منذ ما لا يقل عن عشرة قرون، ضيع العربي والمسلم زمام المبادرة الحضارية وأصبح تابعا وممزقا داخليا يستجدي الآخر لحل معضلاته، وهو يعرف سلفا أن هذا الآخر غير حيادي في علاقاته وتاريخه ليدخل هذا النوع من الفكر المنادي بضرورة الأمن الثقافي تحصينا للأنا المرتبكة والحائرة، في تناقض هيكلي وبنيوي من منطق أعادي الغربي وأريده في الوقت نفسه لأن عجزي يربطني به. هم من يبنون لنا الجسور والناطحات وحتى المساجد وأماكن العبادة؟ عن أي آخر نتحدث؟ الآخر الاستعماري الذي احتل الوطن العربي زمنا وما يزال مترسخا فيه ماديا وثقافيا، أم الآخر التاريخي الذي نتقاسم معه الحاجات المادية والثقافية، ويعترف بقدراتنا وعقلنا؟
لا يمنع هذا كله من أن يكون جوهر المساءلة صحيحا ومشروعا: في ظل غزو ثقافي وفكري كبير من خلال الوسائط الحديثة التي يتحكم فيها الآخر، كيف نستفيد لأننا لسنا خارج العالم وتحولاته، ولكن أيضا كيف نحمي أنفسنا والأجيال القادمة من الانزلاقات الخطيرة المحدقة بها التي يمكنها أن تصنع ناسا مشلولين على الأمد المتوسط أو البعيد، وجيلا بلا هوية ولا هدف معينين. ما يحدث اليوم هو ما سيكون غدا ممثلا في عقليات أناس سيأخذون على عواتقهم تسيير بلدانهم والسير بها نحو آفاق أفضل وأجمل. السؤال في النهاية يتعلق بالرهانات المستقبلية ومن هنا يمتلك مشروعيته. لكن هذه المشروعية لا تمنعنا من ترتيب السؤال وفق الحاجة التاريخية ووفق خيارات التطور والخروج من دائرة التبعية: نعم، الأمن الثقافي حاجة ماسة وضرورية وفي هذا يشترك الإسلامي والعقلاني والعلماني والعبثي بالمعني الفلسفي والفوضوي، لكن المشكلة هي، أي أمن ثقافي نريد؟
في ظل التحولات الدولية المتسارعة والمخاطر المحدقة بالعالم العربي كيانا وحضورا ثقافيا، يُطرح الأمن الثقافي كضرورة تاريخية للاستمرار، وحاجة حضارية تضمن الارتباط بالعالم والاستمرار والانخراط فيه بدون خسران العلاقة الضرورية معه لأنّ الأمم لا يمكنها أن تعيش في عزلة. العزلة ببساطة هي رديف للموت. لهذا، فنحن أمام مفهومين للأمن الثقافي، متناقضين من حيث الجوهر خيار أول ويؤسس استراتيجيته على الانخراط في المستقبل والانتساب أولا وأخيرا إلى الحاضر بكل صعوباته، حتى ولو في سياق اليوتوبيا والتعقيدات الكثيرة، وخيار ثان ماضوي في جوهره، يؤدي في المحصلة إلى التقهقر والموت في ظل وضع عربي مهيأ لانهيارت متزايدة، يرى في الآخر غازيا دائما، مستعيدا الحروب والغزوات التي مر عليها زمن كالحروب الصليبية والاستعمارات المتتالية وكأن البشرية لم تقطع خطوة واحدة في تحركها نحو المستقبل ونحو خير الإنسانية والتقليل مما يمكن أن يدمرها في ظل الترسانات التي أسستها الدول العظمى في الحرب الباردة والحروب اللاحقة والسابقة، وبالتالي لم يعد من خيار للبشرية إلا الوفاق والاتفاق على ما يضمن مصلحة الجميع إذ لم يعد منطق الدولة الواحدة المتسيدة على كل شيء هو المآل، حتى في ظل القطبية الأحادية، لأن القطبية الأحادية مهما بدت مكتفية شكليا، فهي مضطرة لأخذ مصالح الآخرين أيضا بعين الاعتبار.
التوافق الإيديولوجي بين ألمانيا وبقية الدول الأوروبية في معاداة الدب الروسي في الحرب العالمية الثانية لم يمنع ألمانيا من أن تتحالف مع الاتحاد السوفياتي لتدمير بقية أوروبا، ولم تمنع أوربا المتوافقة من أن تدخل في حرب تدميرية ضد بعضها البعض، من جهة فرنسا وبريطانيا قبل أن تلتحق بهما أمريكا وغيرها من الدول، ومن جهة أخرى ألمانيا وإيطاليا واليابان وغيرها. لم ينفع الانتماء للرقعة الأوروبية نفسها من التدمير الذاتي.
