شتاء 2013 وأنا في متحف محمود درويش في رام الله، أهدتني الكاتبة الفلسطينيّة المرموقة ليانة بدر بعض أعمالها الإبداعيّة والنقديّة. ومنها هذا الكتاب الممتع «تغريدة الشاعر: أثر المكان على الهويّة في أعمال محمود درويش». (و»في» هنا أفضل في أداء المعنى من «على»). لا أحبّ أن ألخّص هذا الكتاب، فقد أغبطه حقّه لو فعلت؛ إذ يحتاج كلّ فصل منه إلى وقفة قد تطول وقد تقصر: أهميّة درويش في الحياة الفلسطينيّة، والعلاقة بين المكان والهويّة، وتحوّلات الهويّة بالتوازي مع المكان عند الشاعر داخل الوطن، وتحوّلات الهويّة بالتوازي مع المكان خارج الوطن. والكتاب محمود نفسه «وقد صار غيابه مثل الأوقيانوس المفقود في حياتنا.. إلى ذكرى حضوره الدائم بيننا».
على أنّي أسوق في ما يأتي بعض ما أثاره فيّ هذا العمل النقدي. ولعلّ أظهر ما استرعاني فيه هذا المنحى في تعاطي النّصّ أو ما يسمّى «التّقبّل الّذاتي» الذي يجعل التعرّف محصورا أو يكاد في شكل التّجربة المقروءة حيث تصدر الكاتبة في قراءة المكان من موقعها الفلسطيني وصداقتها للشاعر، وهذا حقّها؛ وتحكم من ثمّة الصّلة بين القراءتين: قراءة التعرّف وقراءة الألفة، مثلما تصل بين جماليّة المنجز الشعري وجماليّة التّقبّل. والتّقبّل هنا جزء لا يتجزّأ في صناعة المعنى أو إنتاجه. ولكن ماذا عن الغريب الذي لا يعلق بتجربة واقعيّة أو متخيّلة؛ أي ذلك الذي يجري في حيّز الاختلاق الإحاليّ أو اللاّمتصوّر كما هو الشأن عند محمود في «لاعب النرد» وقد تمثّلت بها الكاتبة؟ كيف نتعامل معه، وبأيّة أدوات نحوزه؟ ألا ينفي اللاّمتصوّر ذاته في فعل «تصوّره» أو في فعل «إدراكه»؟ ذلك أنّ القارئ إمّا أن يكون في «المتصوّر» أو خارجه.
قد نعزو تمسّك بعضنا، لا ليانة وحدها، بـ»فلسطينيّة» شعر محمود، إلى حنين ما يشدّنا إلى بداياته «الملتزمة».. إلى «أحمد الزعتر» أو «مديح الظلّ العالي» و»أحبّك أو لا أحبّك» و»المزمور الحادي والخمسين بعد المائة»… أو رغبة في الرّجوع بالكلام إلى مرحلة التّسميات الأولى. والحقّ أنّ الكاتبة عرفت كيف تتحاشى هذا المنزلق؛ أي إقحام وعي جديد في وعي قديم. مردّ الأمر في شعر محمود، منذ «سرير الغريبة»، إلى رؤية للكون قد لا أتردّد في نعتها بـ»الأسطوريّة» أو «السحريّة». أعني تلك التي يصنّفها المعاصرون عادة إلى رؤية قائمة على قانون المشابهة أو المطابقة والرّمزيّة، ورؤيّة قائمة على المجاورة أو الاستبدال الكنائيّ.
