القاهرة ـ «القدس العربي» : الدولة والإعلام كله في جانب والأغلبية في جانب آخر، وما جمع بين اهتماماتهم قضية واحدة هي ساعات ويتم الاحتفال بافتتاح مشروع قناة السويس الجديدة، حيث لا تزال التعبئة الإعلامية في التلفزيون الحكومي بقنواته المتعددة والقنوات الخاصة على أشدها، سواء في الأغاني الوطنية أيام خالد الذكر أو خطبته في تأميم شركة قناة السويس.
وكلمة السادات في إعادة الملاحة عام 1975 بعد انتصار حرب أكتوبر/تشرين الأول، وكلمات السيسي في بدء المشروع الجديد أو الاحتفالات التي ستتم في الإسماعيلية وتمتد إلى المدن الأخرى، وإنزال قوات كثيفة من الجيش والشرطة للحماية، مع تعليمات صارمة بقتل أي فرد يحاول استخدام السلاح لإفساد الاحتفالات، إلى درجة أن زميلنا في «الأهرام المسائي» أحمد عبد الخالق، نقل أمس تصريحات لقادة عسكريين بذلك مثل: «قال العميد أركان حرب أيمن شحاتة قائد وحدات الصاعقة خلال مراسم وداع القوات المشاركة في التأمين، إن قواعد الاشتباك معلومة للجميع نفذوها واضربوا بكل قوة وبلا رحمة كل من تسول له نفسه إفساد فرحة المصريين.
وقال اللواء أركان حرب مجدي أبو المجد قائد وحدة المظلات، سيتم التعامل بقوة وحسم مع كل من تسول له نفسه إفساد هذا الحدث، الجيش المصري ما بيهزرش».
ورغم أهمية المحادثات التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ورئاسته الوفد الأمريكي في الحوار الاستراتيجي مع وزير الخارجية سامح شكري والوفد المصري، فإنه لم يثر اهتمام الأغلبية، إنما المثقفون والسياسيون بسبب الضربات المتبادلة التي وجهها كل منهما للآخر، حيث أشار كيري إلى حقوق الإنسان والديمقراطية وضرورة احترامها، وعدم التعامل بالطريقة نفسها مع كل الإخوان المسلمين، واعترف بوجود معلومات لديهم عن تورط بعض قياداتهم في الإرهاب. كما أن شكري تعمد أن يؤكد على استقلال القرار المصري، في إشارة لانتهاء النفوذ الساحق لأمريكا أيام السادات ومبارك. وما قاله الاثنان لا جديد فيه، ولا يهم النظام في مصر، إنما ما يهمه إشادة كيري بمشروع قناة السويس ودعم أمريكا عسكريا واقتصاديا مصر، والعمل على تقوية العلاقات. وقابل كيري السيسي وسلمه رسالة من أوباما على الرغم من أن السيسي أوقعه على الأرض، أو كما قالت زميلتنا الجميلة في «الأخبار المسائي» سميحة زهير أمس في الصفحة الخامسة: «أبسط شيء يمكن أن يوصف به الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي هو، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يطرح أوباما أرضا لمس أكتاف، هكذا أكد عدد من المراقبين للمشهد السياسي».
طبعا.. طبعا لكن السؤال هو وكيف وقع أوباما على الأرض وهو لم يحضر مع كيري المحادثات في القاهرة؟ لأنه لو حضر لكان أهم شخصية، لا تلك الشخصية التي أشار إليها زميلنا الرسام في مجلة «روز اليوسف» أنور باسم أهم شخص في مصر على مدار العصور، واتضح أنه الإهمال، وكان يسير حافيا، ورغم بشاعة منظره قال له أحد المسؤولين:
– أتفضل يا باشا.
وإلى بعض مما عندنا…..
موقف مصر من إيران والسعودية
ونبدأ بالمعارك والردود المتنوعة، التي تسبب فيها الاتفاق الذي تم توقيعه بين الدول الخمس زائد ألمانيا مع إيران، عندما طالب البعض في مصر بأن يخطو النظام خطوة جادة نحو استعادة العلاقات مع إيران، وألا يخضع للضغوط الخليجية خاصة السعودية، واتهموا كتابا وصحافيين سعوديين بمهاجمة مصر من مدة، بعد أن غيرت بلادهم «السعودية» سياساتها نحو مصر، وتضغط عليها للمصالحة مع الإخوان المسلمين وتشجع وتدعم حزب النور السلفي، وتتحالف مع تركيا في سوريا، وتريد إقامة حلف سني ضد الشيعة وإيران وجر مصر إليه. ويوم السبت الماضي دخل زميلنا في مجلة «روز اليوسف» القومية أحمد شوقي في معركة مع الذين هاجموا مقالا له في العدد الماضي في بعض المواقع والصحف وقال: «الاهتمام تحول لربط ما نشرناه بموقف الدولة المصرية، وهو ربط غير صحيح على الإطلاق، ومجرد إدعاءات وهمية تسكن خيال مروجيها للنيل من كل معارض للتقارب السعودي – الإخواني خلال الفترة الأخيرة، والأكثر إثارة للجدل هو ما تلقيناه من هجوم رخيص من بعض السياسيين المصريين، المحسوبين للأسف على التيار الليبرالي، وعدد قليل من وسائل الإعلام المصرية، متهمين إيانا بمحاولة هدم العلاقات السعودية – المصرية لصالح إيران، وهذه الاتهامات تؤكد أن مروجيها لم يقرأوا سطرا واحدا مما نشرناه، وفي كل الأحوال لن تتغير رؤيتنا بسبب هذه الاتهامات، ولن نصمت على إهانة بعض الإعلاميين والشخصيات السياسية والعامة في المملكة السعودية لمصر ورموزها وإداراتها، وسنرد على هذه الاهانات والاتهامات بشكل مستمر، وبدلا من أن تطالبونا بالتوقف عن كشف الحقائق وطرح وجهات النظر، بما يدفع المصالح المصرية للأمام، عليكم أن تطالبوا الآخرين بالتوقف عن إهانة مصر في وسائل الإعلام السعودية، أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. ومع كامل احترامنا للمملكة العربية السعودية، حكومة وشعبا، إلا أن مصر كانت وستظل هي الدولة الأكبر والأهم في المنطقة، ولا يوجد من يستطيع شغل هذه المكانة».
الخطر الفارسي لا يرتقي للخطر الإسرائيلي
هذا بعض ما كتبه أحمد شوقي في مجلة «روز اليوسف» القومية وفي اليوم التالي الأحد كتب زميلنا نبيل عمر في «المقال» يقول: «قطعا ثمة خطر فارسي على المنطقة، لكنه لا يرتقي إلى الخطر الإسرائيلي الأمريكي الغربي، بأي حال من الأحوال فالخطر الفارسي خطر نفوذ وتمدد تأثير في صناعة القرار في أربع عواصم عربية مهمة «العراق – سوريا – لبنان – اليمن «، ويلقي ظلاله على القضية الفلسطينية وصراع الفصائل فيها، ويحاول أن يجد له موضع قدم في مصر ودول الخليج الأربع. أما الخطر الإسرائيلي الأمريكي فهو خطر وجود يعمل على تفكيك دول المنطقة وإعادة صياغتها على هيئة كانتونات ودول منقسمة على نفسها، مستغلا تناقضات طائفية ومذهبية وسياسية، خصوصا أن أغلب دول المنطقة ليست دولا بالمعنى الحديث. ويبدو أن سبب خلاف مصر مع السعودية هو أن «تشييع» الصراع السياسي مع إيران يصب في مصلحة إيران أولا، لأنه يتحرك ويتصرف بالقواعد نفسها التي تلعب بها إيران، وهي قواعد تضعف العرب ولا تقويهم. ثانيا: تخصم من العرب ما يقرب من 10 إلى 15٪ من مواطنيهم الشيعة، وتفرض عليهم اختيارا صعبا هم في غني عنه، بين المواطنة والمذهب الديني، بينما الصراع العربي الفارسي هو صراع قومي في جوهره، يصطف فيه كل العرب في المواجهة والأهم أن يحرم «مخطط ينون « من سلاح فعال يستعمله بتفوق في التنفيذ، هذه هي المعضلة وإذا أرادت مصر والسعودية نجاح إعلان القاهرة فعليهما أن يدخلا في حوار إستراتيجي شامل عن المخاطر، في المنطقة وقطعا الاتفاق رد عملي على أن الخلاف في وجهات النظر لا يمس جوهر العلاقات بينهما».
رابطة القومية تعلو فوق الأنظمة
والمذاهب السياسية والدينية
«وفي حقيقة الأمر فأنا ألاحظ في معظم إن لم يكن في كل التعليقات عن هذه القضية عدة أمور أولها وأهمها نسيان أن السعودية دولة عربية شقيقة تجمعنا بها رابطة القومية العربية، التي تدعونا لتحقيق دولة عربية موحدة ولو بعد مئة عام، وهي رابطة تعلو فوق الأنظمة والمذاهب السياسية والدينية.
وثانيا: أنهم ينسون أيضا أننا والسعودية أعضاء في جامعة الدول العربية وبيننا اتفاقات دفاع عسكري مشترك في إطار اتفاق الدفاع العربي، تلزمنا وتلزم باقي الأعضاء في الجامعة التدخل العسكري، إذا تعرضت دولة لعدوان من دولة غير عربية، وبيننا اتفاقات أيضا لإقامة سوق عربية اقتصادية مشتركة، أي أن ما بيننا أقوى وأعمق مما بيننا وبين أي دولة أخرى غير عربية، حتى إن كانت إسلامية مثل تركيا وإيران وباكستان. وثالثا: الخلافات واردة بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية بدرجاتها المختلفة وأسبابها العديدة ومعظمها يكون مؤقتا وهي موجودة بين دول مجلس التعاون الخليجي ذاتها، رغم وحدة أنظمتها، ووصلت في بعض المراحل إلى صدامات مسلحة على الحدود بين بعضها بعضا. وانهار اتحاد الدول المغاربية الخمس، ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، بسبب الصراعات والخلافات لدرجة حدوث خلافات عنيفة على الحدود بين الجزائر والمغرب على منطقة شندوف، وبسبب إقليم الصحراء وجهة البوليزاريو.
رابعا: هناك حساسيات سياسية مشروعة بين الدول المحورية في أي منطقة.. هناك حساسية بين مصر والسعودية وسوريا والعراق، قبل أن تتحطم الأخيرتان. وحساسية بين الجزائر والمغرب، مثلما توجد هذه الحساسية داخل الاتحاد الأوروبي بين كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، رغم أنهم قطعوا خطوات عميقة في اتحادهم، وهم أكثر عقلانية منا نحن العرب، وهم رغم تبادل الاتهامات والسخرية المتبادلة في ما بينهم لا يسارعون كما نفعل نحن للغضب والحديث عن مؤامرات وغلق الحدود وتعطيل الاتفاقيات، لأننا متخلفون وغير ديمقراطيين.
خامسا: هناك فهم خاطئ لحقيقة موقف النظام السعودي من حكاية السنة والشيعة، واتهامه بإشعال الخلاف المذهبي، وهو اتهام لابد من مراجعته، على الأقل، على ضوء معرفة حقائق أولية قبل تناول هذه القضية، تثبت بطلان الاتهام وتجعل تصديقه غير معقول. فعندما نقول إن النظام السعودي يحرض على الفتنة المذهبية وإنشاء محور سني، فهذا معناه أنه يتآمر على السعودية أولا، لان مواطنيها في المنطقة الشرقية المطلة على الخليج العربي والمواجهة للشاطئ الإيراني معظمهم من الشيعة، وبالتالي فهو إما يعمل على فصل هذه المنطقة وإعطائها استقلالها، كما حدث في جنوب السودان، أو تهجير الملايين إلى إيران أو جنوب العراق، كما أنه يدعو للخروج من عضوية مجلس التعاون الخليجي، لأن البحرين والكويت والإمارات وسلطنة عمان وقطر لن توافق على عمل كهذا، لوجود شيعة عرب بنسب مختلفة فيها، بالإضافة إلى تجاهل أنه منذ سنوات والملك عبد الله «عليه رحمة الله» دعا وأنشأ منظمات للتقارب بين الأديان الثلاثة وتمويل عقد المؤتمرات حولها وكذلك بين المذاهب الإسلامية.
وأنا هنا أتحدث عن الدولة السعودية الرسمية التي يمكن محاسبتها واتهامها إذا صدر من مسؤوليها شيء من ذلك يشير إلى دعوتهم للتمييز بين السنة والشيعة في بلادهم، أو إعلاء رابطة الدين أو المذهب السني على القومية العربية. أما أن يصدر ذلك عن بعض الجمعيات والقيادات الدينية فهذا شيء آخر نعاني نحن منه في مصر كثيرا، رغم أنه لا مشكلة عندنا بين شيعة أو سنة، المهم الخلافات السياسية في بعض القضايا لن تنتهي، بل أنها موجودة داخل كل حزب أو جماعة سياسية في أي بلد، فهل نستغرب منها إذا وقعت بين دولتين، سواء في سوريا أو اليمن أو تركيا أو غيرها.
مصر والسعودية وباقي الدول الأعضاء في الجامعة العربية يجمعها اتفاق دفاع عسكري مشترك وقومية عربية واحدة وعلاقة كل منها بالأخرى لابد أن تكون أهم من علاقتها بأي دولة غير عربية سواء كانت أمريكا أو بريطانيا أو إيران أو تركيا أو باكستان، وهذه المعارك بين الكتاب والصحافيين، حتى لو امتدت إلى السياسيين يجب ألا تؤثر في هذه الروابط القومية».
صوت الأزهر لم يصل لمسامع استانبول
وإلى معركة أخرى غير بعيدة عن السعودية ومصر وهي المعركة بين السنة والشيعة ودور الأزهر، ففي يوم الثلاثاء الماضي قام زميلنا موسى حال في جريدة «عقيدتي» الدينية التي تصدر كل ثلاثاء عن مؤسسة دار التحرير، التي تصدر «الجمهورية» و»المساء» بمهاجمة زميلنا وصديقنا في «الأخبار» الأديب جمال الغيطاني، بسبب ما اعتبره هجوما منه ضد الأزهر وشيخه فقال: «الغيطاني يغالط نفسه، وما جمعه من قراءات تاريخية، فيقول شيخ الإسلام هو شيخ الأزهر، إنه شيخ السنة والشيعة كافة والفرق الإسلامية، فشيخ الأزهر هو شيخ أهل السنة وليس كل أهل السنة، فالتاريخ يقول إن البلاد الإسلامية على وحدتها في خلافة واحدة كان لكل مركز حضاري فيها شيوخ إسلام تمتثل لآرائهم وتأخذ فتاواهم، في الكوفة والبصرة، في المدينة، في الشام، في مصر، في المغرب، ومع ذلك كان الأزهر مركزا للعلم في العالم أجمع وما زال، حيث يفد إليه طلاب العالم لينهلوا من مآثر علمائه. وفي عهد الدولة العثمانية كان صوت الأزهر لا يصل لمسامع استانبول، إنما أقصى من يسمعه والي مصر. وتقلص دور الأزهر في عهد الزعيم عبد الناصر، حيث أصبح محليا لدرجة كبيرة، الأمر الذي دفع العديد من الجماعات الإسلامية لتكوين مرجعية خاصة بها، فمؤسس الجمعية الشرعية كان يلقب بإمام أهل السنة وغيرها».
أزمات الأزهر تاريخية وممتدة
أما زميلنا وصديقنا في «الأهرام» الباحث المرموق الدكتور نبيل عبد الفتاح فقد قال يوم الخميس: «الخطابات الشائعة حول أزمة الأزهر الآن، تضع المسؤولية على الشيخ الأكبر ومعه جماعة العلماء والمشايخ، حيناً من خلال القول بأن هناك عناصر بعضها من الغلاة أو من ذوي الميول إلى الجماعات السلفية والإخوانية، هي التي تدير أمور الجامع والجامعة، على هواها، وهي التي تعرقل أي إمكان تطوير للسياسة التعليمية ومناهجها داخل كليات الجامعة. وبعض النقد يطال موقف المؤسسة من تجديد الخطاب الديني وأنها تناور، وتحاول احتواء عديد المطالب السياسية، ومن المثقفين والجمهور بضرورة إحداث نقلة نوعية في إنتاج الخطاب الديني، كي يستجيب مع تحديات وضرورات وأسئلة وإشكاليات عصرنا ومتغيراته المتلاحقة.
بعض هذا النقد صحيح تماما، ولكن يبدو لي أن أزمات الأزهر على تعددها أكثر تعقيدا مما يطرح في بعض الخطابات الشائعة والبسيطة، التي باتت أقرب إلى الكليشيهات الجاهزة، والبداهات التي يعاد طرحها، كلما جاء ذكر الأزهر، وشيخه الأكبر ومشايخه وطلابه. نحن إزاء أزمات تاريخية ممتدة، وتعد تعبيرا عن أزمة العقل الإسلامي ذاته، ومناهج تفكيره عموما وطرائق مقاربته للظواهر، الدينية والاجتماعية والسياسية، والعلاقة مع الفنون والسرديات والجماليات، ومفاهيم الأخلاق، والإيمان والقيم وتغيراتها. العقل النقلي ساد وأوغل بعضه في النكوص الماضوي والتمركز حول المواريث النقلية الفقهية وهوامشها، بل أصبح بعض الغلاة يقدسون الحواشي التأويلية، والتفسيرية والإفتائية الوضعية، ويعيدون تلاوتها وتسييدها على أنها تمثل المقدس تعالى وتنزه- أو السنّوي، والاعتصام بها حفظا وترديدا، ويعتبرون أن الخلاف معها، أو رفضها واللجوء إلى تفسيرات وتأويلات مغايرة، بمنزلة، خروج على المقدس ذاته أو السنة النبوية المشرفة…. من هنا يمكن تفسير تراجع الأزهر ومشايخه عن التقريب بين المذاهب الفقهية السنية والشيعية، باعتبار الأزهر السني هو الإطار الجامع للحوار والتقريب بين المسلمين جميعا، لأن شيخه الأكبر هو شيخ الإسلام بلا منازع. وهكذا تحول الأزهر إلى أحد أطراف الصراع السياسي بين بعض دول الإقليم النفطي، وبين إيران، وكأن الأزهر بكل تقاليده وتاريخه الديني- أصبح ظلا ورديفا لتوجهات وسياسات بعض هذه الدول، وأحد أسلحتها في مواجهة الشيعة. من أسف أن هذا الاتجاه ذهبت إليه دونما رَويّة أو رؤية بعض أجهزة الدولة، متغافلة أن نمط التدين السني الحنفي له الغلبة والهيمنة الساحقة الماحقة على المصريين، مع بعض من الشافعية. من هنا كان موقف الأزهر ضد الشيعة يغاير موقف أستاذنا الإمام الأكبر محمود شلتوت من جواز التعبد على المذهب الشيعي الإثني عشري».
الدولة مترددة في إنجاز التشريعات الإعلامية
ومن معارك الأزهر إلى الإعلام ومعركتان، الأولى كانت يوم الأحد في «الجمهورية» لزميلنا السيد البابلي وقوله: «الواقع أن الإعلام بمختلف وسائله كان مسؤولا إلى حد كبير عن منح الإرهاب الفرصة للظهور والتأثير، فوسائل الإعلام كان عليها أن تتجاهل نشر وبث ما تردده المنظمات الإرهابية من أفكار وتهديدات، حتى لا يحقق الإرهاب أهدافه في الضغط والتأثير وإشاعة الرعب، فليس معقولا أن تنشر منظمة إرهابية مجهولة بيانا أو تهديدا على موقع غير معروف، تتلقفه وسائل الإعلام بالتعليق والتحليل والتهويل، ليصبح ما كان مجهولا معروفا، ويحدث ذلك ويستمر حدوثه لأننا أمام واقع إعلامي مخيف يفتقر إلى المهنية والحرفية والبعد السياسي والخبرة الإعلامية، وساعد على هذا الواقع المتردي أن الدولة كانت غائبة تماما عن الساحة الإعلامية، ولم تدرك إلا متأخرا أن الإعلام قد أصبح يشكل خطرا أيضا على المصلحة الوطنية، وأنه قد يكون دون قصد شريكا في نشر الإرهاب أو تبرير أعماله، أو تناول ما يقوم به من عمليات بتحليلات وتعليقات وعبارات قد تؤدي العكس منها، وتخلق رأيا عاما مشوشا وقلقا وزد من الحيرة، أن الدولة أيضا ما زالت مترددة في إنجاز العديد من التشريعات الإعلامية وفي تشكيل مجلس وطني جديد للإعلام. وفي انتظار أن ينتهي أصحاب الشأن من إقرار التشريعات الخاصة بهم، وهو اتجاه يعني أن الدولة سوف تنتظر طويلا لأن بعض أصحاب الشأن لا يريدون أن يكون هناك مجلس وطني للإعلام ولا يريدون التغيير. المصلحة فوق كل اعتبار».
نجوم الفضائيات متلونون حسب الطلب
أما الثاني وفي العدد نفسه من «الجمهورية» فكان زميله مؤمن ماجد الذي اجتهد ليتبرأ من مهنته بأن قال وقد أحمر وجهه خجلا: «أعمل في مهنة الإعلام منذ أكثر من 30 عاما، وكنت دائما افتخر بأنني صحافي، ولكن في السنوات الأخيرة وخصوصا في الأعوام الأربعة الماضية تراجعت مشاعر الافتخار، وأصبحت أتجنب الحديث عن أنني إعلامي لأن الإعلام المصري أصبح سيئ السمعة، كنا نتعلم أن الصحافة ضمير الشعب ولسان حال الأمة، والآن نشاهد ونقرأ أو نسمع إعلاما يتحدث بلغة لا نفهمها ولا نتفاهم معها، أصبح الملتفون والمتحولون والساعون إلى استرضاء السلطة هم السادة، وبات أصحاب الأجندات الخاصة هم الصفوة. الفضائيات أصبح لها نجومها الذين يتقاضون الملايين، رغم أن ما يقدمونه لا يساوي الملاليم. والغريب أن نجوم الفضائيات في عهد مبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي هم الشخوص أنفسهم، ولكن بأشكال مختلفة وأنماط متغيرة، لأنهم متلونون حسب الطلب ووفقا لظروف المرحلة، هل يثق الشعب في الإعلام الآن؟ لا أعتقد أن هناك جسور ثقة ممتدة بين الإعلام والشعب إلا في مجالات الرياضة والطبخ الشيف حسن هو الآن أكثر نجوم الإعلام مصداقية».
تركيا وإيران لاعبتان محوريتان على خرائط المنطقة
وننتقل الآن إلى «الشروق» عدد يوم أمس الاثنين ومقال الكاتب عبد الله السناوي عن الانقلابات الإقليمية، وننقل لكم بعض ما جاء فيه: « أمام انقلابات إقليمية في حسابات القوة وقواعد الاشتباك تكاد تغيب أي سياسات على شيء من التماسك. لا مراجعة جرت ولا حركة تبدت. على مدى زمني قصير طرأ تحولان جوهريان على خرائط أكثر أقاليم العالم اشتعالا بالنيران.
الأول: اتفاق الدول الست الكبرى مع إيران بشأن برنامجها النووي. وهو اتفاق وقع لينفذ، والعدول عنه مستبعد بأي حسابات استراتيجية واقتصادية في أي مدى منظور.
لا تعني المشاحنات الدبلوماسية والإعلامية بين بعض أطرافه أن شيئا سوف يتغير.
فالدول التي وقعته، لها رهاناتها التي لا يمكن التخلي عنها بسهولة، ومجلس الأمن الدولي اعتمده. كل ما يحدث أقرب إلى المناورات، لاكتساب مراكز أفضل في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.
هناك نزعة غربية لتطويع طهران وفق مقتضيات مصالحها الاستراتيجية، تقابلها نزعة إيرانية لتثبيت أدوارها كأكبر قوة إقليمية لا يمكن الاستغناء عنها..
الثاني: دخول تركيا على خط الاشتباكات المسلحة. التطور نفسه يفضي إلى أوضاع سيولة مماثلة ورهانات تحت الاختبار. باسم محاربة «داعش» أعلنت أنقرة تحركها العسكري، غير أن أغلب الغارات استهدفت مواقع حزب «العمال الكردستاني» في العراق بأكثر مما استهدفت تمركزات التنظيم المتطرف في سوريا. بالقدر نفسه استهدفت حملات الاعتقال ناشطين أكرادا بأكثر مما نالت من أنصار التنظيم الإرهابي.
هذا يزكى الاعتقاد العام أن الحملة العسكرية أسبابها داخلية قبل أن تكون إقليمية، في سعى لتعديل الأوضاع السياسية قبل أي انتخابات نيابية مبكرة.
إنه رهان على النار في تقليص الحضور السياسى الكردى الذى أفضى إلى خسارة حزب «العدالة والتنمية» أغلبيته البرلمانية.
هذه الألعاب الخطرة بالسلاح لها تداعيات من المستوى نفسه في الإقليم كله.
تركيا وإيران لاعبان محوريان على خرائط المنطقة يضاهيان مصر التاريخية ذات المكانة من حيث الأهمية الاستراتيجية وأحجام السكان.
الاحتمالات كلها مفتوحة على أوضاع سيولة سياسية حول براكين النار، من دون أن نرتفع إلى مستوى التحديات الداهمة أو نبني سياسة جديدة لها القدرة على التأثير في مجريات الحوادث…».
المدارس والعطلة الصيفية وتعليم التسامح
وعن المدارس والعطلة الصيفية يكتب لنا زميله عمرو حمزاوي في العدد نفسه قائلا: «بينما تتوقف أغلبية مدارسنا الحكومية والخاصة عن استقبال التلاميذ والطلاب خلال العطلة الصيفية، تقدم أغلبية المدارس الحكومية والخاصة في البلاد المتقدمة برامج لتنمية المهارات الذهنية ولتنمية القدرات الرياضية وللتشجيع على القراءة في تخصصات مختلفة، ولتعلم اللغات الأجنبية وللترفية المرتبط بالأسفار الداخلية والخارجية. تضمن هذه البرامج تمتع التلاميذ والطلاب بالعطلات الصيفية، من خلال التعرف على «الجديد»، وتعرضهم بإيجابية لخبرات واختبارات حياتية تتميز عن إدارة التعليم المدرسي ومناهجه في فترات العام الدراسي.
في بعض المجتمعات الأوروبية، تعالج برامج العطلة الصيفية قضايا شديدة الأهمية للتلاميذ والطلاب، وفي أحيان كثيرة لأسرهم، وربما لقطاعات سكانية مؤثرة وواسعة، وتعالجها على نحو يمزج بين الأخلاقي والإنساني والمجتمعي والترفيهي. يلفت نظري في العطلة الصيفية الحالية إقبال بعض المدارس الأوروبية على تقديم برامج لبناء وعي التلاميذ والطلاب بشأن قضية اللجوء وأوضاع اللاجئين وتحديات الانتقال والرحيل، والبحث عن ملاذات آمنة بعيدا عن الأوطان المأزومة، إن بالحروب أو بالصراعات الأهلية أو بالاستبداد أو بانهيار الدول الوطنية وتفسخ المجتمعات، أو بالفقر والبطالة وغياب تكافؤ الفرص وإمكانيات الترقي الاقتصادي والاجتماعي. تقدم برامج للتلاميذ والطلاب عن اللجوء، ويقومون بزيارة منازل اللاجئين ويتعرفون على أوضاعهم، والبعض يستضيف أطفال وشباب الأسر اللاجئة للاقتراب منهم، والتخلص من مقولات العنصرية وكراهية الآخر وممارسة التسامح. تقدم هذه البرامج من قبل المدارس، وتسهم فيها منظمات المجتمع المدني والسلطات الحكومية المحلية والوطنية. هذه بعض الأفكار لمدارسنا الحكومية والخاصة علها تقتدي بها، وعلنا ندرك أن التعليم والنظم التعليمية المتكاملة تصنع الفارق المذهل بين الشعوب المتقدمة والشعوب التي لم تلحق بقطار التقدم، وتمكن أيضا من اللحاق بالمتقدمين حين تتوفر الإرادة المجتمعية والسياسية.»
المعلم في مواجهة مع المجتمع والدولة
ونبقى في موضوع التعليم نفسه ولكن ننتقل إلى «المصري اليوم» عدد يوم الأحد ومقال الكاتب عمرو الشوبكي الذي يقول فيه: «شعارات إصلاح التعليم اختزلها الحكم في منع الدروس الخصوصية، ومحاسبة المدرسين المخالفين، وهتف الجميع: عام دراسي مقبل بلا دروس خصوصية، وكل مخالف سيُفصل وسيُحرم من «جنّة» العمل في مدارس الحكومة. وإذا كان ذلك هو حال الخطاب الرسمي فإن الواقع، كما هي العادة، جاء مختلفاً عن الشعار، وفق ما جاء في رسالة الأستاذ خير فهيم، المقيم في مدينة الأقصر في صعيد مصر، وجاء فيها:
عزيزى الفاضل الدكتور عمرو الشوبكي
تحية طيبة وبعد…
رسالتي لكم هي أنني مدرس منذ ما يقرب من عشرين عاماً من الأقصر، كما أنني مسيحي الديانة، وهكذا فإنني أحمل من خلال مهنتي وديانتي قضيتين بالغتي الأهمية، هما قضية انهيار التعليم وقضية التمييز الديني، الذي يصل في بعض الأحيان إلى الاضطهاد. أما عن الأولى فإنه بحكم خبرتي التي تناهز العشرين عاماً، فإن مشكلة التعليم تتمثل أولاً في تحقير الدولة لأهم عنصر في العملية التعليمية، وهو المعلم، حيث أنها دائماً تصوره بأنه «الذئب الذي ينهش أولياء الأمور، ويمتص دماءهم»، مع اعترافي بأنه يوجد من هم كذلك في أي مهنة، وليس التدريس فقط، وبالتالي جعلت المعلم في مواجهة مع المجتمع والدولة.
إن المعلمين المصريين، الذين أنا منهـــم، يجب أن يتم تقديرهم مادياً وأدبياً ومعنوياً، ويتخلصـــــوا من إشكالية صراع الدولة والمجتمع معهم، ويتم تدريبهم مهنياً بشكل علمي محترم يثقون فيه، وهذا لن يتأتى إلا إذا كان التعليم هو مشروع الدولة الأول، وفي القلب والعضد منه المعلم.
حسنين كروم