اليوم بدأت فكرة القطبية الأحادية تتفكك في ظل نشوء القطب الصيني والروسي حيث المصالح ومنابع الطاقة هي سيدة كل شيء. من هنا يأتي الخيار الأول في الأمن الثقافي ليس فقط كحاجة ولكن أيضا كضرورة تاريخية تمنع الوطن العربي من الانغلاق على نفسه والتفكك داخل اليوتوبيات الدينية والماضوية الوهمية والعداوات التي لا تدفع بالوطن العربي إلا إلى المزيد من الانغلاق على نفسه وإعادة إنتاج تخلفه.
الوطن العربي في ظل قسوة ما يعيشه اليوم، يحتاج بالضرورة إلى مقاومة هذا التآكل بالتفتح الضروري والعقلاني. أسئلة ورهانات كثيرة عليه أن يجيب عنها في ظل إشكالية الأمن الثقافي. كيف يحارب مثلا الإعلام المغرض الذي يذل صورة العربي يوميا في وسائل الاتصال الحديثة والسينما والتلفيزيون؟. صورة العربي اليوم تختزل في الإرهابي أو في الشخصية الدينية المتزمتة التي تقع خارج الزمن وخارج التاريخ. نعرف جيدا أن هذه الصورة جاهزة ونمطية ولا قيمة لها بالنسبة للعربي، لكن المشكلة هي أنها تصنع اليوم جزءا مهما من المخيال العام عند الغربي وعند العربي نفسه، مشككة في قدراته. الأمن الثقافي يمنح فرصة ليس الانغلاق ولكن إنتاج صورة بديلة. قبل فترة ليست بالبعيدة كانت صورة الصيني مضحكة ومحل سخرية، بالنسبة للمخيال الغربي، وصورة التركي أيام حروب القرن التاسع عشر والقرن العشرين لم تكن أفضل. ماذا بقي من هذه الصور اليوم؟. صورة التركي بدأت تتغير بقوة باتجاه ما هو إيجابي منذ إصلاحات مصطفي أتاتورك. صورة الصيني أصبحت رديفا للنشاط الاقتصادي الجديد وحيويتها محل اهتمام متزايد بما في ذلك تعلم لغته، بينما اللغة العربية بدأت تتقهقر في كل بلدان العالم بما في ذلك البلدان العربية. حتى في بلدانها الأصلية لتحل محلها الفرنسية أو الإنجليزية. إلى اليوم ما تزال صورة العربي النمطية ثابتة، بل وتدهورت أكثر فأكثر. قد يكون للاستعمارات دور كبير في هذه الصورة. وقد يكون للحركة الصهيونية دور مهم أيضا في تثبيت هذه الصورة في ظل هيمنتها على وسائل الاتصال والإعلام. ولكن للعربي مسؤوليته الكبيرة في علاقته بنفسه. فقد جعل من الدين حالة مرضية بدل الحالة الروحية المنتجة للسلام والمعرفة. حلت محل العلاقة الحيوية مع العصر، حالة مستعصية لا تقود إلا إلى المزيد من التثبت والذهاب عميقا نحو ماض لا فاعلية فيه، وكأن البشرية طوال العشرين قرنا الأخيرة ظلت في مكانها ولم تتحرك أبدا. كيف نتحدث عن الأمن الثقافي ونعيد الجهل والانغلاق؟ يجب أن نفرق بين أمن ثقافي يجبرنا على الرهان على الإنتاج الفعلي للمعرفة واللحاق ببقية البشرية والمساهمة في الجهد الإنساني، وأمن ثقافي ليس إلا الصورة المتكررة لموت حقيقي، يرتسم في أفق تاريخ وهمي نصنعه بأيدينا، وهو بالضبط ما يريده لنا من يعملون على جعل الوطن العربي مركزا لطاقة يستفيد منها الغير، والعمل في الوقت نفسه على إغراقه في الحروب والتخلف وربيع فكك البلدان بدل أن يهزم الأنظمة الدكتاتورية التي ظلت اليد الحليفة للغرب الاستعماري. هناك بالفعل شيء غير طبيعي لا يمكن تقبله بسهولة، أمة من أغنى الأمم، تمتلك بين أيديها العصب الحقيقي لكل الحياة المعاصرة: المصدر الأساسي للطاقة، النفط والغاز، وهي من أكثر بلدان العالم تخلفا. التخلف هنا ليس في المظاهر المادية فالبذخ الكبير المتجلي خارجيا، في الكثير من البلدان العربية صارخ جدا، ولكن التخلف في النظم والتسيير والخوف من الارتباط بآلية العصر والقبول برهاناته الكبرى وبمكاسبه أيضا سياسيا واجتماعيا وثقافيا، والخروج من دوائر الانغلاق الخانقة لكل المبادرات الحية.
واسيني الأعرج