وفي هذين الحيّزين، تنهض القصيدة عند محمود وغيره، ببناء نظام لغويّ خاصّ و»تاريخيّ»، ومن مقتضيات البحث أن نقرأها في هذا السّياق، فنأخذ بالحسبان كلّ الوحدات اللّغويّة التي تكوّنها من الصّوت إلى المقطع والمعجم والتّركيب النّحوي والصّورة، لأنّ تحليلها هو تحليل الخطاب قبل كلّ شيء. وهذا جانب لابدّ من مراعاته في قراءة شعر محمود الذي تتحوّل فيه فلسطين إلى ذريعة شعريّة لا أكثر ولا أقلّ (وهي عبارة سمعتها منه عام 1991 في تونس وأنا أعلّق على قصيدته»الهدهد»)، أو هي أشبه بضوء غامض يشعّ في مكان ما من القصيدة. فليست القصيدة شيئا دُونًا نخاطر به ونملي عليه ما ليس منه، عسى أن نظفر فيه بمطلوبنا من الشّعر (استعادة الوعي بالهويّة الفلسطينيّة). فهذا لا يعني أكثر من أنّنا نطلب من شعر محمود أن يرشح بما ليس فيه، ويبوح بما هو سياسيّ لاحق.
المشكل في هذا النّوع من القراءة، وقد تحاشته ليانة بحسّها النقدي المتميّز، أنّ أسطورة الأصل والبدايات وهي لبّ معضلة الهويّة، تؤخذ لدى البعض على أنّها مسلّمة أو حقيقة من حقائق اللّغة. فقد يغفل الشّاعر، وهو ينشئ قصيدته، على أنّ الكلمات علامات ورموز اصطلاحيّة توافقيّة، وقد يفسح المجال لتعبيريّة صوتيّة خاصّة به. ولكن لا في هذا ولا في ذاك تكمن قيمة القصيدة. فالقصيدة لغة حيّة، والكلمات وهي تتجاذب وتتدافع، يمكن أن تغيّر ما يطوف بذهن صاحبها من أخيلة وصور أو هي تقصّر في أدائها، ويأتيه منها ما لا يريده، ويريد منها ما لا يأتيه. وأقدّر أنّ الممكن والمحتمل في شعر محمود، ممّا يؤكّد أنّ اللّغة بما اندسّ في ذاكرتها من تاريخ طويل، وما صار لها من كيان تستقلّ به عن مستعملها، يمكن أن تقول بالشاعر إذ يريد أن يقول بها.
لا أعرف كيف كان محمود يكتب قصيدته، ولكنّي أحدس من شعره، ومن حواراته أنّ لغته ترتبط بالعمليات الذّهنيّة على قدر ارتباطها بالأشياء. وأظنّ أنّ هذه مزيّته. وعلى حبّي لتجربة سعدي يوسف ـــ وهي تجربة لها أثر في شعر محمود في مرحلة ما ــــ فأنا أقول كلّما سُئِلْتُ عن الفروق بين الشاعرين: شعريّة سعدي هي شعريّة الأشياء، والقدرة الفائقة على ملامستها باللغة، في حين يضيف محمود إلى الأشياء هذا البعد الذهني أو الميتافيزيقي؛ وكأنّه يكتب تحت وطأة حسّ فقدانها. ولذلك نقف في «سرير الغريبة» و»كزهر اللوز أو أبعد» و»أثر الفراشة» و»لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»… على الشّاعر فِي محمود منذ «سرير الغريبة» وربّما «الهدهد» وليس الفلسطيني في محمود؛ هو المستبصر المتأمّل في هويّة نصّه أكثر من هويّته الفلسطينيّة.
يقول محمود:»أقدّم أحيانا كشاعر قضيّة، وأنا أقوم بقراءة شعر مخالف لهذه الصورة». (جريدة الأخبار، 28 نيسان 2007). وهذه أمارة على التّجربة الكتابيّة عنده. بل لأقل دون لبس أمارة على تحرّره من سطوة فلسطين. ولو كانت لنا فسحة، لبيّنّا كيف تحوّل محمود في مجاميعه الأخيرة، إلى أحد أبرز الذين لا يقدّمون «الإبستيمولوجيا» على «الأنطولوجيا»، ولا هذه على تلك في الشّعريّة العربيّة، وإنّما يجمع بينهما. وهذا ممّا يفسّر في نظري، سرّ إعجابه بالمتنبّي وتفضيله على أبي تمّام. وشعر أبي تمّام ينطوي على «نظريّة» في المعرفة والخيال عاش الشّعر العربي في كنفها قرونا طوالا. ومن هذا الجانب افتقد فيه أنصار القديم، ذلك الإحساس بالأشياء الذي ميّز الشّعر الجاهليّ القائم على «تأسيس الكون بتسميته وتسمية مكوّناته». وهو ما عرف المتنبّي كيف يتحاشاه، لأسباب يطول الخوض فيها.
