القاهرة ـ «القدس العربي»: واصلت الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد الاهتمام، بما سبق وركزت عليه قبل هذين اليومين، باقتراب موعد الافتتاح الرسمي لمشروع قناة السويس الجديدة، يوم الخميس المقبل. والاستعدادات الأمنية الهائلة للحفاظ على أمن الاحتفال والمدعوين، حتى يخرج الاحتفال في صورة مشرفة، لدرجة أن الرئيس السيسي ترأس اجتماعا في مجلس الدفاع الوطني لمناقشة هذه الترتيبات، بالإضافة لقضايا أخرى.
كما تتم الاستعدادات للبدء في تنفيذ سلسلة من المشروعات القومية شرق محافظة بورسعيد، أي داخل سيناء، تتضمن ميناء جديدا وسلسلة من المشاريع الضخمة، بعد أن سبق للحكومة أيام مبارك أن منحت بورسعيد مساحة إضافية في سيناء، بعد بور فؤاد، حتى تمكنها من أن يكون لها ظهير كبير، بسبب ما تعانيه من ضيق من ناحية الغرب بالتماس مع دمياط، ومن الجنوب بالتماس مع الإسماعيلية. والملاحظ أن معظم هذه المشروعات ستقوم بها القوات المسلحة والقطاع العام ومشاركة المستثمرين في بعضها، وهدفها امتصاص العمالة التي ستنتهي الاستعانة بها بعد انتهاء العمل في القناة الجديدة.
وبعد انتهاء الاحتفالات يوم الخميس سيتم تحويل معظم الاهتمام باتجاه انتخابات مجلس النواب الجديد، بعد موافقة الرئيس على التعديلات الجديدة للقانون، وسيكون عدد الأعضاء للدوائر الفردية أربعمئة وثمانية وأربعين مقعدا ولقوائم الأربعة على مستوى الجمهورية مئة وعشرين، بالإضافة إلى خمسة في المئة يختارهم رئيس الجمهورية.
ومن الأخبار التي اهتمت بها الصحف أيضا، تعمد مصر والسعودية الرد على إشاعات توتر العلاقات بينهما، بدعوة السيسي وزير الدفاع ووزير الخارجية السعوديين لحضور حفل تخريج دفعات جديدة من طلبة الكليات الحربية، للتأكيد على متانة العلاقات بين البلدين، ومساندة مصر لأشقائها في الخليج العربي، وزيادة التعاون بين البلدين، أي لم يتم الاكتفاء بالزيارة التي قام قبلها مع وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان وعادل الجبير وزير الخارجية. ولم تعد التحقيقات في قضايا الإرهاب وغرق المركب في نهر النيل بالوراق، وحريق مصنع الأثاث في مدينة العبور، تثير الاهتمام، لدرجة أن الناس اعتبروها مسألة عادية. وهو ما اخبرنا به أمس في «الوطن» زميلنا الرسام إسلام، فقد قال إنه كان في أحد المكاتب الحكومية، فشاهد شابا بائسا والمسؤول يعرض عليه الآتي: – المنيو بتاعنا هايل، تحب تغرق على مركب في النيل ولا تتحرق في مصنع ولا تموت ع الدائري ولا فطيس وأنت بتحاول تهاجر غير شرعي.
أما اهتمامات الأغلبية، فكانت عن المرحلة الثانية للقبول في الجامعات وجهود وزارة الصحة في صرف علاج فيروس الكبد الوبائي، وتسليم الوحدات السكنية الجديدة، والسعادة بنجاح وزارة الكهرباء في مواجهة موجة الحر الجديدة، واحتفالات نادي الزمالك بالحصول على بطولة الدوري، وتأييد ما تقوم به الحكومة من إخلاء الشوارع والميادين الرئيسية في المدن من الإشغالات والباعة الجائلين وإعادة الانضباط إليها.
وإلى قليل من كثير لدينا….
الثقافة سلاحنا
هيمنت قناة السويس من مدة ولا تزال على اهتمامات الصحف، من أخبار وتعليقات وتحقيقات، بسبب المشروع الجديد وآثاره وشرحه، وكذلك تاريخ حفر قناة السويس الذي بدأته شركة قناة السويس عام 1859، في عهد الخديوي إسماعيل، وما حدث بعدها من استيلاء بريطانيا وفرنسا على معظم أسهم الشركة، وغرق مصر في الديون وفرض الوصاية المالية عليها، وعزل إسماعيل وتولية ابنه توفيق مكانه، ثم ثورة عرابي عليه، وتدخل الإنكليز لمساندته، واحتلال مصر عام 1882. وتخلل ذلك كله استعادة البعض للخصومات السياسية مع ثورة يوليو/تموز وقائدها، بالإضافة إلى تطوع البعض بتقديم اقتراحات للرئيس السيسي ليعمل بها في الاحتفالات بافتتاح التطوير الجديد للقناة يوم الخميس المقبل حتى تكتمل الفرحة ويعم السرور والحبور العباد والبلاد والعباد.
وكان أولهم زميلنا وصديقنا الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، الذي قال للرئيس يوم الأربعاء في «الأهرام»: «لو كان لي أن اقترح على الرئيس السيسي عملا يتبناه ويعلن عنه في خطابه الذي سيلقيه يوم افتتاح قناة السويس الجديدة، لاقترحت عليه إعادة بناء دار الأوبرا التي بناها الخديوي إسماعيل، لتشارك في الاحتفال بافتتاح القناة الأم، وقد شاركت الأوبرا في هذا الاحتفال ولعبت دورها المشهود في الثقافة المصرية الحديثة، ثم تعرضت منذ خمسة وأربعين عاما لحريق دمرها، بما كان فيها من كنوز فنية وذخائر تاريخية لا تعوض، وانتهي أمرها إلى أن صارت حظيرة للسيارات، فإذا كنا الآن نحن والعالم كله في حرب طاحنة مع هذه الجماعات المتوحشة، فالثقافة سلاح من أمضى أسلحتنا، وإعادة بناء دار الأوبرا ليست مجرد عمل ثقافي وإنما هي عمل من أعمال الدفاع عن الأمن القومي، وكما أن القناة ليست إلا ممرا مائيا فدار الأوبرا ليست إلا مسرحا يمكن أن يغني عنه أي مسرح آخر، وهذا ما صنعناه حين قررنا أن نعتبر المسرح الذي بناه لنا اليابانيون في أرض المعارض دارا للأوبرا، مع أنه بني لتقدم فيه الفنون التراثية التي لا يحتاج عرضها لما تحتاج إليه في دار الأوبرا. قناة السويس إذن ليست بعيدة عن الأوبرا، والأوبرا ليست بعيدة عن البرلمان، ونحن في أمس الحاجة للقناة وللأوبرا وللبرلمان، لأننا في أمس الحاجة لنهضة شاملة نستأنف بها ما بدأناه ولم نكمله، وهذا ما أتمنى أن يحدثنا عنه الرئيس السيسي في خطابه المنتظر».
ميلاد ممر مائي جديد
وهكذا على الرئيس أن يدعو مجلس الدفاع الوطني ليناقش قضية هدم جراج الأوبرا في العتبة، الذي أقيم مكان الأوبرا القديمة، ويعيد بناءها ما دام الأمر يتعلق بالأمن القومي للبلاد، أو يصدر مجلس النواب المقبل بعد انتخابه آخر السنة قرارا بذلك. أما الأوبرا الحالية في شارع التحرير، التي بناها اليابانيون لنا على أرض المعارض القديمة في الجزيرة بين كوبري قصر النيل والجلاء، فيمكن هدمها وتحويلها إلى حظيرة للسيارات أو الماشية أيهما أفيد، ما دام حجازي قد اختار كلمة حظيرة بدلا من جراج، للإعراب عن تحقيره لجراج العتبة. والذي لا يعرفه حجازي أنه كان هناك أيام مبارك وتولي فاروق حسني وزارة الثقافة، مشروع تمت مناقشته علنا في تطوير القاهرة الفاطمية يتضمن هدم جراج الأوبرا وكوبري الأزهر أيضا، حتى يمكن رؤية قاهرة المعز من ميدان الأوبرا، وذلك بعد إتمام مشروع نفق الأزهر، الذي يبدأ من ميدان الأوبرا وينتهي في شارع صلاح سالم أمام مبنى مشيخة الأزهر ودار الإفتاء الجديدتين ولكن تم رفضه.
المهم أن اقتراح حجازي لم يعجب زميلنا سمير الشحات وقدم اقتراحا بديلا في العدد نفسه من «الأهرام»، أخذ فيه من حجازي الرقص والفرح من الأوبرا، من دون هدم حظيرة السيارات وقال: «الخميس 6 أغسطس/آب 2015، لن يكون يوما كأي يوم في حياة المصريين وفي حياة الدنيا جميعا، بل سيكون بكل المقاييس يوما مختلفا. في ذلك اليوم سوف يشهد العالم ميلاد ممر مائي جديد، تعالوا نجعل من يوم 6/8 يوما لمواكب الفرحة ومهرجانا من مهرجانات السعادة، فالمرء لا يجد إنجازات كهذه إلا كل حين ومين ونسأل: لماذا لا تملأ شرفات منازلنا أعلام الوطن ترفرف فرحانة مبتهجة، فنفرح بها ومعها ولها؟ لماذا لا تصدح الموسيقى في الساحات العامة والطرقات والحدائق وتحت الشجر، فيتجاوب صدى الألحان مع صدى تغريد البلابل؟ لماذا لا يرتدي الأطفال أزهي ملابسهم ويخرجون مع ذويهم للاحتفال؟ أليس الوطن اليوم في عيد؟ لماذا لا تفتح المسارح ودور السينما والحدائق والمكتبات والمتاحف ومراكز الشباب أبوابها بالمجان للناس؟ ولماذا لا يذبح الأثرياء الذبائح ويقيم الميسورون الولائم ويتبرع المقتدرون؟».
فكرة الترحيب بالضيوف في قصر «البارون أمبان»
وهكذا تكون الاقتراحات وإلا فلا، أما في «المصري اليوم» وفي اليوم ذاته، فقد اقترح زميلنا المخضرم والوفدي القديم عبد الرحمن فهمي ما يلي وهو يشير للرئيس إلى قصر البارون أمبان في ضاحية مصر الجديدة: « بعد أن تمت إحدى صفقات مصر الكبرى بشراء أجمل وأغلى قصر في العالم كله، قصر البارون إمبان، بدأ التفكير في كيفية استغلاله بعد هذا المبلغ الخرافي الذي دُفع فيه.. قالوا قصر ضيافة لا ينزل فيه سوى الملوك، لكي يعودوا إلى بلادهم ويحطموا قصورهم المتواضعة! ولكن استبعدت الفكرة لأنه ربما تمر أعوام ولا يزور مصر أي ملك أو حتى رئيس في حجم رئيس أمريكا، أو الصين أو اليابان مثلاً.. ثم جاءت فكرة «الصوت والضوء» مثل الأهرامات.. فاتضح أن هذا سيكون استغلالاً لواجهة القصر فقط، وليس ما بداخله من روائع الفن العالمي، ثم هذا معناه هدم الحديقة الأكثر من رائعة لبناء مدرجات، ثم أيضاً بناء سور عالٍ بعيداً عن شارع العروبة طريق المطار، وإلا سيتوقف الطريق طوال أي عرض.. فاستبعدت الفكرة! وتوقف التفكير عند هذا الحد.. ولم يستغل أجمل وأغلى قصر في العالم سوى الفنان الكبير عمار الشريعي في حفلات أسبوعية، ولم يستغل سوى السلم الخارجي والفسحة التي أمام السلم، لذا فكرت في استغلال هذا القصر العالمي النادر في احتفالات القناة الجديدة، في وجود هذا الحشد الكبير من كل دول العالم…. وبعد انتهاء الاحتفالات، في اليوم التالي، تقام سهرة غنائية مع استعراضات ورقصات شرقية داخل القصر، وفي حديقة القصر معاً.. عندنا «التنورة» بمختلف أشكالها.. وكثير من محترفيها ورقصات شعبية جماعية في أركان الحديقة الواسعة جداً لمن يريد من الضيوف أن يهبط من القصر ليشاهد هذا الفن الشعبي.. مع تطوع عدد من كبار الفنانين المصريين والعرب والأجانب، وتكون ليلة ولا كل ليلة داخل القصر، بإذن الله تعالى، ترحيباً بالضيوف من أكثر من خمسين دولة.. وعندنا «الديناميكية التي لا تهدأ وتعمل 24 ساعة، السيدة الفاضلة الوطنية إيناس عبدالدايم، رئيسة الأوبرا»، الكفيلة بتنظيم هذه الليلة لتكون ليلة ولا ألف ليلة. والسؤال الآن: هل الوقت المتبقى يسعفنا؟ نعم يسعفنا لو قرأنا وعملنا وأسرعنا، مادمنا قد اقتنعنا.. بالسرعة نفسها التي أنجزنا فيها هذا العمل الخارق، الذي كان مقرراً له عشر سنوات، اختصرناها في أقل من سنة بشهر.. امسكوا الخشب.. من شر حاسد إذا حسد! ثم بعد ذلك نعاود التفكير في استغلال هذا «الأثر العالمي» خير استغلال.. لو كنا دفعنا ثمنه «كاش» نقداً من الخزانة كان الموظفون وأصحاب المعاشات لن يقبضوا رواتبهم ومعاشاتهم لمدة عام! هذه حقيقة.. كنت داخل الصورة من بدايتها مع محامي الحفيد المصري الأجنبي، وهو جاري، ومن بيتي بدأ المشوار، وهذه قصة طويلة جداً أخرى».
وسيم السيسي: تأميم عبد الناصر
لقناة السويس خطأ فادح
ونظل في «المصري اليوم» حتى يوم السبت لنقرأ لأستاذ المسالك البولية وخبير التاريخ الفرعوني الدكتور وسيم السيسي محاولة لإفساد الفرحة وتجديد هجومه على خالد الذكر بقوله: «في سنة 1956 أمم الرئيس جمال عبد الناصر القناة، وكان خطأ فادحا جر علينا ويلات عدوان ثلاثي، وضياع أم الرشراش «أصبحت ايلات» الآن، وفتحت البحر الأحمر وأفريقيا لإسرائيل، وكانت ستعود إلينا القناة بعد 13 سنة فقط 1969، من دون كسر لمواثيق دولية، ولأن الهوى أعمى وغلاب تسمع من يقول لك، كانوا لن يردوها لنا في سنة 1969، أقول لقد ردوا هونغ كونغ، وعلى فرض أنهم لم يردوها فالتأميم واجب وقانوني، والعالم يقف معنا وليس ضدنا، ألف مبروك علينا قناة السويس الجديدة هذا العمل الجبار في ظرف عام لا يقدر عليه إلا جينات مصرية تعودت على عمل المعجزات».
تأميم شركة قناة السويس
وفي حقيقة الأمر فأنا لا أعرف لماذا لا يكتفي الدكتور وسيم بمعلوماته وكتاباته عن التاريخ الفرعوني ولا يقحم نفسه في تاريخ فترات أخرى لا يعرف عنها شيئا، فأولا قرية أم الرشراش الواقعة على رأس خليج العقبة احتلتها إسرائيل بعد قيامها عام 1948 وتوقف الحرب وأقامت مكانها ايلات، ولم يحدث أن احتلتها عام 1956. ثانيا أن امتياز شركة قناة السويس كان سينتهي عام 1968 لا 69. ثالثا أن المطالبة بتأميم الشركة كان قديما واشتد بعد قيام الدكتور محمد مصدق رئيس وزراء إيران عام 1951 بتأميم شركة البترول في بلاده، واستقبلته الحكومة المصرية برئاسة خالد الذكر مصطفى النحاس باشا في القاهرة باحتفالات شعبية كبيرة، وبعد إلغاء النحاس في أكتوبر/تشرين الأول 1951 معاهدة سنة 1936 مع بريطانيا، سارع وزير الاقتصاد السوري معروف الدواليبي بمطالبة الحكومة المصرية بتأميم شركة قناة السويس، كما نشرت جريدة «النداء» التي كان يصدرها ياسين سراج الدين شقيق صديقنا فؤاد سراج الدين سكرتير عام حزب الوفد ووزير الداخلية وقتها، مقالا طالب فيه بالتأميم. أيضا أصدر حزب الكتلة الوفدية الذي سبق وانشق عن الوفد عام 1942 بزعامة مكرم عبيد، الذي كان سكرتيرا عاما للوفد، بيانا رسميا طالب فيه بالتأميم، أي أن العداء للشركة والرغبة في تأميمها كان شعورا متأصلا في الروح الوطنية للمصريين، لارتباط القناة بالسخرة التي تعرضوا لها. وكان المشروع سببا في إفلاس الخزينة المصرية وسيطرة الأجانب على الشركة، ثم كان مبررا للاحتلال البريطاني، لذلك ما أن أعلن خالد الذكر تأميمها في السادس والعشرين من يوليو/تموز 1956، أي بعد ثمانية وثلاثين يوما فقط من مغادرة آخر جندي بريطاني قاعدة قناة السويس في 18 يونيو/حزيران 1956، حتى انفجرت مشاعر الكراهية الوطنـــية المختزنة والمتوارثة جيلا بعد جيل.
نيوتن: الصين وفورموزا هما مصر وإسرائيل
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي بدأها الأربعاء في «المصري اليوم» صاحبنا نيوتن في عموده اليومي، وهو الاسم الذي يوقع به مؤسس الجريدة وصاحب أكبر حصة فيها رجل الأعمال صلاح دياب وقوله: « الصين أوقفت حياتها في وقت من الأوقات لاستعادة جزيرة فورموزا، التي كانت جزءاً من الصين وانفصلت عنها. الصين اتبعت نهج دولة في حالة حرب. حرب وتربص دام من أول ما جاء ماو تسي تونغ، ولم تنته حتى جاء الرئيس المبُدِل دنغ زايو بنغ عام 1978 (عام توقيع اتفاقية السلام المصري الإسرائيلي). عندها تركت الصين هذا النهج السابق برمته وبدأت في نهج البناء والانفتاح على العالم والتطبيع مع الجميع «أمريكا وباقي أوروبا بما فيها فورموزا ذاتها». أصبحت الفناء الخلفي الصناعي لكل هذه الدول. انجذبوا إليها بعد أن وجدوا فيها فرصا لهم. بدأت الاستثمارات تصب فيها إلى أن وصلت الاستثمارات الخارجية المتجهة للصين 150 مليار دولار. أما مصر في أحسن حالاتها فوصلت إلى 13 مليارا قبل الثورة.
مصر في حالة حرب مع إسرائيل منذ عام 1948. الهزيمة أطاحت بالدولة وقامت ثورة 1952. بعدها تعددت الحروب وإن اختلفت النتائج. حرب في 56 ثم في 67 ثم في 73 ثم كامب ديفيد. لكننا مازلنا في حالة حرب. ننظر لإسرائيل كعدو. الأولوية الأولى هي لهذه الحرب. معاهدة السلام محل نظر كل رئيس جديد. يؤكد أن المعاهدة قائمة. ولكن الشعب وجدانياً في حالة حرب لم تتوقف، حيث التطبيع جريمة تسقط الشرف. ليتنا نفعل ما فعلته الصين. ونكرر التجربة الصينية. نعلن الحرب هذه المرة على حالة الحرب. نقتحم حرب البناء. نحن مئة مليون. إسرائيل بجلالة قدرها لا تزيد على 8 ملايين. لِمَ هذا الرعب المبدد للفرصة. المبدد لأولوية البناء؟ لا أدرى. يبدو أن مجموعة كوبنهاغن كانت أثقب بصراً. المؤكد أنها كانت أكثر شجاعة. لذلك اغتالهم المصريون».
نجل عبد الناصر يهاجم السادات
ويوم السبت شن زميلنا في «الأهرام» محمد أمين المصري هجوما ضد عبد الحكيم عبد الناصر نجل خالد الذكر لهجومه ضد السادات وقال عنه: «سعى بعض الناصريين للإساءة إلى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في ذكرى الثورة، وكان على رأس هؤلاء نجله عبد الحكيم، الذي غابت عنه اللياقة السياسية في حديثه عن الرئيس الراحل أنور السادات، أثناء الاحتفال بالذكرى في ضريح ناصر. وإذا كان ما نقلته المواقع والصحف عن عبد الحكيم في حق السادات، والزعم بأنه سرق ثورة يوليو/تموز بعد وفاة ناصر، وأنه حطم إنجازاتها، فهذا كلام أجوف، وكان يتعين على عبد الحكيم التريث قليلا قبل الوقوع في الشرك. الموقف استدعى بطبيعة الحال تدخل عائلة الرئيس السادات، وانبرى عفت السادات للدفاع عن رمزهم، وليشن بدوره هجوما عنيفا على عبد الحكيم. وقد استغل المناسبة ليبلغه بأن سلبيات 23 يوليو أكثر بكثير من إيجابياتها وأن ناصر سبب رئيسي في الخراب الذي حل بمصر، لقد دمر عبد الحكيم كل ما كتبه الناصريون في ذكرى الثورة، وأضاع كل جهودهم في تبييضها أمام الشعب، وكان حريا بنجل الزعيم الراحل قراءة ما نشرته الصحف مؤخرا، نقلا عن أبناء أعضاء مجلس قيادة الثورة، وكيف أطاح بهم عبد الناصر، خاصة كلما راجعوه في أهمية تعميم النظام الديمقراطي، وكيف ضحت الثورة بكل هؤلاء في سبيل الاستئثار بالسلطة .لطالما كتب الناصريون عن التكوين الإنساني لعبد الناصر ويوليو الحلم، ونسوا الإشارة إلى مذكرات شمس بدران، وزير الحربية في عهد ناصر الذي لا يزال يبكي عندما يتذكر كيف اعتقلوه وعذبوه لمجرد مساندته موقف عبد الحكيم عامر ضد ناصر، وأنصفه السادات».
معصوم مرزوق: الجيش مؤسسة
مملوكة لشعب مصر كله
ونظل في عدد «الأهرام» نفسه لنكون مع السفير السابق في وزارة الخارجية معصوم مرزوق «ناصري» وقوله في مقاله الأسبوعي: «من المستهجن ومن الخطر أن يواصل البعض الزج باسم القوات المسلحة في كل خلاف سياسي، أو تعارض في الرأي، فمن نافلة القول إن هذه المؤسسة الوطنية مملوكة بالكمال لشعب مصر كله، ولا يمكن لأحد أن يدعي امتلاكه لها. القوات المسلحة خارج حسابات البقالة السياسية الداخلية، وهي أرقى من أن تكون سلعة على رف حزب أو فصيل أو توجه سياسي، مهما علا قدره أو ارتفعت حظوظه، لذلك يجب أن تتوقف على الفور تلك «المكارثية» الفكرية التي يمارسها بعض السياسيين والإعلاميين، حين ينقضون على المعارضة باتهامات الخيانة والعداء للجيش، ولا أفهم حقيقة كيف يمكن الربط بين من ينتقد مثلا مواد قانون التظاهر وبين «أعداء» الجيش، أو كيف يستساغ أن نثير فتنة إضافية لأبناء الوطن نقسم فيها الناس بين موالين للجيش ومعاديين له؟».
ارتفاع تكاليف الحياة بشكل لا يُصدق
وفي «المصريون» عدد الأحد كتب لنا الكاتب طه خليفة مقاله عن الحكومة والفقراء ومما جاء فيه: «… يجب على السلطة أن تسمي الأشياء بأسمائها، ولا تلتف أو تناور أو تتلاعب بمحدودي الدخل كما تلاعبت بهم كل سلطة سابقة، لإظهار تعاطفها معهم، بينما الحقيقة أن الفقراء والبسطاء ومحدودي الدخل ليسوا في وارد اهتمام السلطة بشكل كاف وواقعي، ثم أن ارتفاع تكاليف الحياة بشكل لا يُصدق، كما تحدثنا، صار يحتاج لتعريف جديد لمحدودي الدخل، إذ مع تزايد سقف كلفة المعيشة في كل تفاصيلها، ستندرج فئات ذات دخول كانت تعتبر مرتفعة في ما سبق في شريحة محدودي الدخل، التي تتسع دوما لتضم إليها قطاعات عديدة في مجموع الشعب المصري. الفقير بحسابات الأمس، صار هو من يعيش تحت خط الفقر بحسابات وأسعار اليوم، والمستور بالأمس صار هو فقير اليوم. قضية العدالة الاجتماعية هي أكثر القضايا صعوبة وتعقيدا في مصر، وهي التي ينبغي التصدي لها برؤى جديدة مختلفة لا تجعل الدولة تنسحب من القيام بدورها فيها، بل أن دورها يتزايد ويكون مطلوبا أكثر، لكن بجدية وعلم وعمق وليس بالشعارات والعواطف».
هل الشعب المصري
ليس جاهزا للديمقراطية؟
وفي العدد نفسه من «المصريون» نشارك السفير الدكتور عبدالله الأشعل تساؤله عن، هل أن الشعب المصري ليس جاهزا للديمقراطية؟ يقول: «الشعب المصري لم يكن أبدا طرفا في أي عملية سياسية، منذ وجد على هذه الأرض، وكان الحاكم إلها، أو يحكم بعد عصر الفراعنة باسم الله، فلا مجال لدخول الشعب في شؤون الحكم الذي يلهم الله به الحاكم. وأزعم أن الشعب المصري بدأ يصبح طرفا من خلال زعمائه الدينيين في العملية السياسية، فقط، عندما استغل محمد علي مشايخ الأزهر في مايو/أيار 1805، لكي يزيح الوالي خورشيد ويستصدر فرمانا لتولية محمد علي «باسم زعماء الأمة»، فلما أراد السلطان أن يعزل محمد علي خلال حروبه ضد السلطان في الشام في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كشف محمد علي عن الحقيقة، وهي أنه جاء إلى الكرسي بالسيف، ولن يتركه إلا بالسيف. ولم يزعم محمد علي أنه يحكم باسم الشعب، بل يحكم بالكورباج، هذا الشعب الذي اعتبره طفلا لا يعرف مصالحه، وأن ولي أمره هو الوصي عليه ، وهذه عظمة الثورة في 25 يناير/كانون الثاني 2011. ثانيا : أن السلطة بأدواتها الإعلامية والسياسية والأمنية تشكل سلوك الناس ووعيهم، ولا يستطيع حاكم في مصر أن يحكم شعبا واعيا يفكر ويقيم، ولذلك لابد أن تعمد أجهزته إلى تجهيل الناس، فماذا فعل نظام مبارك أو خليفته حتى يجعل الشعب في مستواه جاهزا للديمقراطية؟ ثالثاً: أن الديمقراطية المقصودة ليست المعلومات الأكاديمية، ولكنها آثار الديمقراطية وهو ما عبرت عنه ثورة 25 يناير من حاجة الناس إلى الحياة الكريمة، والكرامة، والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية في دولة مدنية ديمقراطية مستقلة. المشكلة التاريخية في مصر هي أن الحاكم تمكن من السلطة والاستبداد بها بالرهان على تجهيل الشعب بالتعليم الفاسد والأخلاق الهابطة والفن السقيم والإعلام الفاسد المعلب، فاذا أفلت أحد من هذا الحصار تولت أمره المنظومة التأديبية، أو تتم استمالته بذهب المعز، وإلا ضرب عنقه وصودرت حريته بسيف المعز. لا ديمقراطية في مصر الا اذا نشأت نخبة لانقاذ الشعب البائس من منظومة التجهيل. في النهاية اذا صلح الشعب أفرز الأفضل حاكما له واذا كان الشعب منحرفا جاهلا بائسا أنتج حكامه من أسوأ عناصره، وصدق رسول الله بقوله، كما تكونوا يولى عليكم»
الحكام العرب أسقطوا فلسطين
وأهلها من حساباتهم
وأخيرا ننتقل إلى جريدة «الشروق» عدد يوم أمس الأحد ومقال الكاتب محمد سعد عبد الحفيظ عن جريمة حرق الطفل الفلسطيني الرضيع علي سعد دوابشة على يد الصهاينة، وقوله: «علي سعد دوابشة، رضيع فلسطيني لم يبلغ من العمر عاما ونصف العام، استشهد حرقا فجر أمس الأول الجمعة، نتيجة إصابته بجروح خطيرة بعد هجوم شنه عدد من المستوطنين الصهاينة على منزل عائلته، بالزجاجات الحارقة، في قرية دوما جنوب نابلس في الضفة الغربية في فلسطين. حرقوا الرضيع مع أربعة من أسرته فجرا، وكتبوا على جدران المنزل المحروق باللغة العبرية «يحيا الانتقام»، و«انتقام المسيح»، قبل فرارهم. العصابات الإسرائيلية، اعتدت خلال الشهور الأخيرة على منازل في قرية سنجل، وجنوب جبل الخليل وبلدة حوارة، أحرق المستوطنون في تلك الاعتداءات البيوت فقط من دون وقوع إصابات. في السنوات العشر الأخيرة نفذ المستوطنون الصهاينة نحو 11 ألف اعتداء على أهداف فلسطينية في الضفة الغربية، شملت تلك الاعتداءات قتل أبرياء وتجريف أراضٍ وحرق مساجد، وفق ما أعلنه صائب عريقات أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية أمس الأول.
لم تحرك الأنظمة العربية خلال السنوات العشر ساكنا تجاه ما يحدث في الأراضي المحتلة، وقفت موقف المتفرج أمام خطة التطهير العرقي التي تمارس بحق الفلسطينيين، فشجع صمتها المجرمون الصهاينة في أن يطوروا اعتداءاتهم لتطول الأرواح، وتصل إلى حرق الأطفال أحياء. حرق المجرمون الرضيع والحكام العرب في غفلة، أسقطوا فلسطين وأهلها من حساباتهم، غرقوا في أزماتهم الداخلية، وغرقت فيها ضمائرهم، لم يغضبوا لدموع طفل قتلت قوات الاحتلال أسرته، ولا لصرخة أم جمعت أشلاء أطفالها من تحت أنقاض منزل استهدفته المقاتلات الإسرائيلية، اكتفوا ببيانات الإدانة والشجب الجاهزة «في درج المتحدث الرسمي».
مات علي ضحية اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المؤمن الراحل محمد أنور السادات، قبل 35 عاما، مع العدو الإسرائيلي، فصمتت مصر بعدها عن كل الممارسات الإجرامية التي ارتكبها «الصديق العزيز» في فلسطين ولبنان. دفع علي دوابشة ومن قبله مئات الأطفال فاتورة الصراع بين سلطة رام الله وحكومة غزة، ذلك الصراع الذي أفقد القضية الفلسطينية زخمها، وقلل من تعاطف المجتمع الدولي مع أصحابها. مات علي ضحية قادة حماس الذين تعاملوا مع النظام المصري الجديد باعتبارهم جزءا من التنظيم الدولي للإخوان، فاستعدوا المواطن البسيط ضدهم. مات علي بعد أن أدركت إسرائيل أن دول الطوق خرجت من معادلة المواجهة، فالزلزال الذي ضرب المنطقة لم تنته توابعه بعد.. سوريا تتداعى، والأردن يخشى من مصير جارته، ومصر تواجه «اشباح داعش» في سيناء، وتسعى لاستعادة عافيتها، وبناء نظامها الجديد.
الكل ترك علي يُحرق مع أسرته، والمستوطنون الصهاينة ماضون في مخططهم، لا يوجد ما يردعهم، أو يجبر حكومتهم على أن تعيد النظر في دعمهم. دماء علي ستلاحق كل من اكتفى ببيانات الإدانة، ستلعن الصامتين، والشامتين، والمرجفين.»
حسنين كروم