الأصل في البرامج التلفزيونية أنها تستقبل ضيوفاً، وللضيف في عرف العرب والعجم حقوقاً، لكن بعض هذه البرامج تنصب للضيوف كمائن، ويكون الهدف هو استدعاؤهم للتشهير بهم، وذلك من أجل إحداث ‘ فرقعة’ تنتج عنها شهرة المذيع، في ظل زحام في الفضائيات،لا يمكن كثيرين من الشهرة إلا عن طريق الإثارة واختراع ما هو غير مألوف، وقد عرفنا ‘مذيعة الكفن’، التي فاجأت المشاهدين بإخراج كفن، وأعلنت استعدادها ‘الفطري’ لأن تقتل على يد الإخوان المسلمين!
‘المذيعة الرحالة’ ريهام سعيد، المتنقلة إلى حيث يوجد العُشب والماء، ومن تلفزيون الريادة الإعلامية، إلى قناة المحور، إلى أن استقر بها المطاف مؤقتاً في قناة النهار، استضافت في برنامجها ‘صبايا الخير’ الشيخ يوسف البدري، الداعية المعروف، وهو برنامج لا نعرف مدلول اسمه، ولا يوجد مما يبث فيه ما يجعلنا نقف على معنى هذا الاسم، إلا إذا كانت المذكورة تقصد بذلك نفسها باعتبارها ‘صبية’، وهذا ولا شك يدفعنا للسؤال عن صيغة الجمع هنا، فهي ‘صبية’ وليست ‘صبايا’، لكن مقدمات البرامج في بلادنا لديهم حرية غير مسبوقة في اختيار الأسماء لبرامجهن، وان كانت لا تحمل دلالة معينة، فبرنامج آخر تقدمه ثلاث سيدات من ذوات الوزن الثقيل اسمه: ‘الستات ما يعرفوش يكذبوا’، وتبحث عن مدلول الاسم وأنت تشاهده فلا تجد على النار هدى، وربما الاسم المناسب له هو ‘رغي ستات’!
لا بأس، فهنا ‘صبايا’ وهناك ‘ستات’، وعليه ما دامت أسماء البرامج لا تمثل إطاراً حاكماً، فلا مانع عندي من أن تختار إحداهن اسماً لبرنامجها وليكن ‘السبعات’ على وزن ‘الستات’!
معرفتي بالشيخ يوسف البدري قديمة، ومنذ أن انضم إلى حزب ‘الأحرار’ بعد أن كان ممن يحرمون الحزبية، وخوضه لانتخابات مجلس الشعب في سنة 1987 بعد ان كان المجلس التشريعي هو صرح الشرك الأكبر لأنه يشرع في حين أن الله هو المشرع، وقد نجح في أن يسقط وزيراً هو جمال السيد وزير الإنتاج الحربي حينئذ، وجاء أداؤه في المجلس دالاً على شخصيته القلقة والمرتبكة، ففجأة وهو المعارض يذهب إلى القصر الجمهوري مع وفد من المجلس برئاسة الراحل رفعت المحجوب رئيس البرلمان، وهناك أعلن مبايعته لمبارك على الإمامة العظمى، ثم كان الأداء في المجمل فكاهياً!
ولي في الرجل رأي سلبي قديم، وقد حدث أن حُرق سياسياً، ولم يعد في الصدارة بظهور الدعاة الجدد ومن الشيخ عمر عبد الكافي، إلى عمرو خالد، وانزوى تماماً بظهور عدد من الشيوخ السلفيين بعد الثورة فتمددوا في المشهد، وتحولوا إلى نجوم، وكان البدري لفترة معينة قادراً بحضوره على ان يساهم في نجاح أي برنامج ميت، ولو كانت مقدمته مفيدة شيحة مثلاً، التي تشعر أن المجرى الملاحي لصوتها المار عبر حنجرتها تعتريه بعد المطبات، الشبيهة بالمطبات الهوائية. فهو صاحب أراء مثيرة يدافع عنها بجسارة، وبصوت مرتفع، وكأنه يعوض تأدية خطبة الجمعة التي حرم منها لسنوات، ولا اعرف هل عاد إلى منبره بعد الثورة مثل كل الدعاة الممنوعين بقرارات أمنية، أم أنه يرفض ذلك انصياعاً لولي الأمر، فهو من الجناح السلفي الذي يحرم الخروج على الحاكم!
الحنجرة القوية
كانت حنجرة البدري القوية، تمكنه من التغلب على مناظره، وكان عنيفاً في المواجهة، فقد كان يساعد من استضافوه في ‘التسخين’ والإثارة، وذات مرة احتد على الدكتورة نوال السعداوي في أحد البرامج التلفزيونية، فقالت له ما معناه التزم بأدب الحوار، فقال لها: ما جئت إلى هنا إلا لكي أعلمك أدب الحوار.
وقد شاهدته مؤخرا على الشاشة،ً وقد دبت فيه الشيخوخة فلم يعد قادراً على حسم المعارك الفضائية لصالحه بحنجرته، ودهشت عندما رأيته في برنامج ‘صبايا الخير’، ذلك بأنه لم يعد ظهوره لافتاً كما كان عليه الحال قبل الثورة في ظل عملية الشح، فقد ظهر كثيرون من السلفيين، صاروا نجوماً وانزوت ظاهرة الشيخ يوسف البدري، التي تبلورت مع الفراغ والقحط الذي كانت تعاني منه الساحة المصرية قبل الثورة، فقد ظهر برهامي، وعبد الله بدر، وأبو إسلام، وأم سلام، ومحمد حسين يعقوب، ومحمد حسان، وبكار، و’اخونا في الله’ صاحب العبارة التاريخية: ‘هاتوا لي رجل’، الذي أنساني الشيطان، وربما الزهايمر، اسمه!
بعد قليل علمت السبب في هذه الاستضافة التي كانت بلا معنى، فقد كانت بمثابة ‘كمين’، يستهدف التشهير بالرجل، ليتحقق المراد، لكي تلفت المذيعة الانتباه إليها، والى دورها الوطني في التصدي لتجار الدين. وبالفعل فلم تكد تنتهي الحلقة حتى فوجئنا بالترويج للقطة احتدام الخلاف بين المذيعة والضيف، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مقرونة بالإعجاب من كثيرين، والإشادة بموقف المذيعة الباسلة التي تصدت لتجار الدين، مع أن المسألة وما فيها لا يمكن أن تحكم إلا في إطار أن مستضيفة أهانت ضيفها!
تعمد الاهانة كان واضحاً لكل المشاهدين، إذ استدعت ريهام سعيد واقعة عمرها ثلاث سنوات، هي الخاصة بقيام الشيخ بما يسمي بالرقية الشرعية لإحدى الصحافيات الشابات، وتبين أن هذا كله كان في إطار مغامرة صحافية، وان زميلة لها تقوم بتصوير المشهد، وسعى البدري للحصول منها على ما تم الاتفاق عليه من أموال نظير ذلك، وكان موضوعاً ساخناً تلقفته الفضائيات لفترة طويلة في زمن الفراغ، وهدد صاحبنا باللجوء للقضاء، ولم أتابع الأمر، لكن لا أنكر عليه قدرته الانتصار على وسائل الإعلام التي تهاجمه، فخاض معارك كثيرة ضد صحافيين حسمها لصالحه، وحصل أكثر من مرة على أحكام قضائية بالتعويض أصر على استلامها على ‘داير مليم’.
ذات مرة حصل على تعويض من الكاتب احمد عبد المعطي حجازي لأنه كتب يهاجمه في ‘الأهرام’، ولما لم يتمكن من الحصول على التعويض، قام بالحجز على أثاث منزله، وسعي لبيعه في ‘المزاد’، وهب خصوم الشيخ يهاجمونه ويتهمونه بأنه من طيور الظلام، لكنه لم يبال، وتدخلت لديه فقال لي إن حجازي اتهمه بالجنون، ووصفه بأوصاف غير لائقة.. فماذا فعل وهو المجني عليه، لم يضربه بسكين ليقال عنه انه إرهابي، ولكن لجأ إلى القضاء، وشعرت أن الجدل معه لن يفضي إلى نتيجة، وأنهيت المكالمة، بعد أن أعاد تذكيري بما قاله لي قديماً بأنه يتابع كتاباتي ويجدني أمارس علمانيتي على سجادة صلاة، وبحسب قوله إن شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود قال للدكتور مصطفي محمود في مرحلة إلحاده: ‘يا بني أنت تلحد على سجادة صلاة’.. أي انه يمارس الإلحاد وهو مؤمن!
العلمانية
الشيخ تعرف حديثاً على اصطلاح ‘العلمانية’ وصار غير الإسلاميين عنده هم علمانيون، وكان أول اصطدام له به، عندما كنت في زيارته بمنزله منذ ربع قرن، إذ سأل عن معني علماني؟، وأخبره زميل من تلاميذ الشيخ صلاح أبو إسماعيل ‘والد حازم’ ضاحكاً: ‘إن العلمانيين يقضون حاجتهم وقوفاً’.. ولهذه قصة رويتها في مكان آخر!
استضافة البدري في برنامج تلفزيوني والرجل أفل نجمه بدا لي أمراً لافتاً، وبعد قليل إذا بالمذيعة سالفة الذكر تكشف المستور باستدعاء واقعة الرقية الشرعية عندما ألقت عليه سؤالاً وقفت على المستهدف منه وهو: هل يجوز وضع اليد على رأس المرأة عند رقيتها؟!
واحتد الشيخ لأنه فهم ما تمهد له، وإذا بالمذيعة تسحب طرحة وضعتها على رأسها، وعندما طلب منها أن تعيدها قالت: حجاب؟!.. الحجاب في القلب.. وهل هذا حجاب؟.. أي حجاب هذا الذي يظهر شعري من تحته؟!
وقد صفق لها الجمهور عبر ‘الفيس بوك’ فقد تصدت لتجار الدين، وكانت شجاعة وهي تكشف شعرها الناعم.
المعنى أن الرجل طلب منها أن تضع ‘طرحة’ على رأسها وأنها وافقت، وكانت النية مبيتة للاستجابة له واستدراجه حتى يوافق على الظهور، وبعدها يحدث ما يحدث فتهتف الجماهير للمذيعة التي تقف على ثغرة من ثغور الوطنية وتكشف تجار الدين، استغلالاً لحالة الاستقطاب السياسي التي تعيشها مصر الآن.
وموافقة المذكورة على وضع الطرحة، مع إيمانها بأن الحجاب في القلب، وان الطالب فيه ما فيه، هو أمر ينتقص من شجاعتها، لكن الذين هتفوا باسمها في الفضاء الافتراضي تعاملوا وفق قاعدة: ‘حبيبك يبلع لك الزلط.. وعدوك يتمني لك الغلط’
المثير للدهشة أن يصبح ما يتقاضاه الضيف مقابل ظهوره في برنامج تلفزيوني أداة للتجريس، فذكرت المذكور ة أكثر من مرة بدون مناسبة، أنه ‘أي الشيخ’ حصل على ألف جنيه. وكأنه حصل عليها كرشوة مقابل أداء دور، أو ليقبل ما ستفعله به سيادتها!
إن مصر بحاجة إلى جهاز رقابي مستقل لمواجهة هذا الانفلات الإعلامي غير المسبوق، وهذا الخروج الفج على قيم المهنة، لمواجهة ‘ردح الحواري’ الذي انتقل إلى شاشات التلفاز.
لغير المصريين الذين لا يعرفون معني مصطلح ‘ردح الحواري’، شاهدوا فيلم ‘خالتي فرنسا’.
أرض جو
يحاول أسامة كمال على قناة ‘القاهرة والناس’ أن يكون مثلهم.. فجاء من مدرسة الانضباط الإعلامي، محاولاً الانخراط في ظاهرة ‘إعلام التوجيه المدرسي’.. حيث يتعامل المذيع على طريقة السيد ناظر المدرسة، وهو يلقي توجيهاته في كلمة الصباح بالإذاعة المدرسية.
توقف برنامج حافظ المرازي لمرضه، في نفس اللحظة التي توقف فيها برنامج يسري فودة بعد تعرضه لحادث سير، ولا تزال لميس الحديدي ‘حية تسعي’.. ليس الموت فقط هو الذي يجتبي ويختار، فالمرض أيضاً.
في مقابلته مع خديجة بن قنة، بشرنا الدكتور محمد مرسي بأن التغيير الوزاري ‘خلال ساعات’، ومرت أيام ولم يعلن هذا التشكيل، على نحو دال على صدق القول الدارج ‘يوم الحكومة بسنة’.
حظوظ: ناس تحاورهم خديجة بن قنة.. وناس تحاورهم ضحى الزهيري.. سأخوض الانتخابات الرئاسية القادمة إن شاء الله.
بدأت أشعر بالغربة عندما اذهب إلى ‘الجزيرة’، أجيال دخلت من وراء ظهري.. أنا من جيل جميل عازر، وما دام اغتراب باغتراب، فمشاهدة روتانا أفلام أفضل!
إذا أردت نموذجاً على الإدارة الاحترافية لبرنامج يستضيف رأيين مختلفين.. فشاهد ‘ساعة حرة’ وحسين جرادي.
بكى ضابط ملتح على قناة ‘الرحمة’ لأن الدكتور مرسي ظلمهم، فهم موقوفون عن العمل منذ سنة، لأنهم أطلقوا لحاهم بالمخالفة للوائح. وقال إن تهمتنا هي التمسك بالهدي النبوي.. كأن الهدي النبوي نزل به الوحي في العامين الماضيين فقط، عندما أثيرت قضية الضباط الملتحين!
صحافي من مصر
[email protected]