بيد أنّ من دواعي الإنصاف أن نشير إلى أنّ شعريّة محمود هي من «غرابة» لغته المألوفة. أي في هذا «الضديد» [الأوكسيمور]. واللّغة المألوفة – وهو ما لا نتنبّه إليه عادة – كثيرا ما تجعل الأشياء الطّبيعيّة بل الطّبيعة الإنسانيّة نفسها، غاية في الغموض. والألفة تذهب بالأشياء أو هي لا تجلوها في كونها الخاصّ. وما نتلقّاه من العالم وأشيائه ينقلب، بحكم العادة والألفة إلى نماذج تُحتذى ورواسم لا نصغي لها. والغرابة عند محمود تكمن في جعل المألوف كما لو أنّه غير مألوف، الأمر الذي يغري بالقول إنّ اللّغة عنده تنزع عن الأشياء شريط الألفة والعادة، أو هي تضفي عليها ما يشبه سحر الجدّة والطّرافة.
ومحمود شاعر ملحمي وبخاصّة في قصائده الطوال، وغنائيّ ولكن بمقدار. وثمّة جذر رومانسيّ ظلّ ينبض في شعره. ونعرف أنّ الرّومانسيّين هم الذين أعلوا من شأن الخيال؛ لاعتقادهم أنّ الخيال هو شكل الفنّ الذي يجعل الأشياء المألوفة كما لو أنّها غير مألوفة. والحقّ أنّ هذه الرّؤية الرّومانسيّة لا تزال تخلب ألباب كثير أو قليل من الشّعراء في العصر الحديث، وهم يحاولون حلما عصيّ المنال أي كتابة قصيدة الكون «التّواجديّة»، القصيدة التي لا تصوّر الشّيء أو تشهد له فحسب؛ وإنّما تتوق إلى أن تكون الشّيء نفسه الذي تستدعيه أو تستلهمه.
أدرك أنّ كلّ هذا يحتاج إلى الاستئناس بشواهد دقيقة من شعر محمود، عسى أن نتبيّن نسبة اطّراد الأسماء في خواتِيم الجمل عنده، أي تلك الدالة على الاسميّة، ونسبة الأفعال الدالّة على الحدثيّة، وما إذا كان مردّ هذه «الغنائيّة» إليها أم إلى الإنشاد وما يقتضيه من ضرورة النّبر في آخر البيت على «ذروة المعنى»؛ ومن شأن الاسم أن يعزّز هذا النّبر كلّما وقع على كلمة بأكملها. ومحمود شاعر مخلص للتقفية – وإنْ بأسلوبه الخاصّ – وليس مثل سعدي الذي تحرّر من سطوة القافية.
إنّ نصّ محمود شأنه شأن النصوص الكبرى مادّة للتّأويل، ومن مقتضيات الموضوعيّة أن نحاول فهمه، من داخله نفسه وحسب منطقه الذّاتي؛ فقد يتسنّى لنا على هذا الأساس أن نصيب من النّص بعض معناه الكلّي أو معناه «الحدث» الذي يتولّد من خلال ما نحمله إلى النّصّ وما يحمله النّصّ إلينا. وأظنّ أنّ هذا ما سعت إليه ليانة بدر، وهي تقودنا بتؤدة إلى جغرافيا القصيدة عند محمود.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي