتطوير منشآت نووية بطريقة سرية في منطقة دير الزور. تكفلت إسرائيل بتدمير المنشآت النووية بطريقة شاملة حيث أغارت على مجمع دير الزور في 6 ايلول/سبتمبر 2007 ثم إستكملت عمليات التدمير فأغارت على مراكز الأبحاث في جمرايا في 30 كانون الثاني/يناير 2013. بعد كل حادث كان النظام يتوعد أن الرد سيكون في الزمان والمكان المناسبين وما زلنا ننتظر. أما الأسلحة الكيميائية فقد قام النظام بتسليمها كليا للمفتشين الدوليين لتدميرها بعد ثبوت إستخدامها في 21 آب/أغسطس 2013 في الغوطة الشرقية مما خلف نحو 1400 قتيل جلهم من المدنيين. وقد إعتمد مجلس الأمن القرار 2118 بتاريخ 29 ايلول/سبتمبر 2013 والقاضي بتدمير وتفكيك وتعطيل كافة الأسلحة الكيميائية والمعامل والمنشآت والمختبرات المتعلقة بهذا السلاح. وقد إنشئت لجنة مشتركة من الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لهذا الغرض وبالفعل تم تدمير كافة الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية حيث كوفئت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بجائزة نوبل للسلام بناء على هذا الإنجاز التاريخي.

ليبيا

أما أسلحة الدمار الشامل الليبية فقد تم تسليمها بهدوء إلى الولايات المتحدة بدون قيد أو شرط بتاريخ 19 كانون الاول/ديسمبر 2003. وقد أشاعت إدارة بوش أن السبب في تنازل معمر القذافي عن الأسلحة والبحوث والمواد الخام هو إستخلاصه للدروس من مصير صدام حسين وقيام الولايات المتحدة بغزو العراق.
لكن الحقيقة أن تدمير الترسانة الليبية هو شرط وضع على القذافي منذ عام 1992 وبعد أن فرض مجلس الأمن عقوبات على ليبيا والشرط ينص على أن العقوبات لا ترفع عن ليبيا إلا بعد أن يسلم كافة برامجه وتدمير كافة المواد المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل ضمن مجموعة كبيرة من الشروط تصل إلى 17 شرطا. وعندما أنجز القذافي تلك الشروط جميعها بما في ذلك الإقرار بالمسؤولية عن إسقاط طائرتي «لوكربي» و»اليو تو» الفرنسية والتعويض على ضحايا الحادثـتين تم إعادة تأهيل النظام مؤقتا إلى أن قامت قوات الناتو بعد ثورات الربيع العربي بتدمير البنى التحتية كاملة في ليبيا وتحويل البلاد إلى مِزَق تحارب بعضها بعضا.

إسرائيل وإيران

في شباط/فبراير 2015 وبعد خمسة عقود من الإدعاء بأن الولايات المتحدة لا تعرف ما إذا كان لدى إسرائيل سلاح نووي، إضطرت الولايات المتحدة أن تنشر تقريرا أعد عام 1987 يؤكد إمتلاك إسرائيل لأسلحة نووية. فقد قام صحافي الإستقصاء المشهور غرانت سميث، وهو يرأس مجموعة الشرق الأوسط للسياسات في معهد البحوث، وتحت مبدأ حرية الإعلام، بإجبار وزارة الدفاع الأمريكية على نشر التقرير تحت مبدأ حرية النشر وتبادل المعلومات. وقد وصف التقرير بالتفصيل برنامج إسرائيل النووي في منشأة ديمونا بالنقب منذ البداية ويؤكد أن إسرائيل كان لديها قنبلتان نوويتان في حرب 1967 وأضعاف هذا الرقم في حرب 1973 وأن إسرائيل إستطاعت في منتصف التسعينيات أن تجمع بين 100 و 200 رأس نووي. كما نشرت جريدة «التايمز» اللندنية صورا للمنشآت النووية ومعلومات دقيقة عن ترسانة إسرائيل التي نشرها مردخاي فعنونو المهندس النووي الإسرائيلي الذي هرب من إسرائيل واختار عام 1986 أن يفضح قدراتها النووية فقامت الموساد بخطفه من أوروبا وإعادته لإسرائيل ليقضي أكثر من 17 عاما في السجن.
أما بالنسبة لبرنامج إيران النووي فقد أعدت 16 وكالة إستخبارات أمريكية عام 2007 تقريرا سريا تم توزيعه على أعضاء الكونغرس المعنيين، يؤكد أن طهران توقفت فعلا عن محاولاتها لتطوير سلاح نووي منذ عام 2003 بعد غزو الولايات المتحدة للعراق. فقد نشرت «لوس أنجلوس تايمز» مقالا مطولا عن التقرير بتاريخ 23 شباط/فبراير 2013 كتبه كين دالنيان، يؤكد أن إيران بدأت بالفعل بتطوير برنامج نووي عسكري لأنها لم تكن تثق بنوايا صدام حسين لكنها ألغت البرنامج وحولته بالكامل إلى برنامج سلمي بعد إحتلال العراق عام 2003 وتأكد القيادة الإيرانية أن صدام إنتهى وأن نظامه لن يعود.
نصل إلى نتيجة واضحة أن الشرق الأوسط الآن أصبح خاليا من أي أسلحة دمار شامل إلا إسرائيل. لقد تم تفكيك أية إمكانية لتطوير أسلحة نووية سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا أو إيران لتبقى الساحة مفتوحة لإسرائيل وحدها وأن التخلص من برنامج إيران النووي يخدم إسرائيل أولا قبل إيران نفسها.
يقول البروفيسور الإسرائيلي إسرائيل شاحاك في كتابه «أسرار مكشوفة- سياسات إسرائيل الخارجية والنووية» (بلوتو برس- لندن 1997) «في حين أن استراتيجيات إسرائيلية إقليمية في توجهها فإن إهتمامها بالفلسطينيين ثانوي.. فهمّ الاستراتيجية الإسرائيلية في نهاية الأمر هو فرض سيطرتها على كامل الشرق الأوسط من خلال إنفرادها بسياستها النووية».
هذا ما حدث. الشيء المثير للاستغراب أن بعض الدول العربية إنطلت عليها اللعبة، بوعي أو بدون وعي، وتحولت إلى جزء من الكومبارس الإسرائيلي الذي يهول الخطر الإيراني من أجل تهميش الخطر الإسرائيلي وتوسيع فرصتها كي تنفرد في سيطرتها الكاملة على الشرق الأوسط.

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية