القاهرة ـ «القدس العربي»: عكست الصحف أمس الاثنين 10 أغسطس/آب بدء تراجع اهتمامات الأغلبية بافتتاح القناة الجديدة، بعد أن أخذت الأخبار عنها تتركز على زيادة عدد السفن التي تمر بها وكذلك حمولاتها، بما يعني زيادة دخلها تدريجيا من حوالي خمسة مليارات دولار سنويا إلى حوالي خمسة عشر مليارا، وهو الرقم المتوقع أن يصل إليه دخلها في عام 2023، أي بعد ثماني سنوات، وهو ما تركز عليه الحكومة لتوضيحه للشعب حتى تقوم بعملية فرملة لأي توقعات بأن هذه الزيادة ستحدث فورا.
لكن الزيادة التدريجية في الدخل ستمكن هيئة قناة السويس التي اقترضت المبلغ من البنوك والأفراد بأن تدفع بانتظام الفوائد من غير المساس بدخلها الأول، الذي توجهه ميزانية الدولة، إضافة إلى أن مبلغ الستة والستين مليون جنيه التي اقترضتها لم يتم صرفه كله على عملية الحفر وتجهيز المجرى الجديد، لأن المبلغ يتضمن تكاليف الأنفاق الستة التي بدأ العمل في حفرها أسفل القناة، بعضها سيكون سحارات لنقل مياه النيل إلى سيناء، والبعض الآخر للمواصلات. وبدأ اهتمام الصحف يتجه إلى المشروعات الأخرى التي سيتم البدء فيها، مثل شرق بورسعيد، أي داخل سيناء وزراعة المليون فدان في ظرف عام بتوفير الأربعة آلاف بئر، والمليون فدان ليست في مكان واحد إنما هي موزعة في سيناء والفرافرة وتوشكي وغرب المنيا، وتم حفر ستمئة بئر إضافة إلى فتح المياه أسفل قناة السويس إلى ترعتي السلام والشيخ جابر في سيناء، أي باختصار بدأ اهتمام الأغلبية بالعودة إلى مشاكلها وأوضاعها الداخلية مثل موجة الحر التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق.
كما أخبرنا أمس زميلنا في «الوفد» الرسام عمرو عكاشة، الذي قال إنه شاهد جاره في العمارة يخرج من الشباك فرخة في سيخ وزوجته تسأله هتشوي الفرخة في الفرن فرد عليها لا في الشباك.
والملاحظ على ما ورد في الصحف عودة الاهتمام بالمرحلة الثانية للقبول في الجامعات وتدريجيا لفتح باب تلقي طلبات المرشحين لمجلس النواب المقبل آخر الشهر الحالي. و اجتماع الهيئة العليا لحزب الوفد وظهور رئيس الحزب السيد البدوي مع السكرتير العام بهاء أبو شقة ونفي كل ما نشر عن استقالة البدوي وضع نهاية لكل ما نشرته الصحف عن أزمة جديدة في الحزب.
وإلى بعض مما عندنا…
غياب السياسة عن المسؤولين
ونبدأ تقريرنا اليوم بأبرز ما نشر عن القناة أو التفريعة الجديدة وارتباطها بالرئيس عبد الفتاح السيسي ونظامه، بدأها يوم الأربعاء الماضي، أي قبل الافتتاح بيوم زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة «المقال» اليومية المستقلة بالقول: «افتتاح قناة السويس هو الوقت المناسب جدا لنتصارح بأننا لا نرى في غير هذا الإنجاز رؤية سياسية أو تنموية أو فكرية تحكم مصر، وأن استخدام الأفكار القديمة نفسها، ربما بالشخصيات القديمة نفسها، وبالمؤكد الأجهزة القديمة نفسها، في معالجة ملفات التيار الديني والمحليات والجهاز الإداري للدولة والتعليم والتعليم العالي والصحة والسياحة والعمل طول الوقت على طريقة بناء على تعليمات السيد الرئيس، وجولات السيد رئيس الحكومة لن يذهب بمصر أبعد خطوة مما هي فيه. لا شيء يوحي بأننا رايحين على خير كبير ومجد هايل وقفزة كبرى، بالعكس سياسة أهل الثقة وأهل الأجهزة، فضلا عن الاعتماد المتطرف على الموظفين واللواءات في كل تفاصيل ومؤسسات الدولة مع غياب السياسة عن المسؤولين المختارين كلهم».
الإعلام الرسمي
صنع حالة أقرب للهستيريا
ويوم الأحد قام زميلنا جمال سلطان رئيس مجلس إدارة ومؤسسة جريدة وموقع «المصريون» الأسبوعية التي تصدر كل أحد وتتم طباعتها في مطابع مؤسسة الأهرام وتتولي توزيعها، بتقديم تقييم للموقف بالنسبة للقناة بقوله: «لا شك أن قطاعا واسعا من المصريين فرحوا أمس بالاحتفالية الكبيرة التي أقامتها الدولة لتدشين التوسعة الجديدة لقناة السويس، التي حرصت على أن تصفها بأنها «قناة السويس الجديدة» رغم أنها ـ عمليا ـ تفريعة طولها حوالي سبعة وثلاثين كيلومترا على جزء من وسط القناة الممتدة لمسافة مئة وسبعين كيلومترا تقريبا، وكان هذا القطاع من المصريين الذين فرحوا بالحدث من الكتلة المؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذين يرجون أن تتحقق على يديه نهضة حقيقية لمصر، وقد لعب الإعلام الرسمي والموالي دورا في صناعة حالة أقرب للهستيريا أمس بهذا الحدث، وقد صدرت تعليقات وأوصاف محرجة جدا بالفعل للعقل المصري، ومهينة لأي وعي سياسي جاد على الجانب الآخر، لا تخطئ العين والسمع والإدراك وجود قطاع واسع من المصريين لم يكن فرحا بهذا الحدث، رغم أنهم جميعا مستبعدون من الإعلام الرسمي والموالي بجميع قطاعاته المقروءة والمسموعة والمرئية، وكثيرون منهم كانوا ساخطين على ما يحدث، والبعض أبدى سخرية من هذه «الهوجة» الإعلامية والإسفاف المصاحب لها، الذي شبهه البعض بما يحدث في إعلام كوريا الشمالية. الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن السيسي فشل حتى الآن في توحيد الشعب المصري، بل أن الممارسات والسياسات التي اندفعت فيها السلطة الجديدة بقيادته عظمت الانقسام، «الهوجة» الإعلامية التي صاحبت مشروع التفريعة الجديدة كان واضحا منها أنها تروج «لمشروع سياسي» في الأساس، بعيدا عن حسابات الجدوى الاقتصادية، وهذا القطاع من المصريين يعرف أن نجاح السيسي وفريقه في تسويق هذا المشروع يعني تعزيز نهجه المعادي للحريات والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان، وأن البلاد ستتجه إلى مزيد من القمع والإقصاء وتهميش أي معارضة وترويعها، واستباحة القانون والدستور وضياع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية للناس».
جمال الغيطاني: ننتظر من السيسي الكثير
ونظل في يوم الأحد ولكن ننتقل من «المصريون» وجمال سلطان إلى «الأخبار» (قومية) وجمال آخر هو زميلنا وصديقنا الأديب جمال الغيطاني، الذي خالف ما انتهى إليه جمال الأول بأن قال في عموده اليومي «نقطة عبور» عن السيسي: «هذا الرجل الهادئ الذي تغرروق عيناه بالدمع إذا رأى طفلا مريضا أو عجوزا تتسول، أتمنى أن يتجسد حسه الإنساني في رؤية عامة وسياسة محددة، يتجسد فيها انحيازه إلى المستضعفين. ليس من منطلق الإحسان أو استجداء العون، إنما عبر نظم وقوانين سارية صارمة في اعتى البلاد الرأسمالية، تقوم على الضرائب التصاعدية وحق المجتمع في الخدمات، وهذا لا يقل أهمية عن المشروعات الكبرى، إن لم يفقها ويتجاوزها لضمان سلامة الدولة، ربما يسألني سائل: ماذا تنتظر من السيسي؟ أقول الكثير رغم ما قدمه حتى الآن غير أن هذا يحتاج إلى تفصيل طويل ويكفي أن مصر يقودها الآن رئيس وطني لا يعمل أحد أبنائه بالبيزنس ولا ينوع السلاح من أجل العمولات، إنما لتحقيق الاستقلال الوطني وقوة الجيش يكفي طهارة اليد والقصد النقي المستقيم حقا إنا لمحظوظون».
الوطنية ليست حكرا على طبقة
وفي عدد «الأخبار» نفسه قال رئيس مجلس إدارتها وتحريرها زميلنا وصديقنا ياسر رزق مطالبا السيسي بالانحياز للفقراء مكافأة لهم لوقوفهم بجانبه: «المكافأة الحقيقية للشعب المصري، الذي قام بثورتين، وانتفض في مواجهة الإرهاب، وأنجز مشروع القناة الجديدة، هي القضاء على الوساطة والمحسوبية، وضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين أبنائه في العمل والوظائف، مثلما هو متحقق في التجنيد ومكتب تنسيق القبول في الجامعات. وأظن الرئيس السيسي بمكانته لدى كل مؤسسات الدولة قادر على أن يحقق ذلك عن طريق المساواة بين أبناء الأسر الشريفة الوطنية من الأكفاء، في الالتحاق بالسلك الدبلوماسي والسلك القضائي والوظائف العامة وكلية الشرطة وغيرها. فالشرف ليس مرادفا للثراء، والوطنية ليست حكرا على طبقة.. وما كان زعماء مصر ورجالاتها العظماء ـ في غالبيتهم ـ سوى أبناء مزارعين فقراء أو موظفين بسطاء.
لعل الوقت قد حان، لإطلاق مشروع تأهيل الشباب المصري الذي تتبناه رئاسة الجمهورية. وربما تجد الدولة ـ لا أقول الحكومة ـ أنه آن الأوان لتجميع طاقات الشباب في القرى والمدن والمحافظات والعاصمة، في اتحاد أو منظمة تكون إطارا لتوجيه قدراتهم في الخدمة المجتمعية ومشروعات الجهود الذاتية، وتكون أيضا مؤسسة لتربية الكوادر الشبابية وتأهيلها للوظائف العامة والمشاركة في صنع القرار على مختلف المستويات. لذا أحسب الرئيس ونحن بصدد انتخابات برلمانية سينأي بنفسه عن قوائم ليست وطنية جامعة، وعن مرشحين فرديين أيا كانوا. وأظنه سيعلن ذلك إذا تعددت القوائم. فقط سيدعو الناخبين لاختيار الأصلح والأجدر والشباب الوطني الأكثر عطاء. ليس من حق أحد أن يقرن قائمة باسم الرئيس على حساب أخرى، أو يحاول أن يلصق شخص الرئيس بمرشحين دون غيرهم. فليفز من يفوز من العناصر الوطنية، بالإرادة الحرة للشعب الذي هو وحده السند الحقيقي لعبدالفتاح السيسي.
أحسب الرئيس الذي يؤمن بأن الشعوب الحرة هي وحدها القادرة على الإنجاز، وبأن الأمة لن تكون أبدا في خصومة مع شبابها، سيكلف أجهزة الدولة المعنية بالإسراع في ملفات الشباب المحكوم عليه أو المحبوس ظلما أو بانفلات الحماس، للإفراج عنهم وسط أفراح المصريين بقناة السويس. أحسب الرئيس سيقصر لقاءاته مع رجال الأعمال، على أولئك الذين لا يرون أن مصالحهم الشخصية تعلو على مصلحة الوطن، وعلى الذين يدركون أنه لولا ثورة 30 يونيو/حزيران وما تلاها، ما ظلوا أصحاب أعمال، والذين يشاركون ولا يمنون ويربحون ولا يطمعون، ويعرفون أن صندوق «تحيا مصر» ليس فرض كفاية على شخص أو مجموعة منهم، أحسب أن الجادين منهم ظهروا، وأن المناهضين لمشروعه الوطني لم تعد تحجبهم أستار الخفاء!
أمامنا فرصة قد لا تتكرر في المستقبل المنظور، علينا أن نقتنصها ونغتنمها، فلدينا شعب قادر، وشباب ناهض، وقائد صاحب قرار، ونموذج ماثل، ومشروعات وإجراءات في وضع الإطلاق».
مشروع قومي لبناء نظام سياسي
ومن «الأخبار» إلى «التحرير» اليومية المستقلة وزميلنا أحمد الصاوي وقوله: «قناة السويس وما يفترض أن يكون حولها من تنمية واستثمار وتوسع لرقعة العمران مشروع قومي مهم، لكن أحدا لم يعتبر بناء نظام سياسي قوي ومستقر وقادر على الاستمرار والتجدد والتحديث والاستيعاب، وفرز البدائل مشروعا قوميا يضاهي المشاريع الإنشائية والهندسية العظمى، يستطيع مشروع قومي أن يؤمن قدرا من النمو والمساهمة في الناتج القومي وقدرا من الازدهار، لكن لا شيء غير النظام السياسي يمكن أن يؤمن الاستقرار ويحتوي الإضرابات ويضمن الاحتفاظ بمقدرات الوطن بعيدا عن الخيارات السوداء والمنظمات المقبلة من خارج الشرعية… لا تتأسس النظم السياسية المستقرة إلا في المراحل الانتقالية، عقب استقلال، أو انهيار مرحلة، وما نعيشه منذ أربع سنوات هو انهيار حقبة حكم الفرد، بكل ما تحمله بالسلب أو الإيجاب، بعدما ثبت أن حكم الفرد أخطاره أكبر من أي استقرار يجلبه، حتى لو استمر هذا الاستقرار 30 عاما، لكن أحدا ممن تسلموا راية المرحلة الانتقالية لم يحاول أن يمد اليد لبناء نظام حديث حيوي متجدد معبر عن الأمة وليس الجماعة أو الرئيس أو المؤسسة الواحدة. التنمية السياسية ليست أقل أهمية من التنمية الاقتصادية، والبناء السياسي المرتكز على دستور يعمل، وبدائل آمنة ومصالح عليا محددة وقيم ثابتة هو مشروع قومى لمصر، وإلا فقد يأتي علينا يوم جديد نعاني من تيه الاضطرابات نفسه، أو نجد حاكما فردا يردم القناة الموازية بأس مبرر، ووقتها سيجد مَن يهلل لقراره، وربما من أولئك الذين مدحوا قرار الحفر».
بيع الوهم للشعب المصري
أما آخر زبائن يوم الأحد في هذه القضية فسيكون زميلنا أحمد الحصري وقوله في «البوابة» اليومية المستقلة وهو يطلق وابلا من الشرر نحو المنافقين والعياذ بالله: «تفريعة قناة السويس أو القناة الجديدة هي إنجاز تاريخي بكل المقاييس، لكنها كالعادة فرصة تاريخية للطبل والزمر والرقص وتقديم فروض النفاق الإعلامي واللعب السياسي، وحتى الديني والازهري.
هؤلاء لا يريدون وضع الإنجاز التاريخي لمهندسى وعمال مصر وفلاحيها في مكانه الطبيعي، بل كالعادة تقديم أنفسهم للمرة العاشرة كخدم ومبخراتية لأي حاكم ونظام حكمه. وصل شغل الخدم والمبخراتية إلى حد وصف القناة الجديدة بأنها أعظم إنجاز في تاريخ مصر، وأن القناة الجديدة هي الهرم الرابع لمصر، وأنه لا يقل عن عبور الجيش المصري وانتصاره على إسرائيل في حرب أكتوبر/تشرين الأول 73، بل ذهب البعض في تصريحات ومقالات منشورة إلى وصفه بأنه أعظم إنجاز في تاريخ العالم، حتى الأزهر الشريف لم يتخلف عن المشهد وأفتى بأن الفرحة بافتتاح القناة ليست «سنة» وإنما هي «فريضة» على كل مسلم.
الكلام المذكور أعلاه كفيل بضياع قيمة الإنجاز التاريخي لحفر القناة الجديدة ناهيك عن بيع الوهم مرة أخرى للشعب المصري. الإنجاز التاريخي للقناة الجديدة هو مجرد بداية للانطلاق نحو تنويع شكل الاقتصاد المصري، ويحتاج إلى عشرة أمثال الجهد الذي تم بذله في تحقيقه. الإنجاز التاريخي للقناة الجديدة يحتاج إلى قيادات من نوع جديد وليس الخدم والمبخراتية وتجار السياسة والإعلام والدين.
عندما قرر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس ردا على امتناع البنك الدولي عن تمويل بناء السد العالي، قام الزعيم بإنشاء وزارة جديدة لهذا السد، لماذا لا يتم إنشاء وزارة جديدة لقناة السويس تتبع رئيس الجمهورية بدلا من توزيع دمها بين قبائل وزارات خايبة وفاشلة مثل الاستثمار والصناعة والتجارة وغيرها، وقطع الطريق على السمسرة والعمولات وشغل الثلاث ورقات المعروف في كل الوزارات
من هنا نبدأ بدلا من الاكتفاء بما تحقق والدخول إلى حالة الاسترخاء والطبل والزمر والرقص واللعب السياسي الانتهازي الذي كان خير نموذج له في احتفالات القناة هو حزب النور السلفي، الذي وقف رئيسه مخيون بكل خشوع أثناء عزف السلام الجمهوري وهم الذين لم يعترفوا يوما ما بالسلام الوطني».
والحصري يشير إلى رفض نواب حزب النور في مجلس النواب السابق في عهد الإخوان وكذلك نواب الجماعة الإسلامية في حزب البناء والتنمية الوقوف عند عزف السلام الجمهوري، بينما وقف نواب الإخوان والوفد والكرامة والتجمع والمصريين الأحرار. أما وقوفهم الآن فهو إجباري بعد أن صدر قانون بالفعل يحكم بالسجن على من لا يقف عند عزف السلام الجمهوري أو تحية العلم، وهذا يذكرني باليافطات عند بعض محطات الأتوبيس المكتوب عليها وقوف إجباري.
اعتداء صارخ على الفضاء العام
ويقودنا ذلك إلى معارك الإسلاميين وكان قد بدأها يوم الاثنين قبل الماضي الدكتور عادل أسعد الميري بمقال له في «المقال» اشتكى فيه من مكبرات الصوت في المساجد التي تنقل الأذان والصلاة في الفجر، وما تسببه من إزعاج لبعض النائمين المساكين فقال: «الفضاء العام هو مساحة المشترك بين كل الناس في الهواء الذي يتنفسونه وفي الماء الذي يشربونه في الحديقة التي يتنزهون فيها، وفي الباص الذي يركبونه وهكذا، عندما تكون نائما في فراشك في منتصف الساعة الرابعة صباحا لأنك ذهبت متأخرا إلى فراشك في منتصف الليل مثلا، بسبب أنك كنت مضطرا إلى السهر في كتابة تقرير أو في دراسة ملف ستقوم بعرضه على رؤسائك أو على مرؤوسيك، ثم يهز جدران حجرتك صوت المؤذن من المسجد القريب مستعملا الميكرفون مع مكبرات الصوت والسماعات الضخمة، يدعوك إلى القيام من النوم لأن الصلاة خير من النوم، رغم أنك لست مسلما وأنك لم تنم بعد بما فيه الكفاية، وإنما أنت تحتاج إلى ثلاث ساعات إضافية حتى تستطيع أن تستعيد نشاطك اللازم للممارسة مهامك الوظيفية خلال ساعات النهار التالي، فهذا التصرف من قبل مؤذن الجامع القريب هو اعتداء على الفضاء العام بالمناسبة لم يعد مهما على الإطلاق الداعي إلى إطلاق الأذان في وقت توفرت فيه لكل الناس كل وسائل الإيقاظ في الوقت المطلوب، والتي لم تكن متاحة سابقا، ولمن لم يرد أن يستيقظ يمكنه أن يظل نائما وسيحاسبه الله في ما بعد. أما الذي يحدث في بلادنا الآن فهو اعتداء صارخ على الفضاء العام».
الشعراوي اتُهم بالحرص على راحة الأغنياء
وقضية نقل الأذان من المساجد بمكبرات صوت خاصة في صلاة الفجر هي قضية قديمة، وأذكر أنها انفجرت عام 1977 عندما كان المرحوم الداعية الشهير الشيخ محمد متولي الشعراوي وزيرا للأوقاف، خاصة بعد انتشار الزوايا أسفل المنازل واضطرارها إلى تركيب ميكروفونات في البلكونات والسطوح الملاصقة لشبابيك السكان، وحدث أن تقدم عدد من سكان حي الزمالك في القاهرة بشكوى من أحد هذه الزوايا بأنهم لا يستطيعون النوم من ميكرفونها في الفجر، فهي لا تكتفي بالأذان فقط وإنما قبله بمدة تفتح إذاعة القرآن الكريم أيضا، فصدر قرار بمنع المساجد من نقل الأذان بالميكروفون في الفجر، وانقلبت الدنيا رأسا على عقب وتعرض الشعراوي لحملة اتهمته بالحرص على راحة الأغنياء من سكان الزمالك، ونفى أن يكون قد أصدر قرارا بذلك. واضطر المرحوم الشيخ عبد الرحمن النجار وكيل الوزارة وكان رجلا خفيف الظل إلى التصريح بأنه الذي أصدر القرار، والوزير لا علم له به. وتجددت هذه المعركة مرة أخرى من سنوات بأن تكون مكبرات الصوت داخل المساجد حرصا على راحة المرضى والطلاب الذين يذاكرون ومرة أخرى لم ينفذ القرار.
على العلماء دور كبير في دعوة الناس للعمل
أما المفتي الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء في الأزهر ورئيس جمعية «مصر الخير» الدكتور الشيخ علي جمعة، وبالمناسبة هو من خفيفي الظل أيضا وابن نكتة، فقد تعرض إلى هجمات عنيفة وساخرة بسبب ما أدلى به من تصريحات عن الرئيس، ونشرت «الوطن» يوم الأربعاء تحقيقا أعده زميلنا وائل فايز عن هذه التصريحات، جاء فيه:
«الرئيس السيسي في مكانة الأمير وعصيانه يعد عصياناً للرسول عليه الصلاة والسلام»، مستشهداً بقول النبي: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني»، باعتبار أن لفظ «الأمير» أطلق قديماً على مَن يتولى شؤون الحكم. و«السيسي» في مكانة الأمير، حسب علي جمعة. من جانبه، قال الدكتور أحمد علي عجيبة، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إن طاعة ولي الأمر واجبة في إطار ما أمر الله ورسوله به، بحيث لا يكون مخالفاً لمنهج الله تعالى وتعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام، مصداقاً لقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». فيما قال الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إن الطاعة للحاكم واجبة ما دام يقوم على مصالح البلاد والعباد، لكن الحاكم يجتهد في إصدار القرارات وإقرار المشاريع وقد يصيب أو يخطئ، فهو ليس معصوماً مثل الأنبياء، وبالتالي لا يجوز وضعه في مرتبة الرسل والأنبياء، فالحاكم يجب عليه التشاور والنقاش مع أهل الاختصاص والخبراء في أمور السياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات، خصوصاً أن هناك مشاريع تتطلب التفاف الجماهير حول الحاكم ومنها، قناة السويس الجديدة وشبكة الطرق والمواصلات الحديثة وخلافه. من جهته، قال الشيخ محمد البسطويسي، نقيب الأئمة، إن «طاعة ولي الأمر أو الحاكم واجبة طالما لم يأمر بمنكر أو ينهى عن معروف، على العلماء دور كبير في دعوة الناس للعمل والإنتاج وإيقاظ الضمائر، والابتعاد عن تأليه الحكام، وقال الدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء، إن طاعة السيسي واجبة شرعاً لأنه يبني البلاد ويقيم مشاريع قومية لخدمة المواطنين ورقي الوطن، فضلاً عن كونه غيوراً على دينه. وأشار مهنا إلى أن هناك حديثاً آخر للرسول يقول: «من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن آذى أميري فقد آذاني»، وفي موضع آخر يقول رسول الله: «أطيعوهم إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»، ومن هنا فلا يجوز تعكير صفو الحكام ما داموا يرضون الله ورسوله، وليس أدل على ذلك من قيام سيدنا عثمان بن عفان بنقل الصحابي أبو ذر الغفاري من أحد البلاد بعد شكوى معاوية بن سفيان من أنه يعكر صفو العباد، وأن عليه أن يحتفظ برأيه لنفسه».
الفساد أنواع
وليس كله في الرشوة
وننتقل الآن إلى «المصري اليوم» ومقال نيوتن عن صناعة أدوات الحرب يقول: «…هتلر عندما أعلن حربه على العالم. وفرت له الرأسمالية الألمانية كل معدات حربه. لم تكن الدولة الألمانية تمتلك مصانع توفر هذه المعدات. كذلك هو الأمر بالنسبة للجيش الأمريكي. يعتمد تماما على القطاع الخاص بكل تنويعاته. شركات مساهمة، أو شركات خاصة لتوفير معداته العسكرية. البحرية الأمريكية تقوم بوضع المواصفات للأسلحة التي تحتاجها، كذلك سلاح الطيران الأمريكي وباقى الأسلحة… كان هناك مصنع حكومي في روسيا في أيام الاتحاد السوفييتي. كان يقوم بتصنيع الطائرات المدنية وطائرات نقل البضائع، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تمت خصخصة هذا المصنع «توبولوف». اشتراه رجل أعمال مصري، قام بتطوير الطائرات من حيث المحركات، فزودها بمحركات شركة «رولزرويس»، زودها أيضاً بكل الأجهزة الإلكترونية من الشركة الأمريكية التي تقوم بهذه التجهيزات. أصبحت الطائرة تضاهي مثيلاتها التي تصنعها شركات إيرباص وبوينج، جاء بها إلى مصر، لم تشرف الدولة على تقدم تطوير طائرته. تجاهلتها شركة مصر للطيران، لم تشجعه حتى في الاستخدام في الطيران الداخلي، بل وقفت له بالمرصاد. استمرت تشتري من طيران العالم بملايين الدولارات. تركناه يغرق وحده، نجح فى بيع بعض طائراته لإيران.. بعض آخر إلى الصين، ولكن الاحتكارات العالمية لم تتركه يستمر وينمو، الفساد أنواع، ليس كله بالرشوة، قد يكون بالإهمال. لدينا بالتشفي في فشل الآخرين. في مصرنا العزيزة الوضع مقلوب، فالجيش لدينا يتولى الإنتاج المدني. فهو يستثمر في صناعة الإسمنت. في صناعة المياه المعدنية، في تجارة المواد البترولية. من خلال إنشاء محطات خدمة سيارات. في المقاولات. في إنشاء الطرق في جمع التعريفة على الطرق السريعة.
لا يحتاج من يفكر إلى التوصل إلى أن تتولى مصانع القطاع الخاص إنتاج السلاح الذي تحتاجه الدولة، كما هو حادث فعلاً في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. لا بد أن ينبع أساساً من إيمان الدولة بالقطاع الخاص وقدرته على صيانة أسرار وطنه. وأنه لا يستطيع التقدم بدون تعاون الاثنين معاً، الدولة والقطاع الخاص».
عصام حشيش: المهم نسب الفضل لله أولا
وفي «أخبار» يوم الأحد نفســــه ترك زميلـــنا عصــــام حشيش هذه القضية وأهتم بغيرها بعد أن سأله زملاؤه عن عدم كتابته عن القناة الجديدة ورد الفعل عليها فقال: «يقول سبحانه وتعالى مخاطبا المؤمنين «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقــد فاز فوزا عظيما». والقول السديد يعني نسب الفضــــل لله أولا والابتعاد عن الاستغراق في النفاق.. فقد استغرقتنا هذه الأفكار عندما كنا نتحدث طويلا عن صاحب قرار العبور، ثم صاحب الضربة الجوية، دون الحديث عن الهام الله له ونسب الفضل إليه، فأصبحت صورا ممجوجة من النفاق جاء الوقت لنتداركها ونتوقف عنها، فصاحب قرار قناة السويس الجديدة ليس في حاجة لذلك فهو يسجد لله ويستمد منه الإلهام والعون ويطلب منه المدد والرعاية، ولولا ذلك ما تحقق لمصر هذا الإنجاز فإذا أصبح في القلب عمار بالله فالله يجعل ما حولك عمارا، مهما كان خرابا. انظر إلى سيدنا إسماعيل وأمه هاجر كان في قلبيهما عمار وكل ما حولهما خراب، ولكن الله بدله وجعل مكة مكانا لحرمه الشريف. نعم لقد حبا الله مصر بآيات وآيات من الموارد والثروات كانت كفيلة بان تجعلنا أكبر قوة في العالم لو أننا اتقينا الله فيها وعملنا بما يرضيه.. وفي سورة يوسف قال «اجعلني على خزائن الأرض».. نعم كانت مصر كلها خزائن للخير، ولكن عندما عزف الناس عن أن يكونوا صفوفا في المساجد شكرا لله على هذه الهبات والنعم.. أوقفهم الله صفوفا وطوابير للحصول على حاجاتهم الأساسية».
حكايات وروايات
وأخيرا إلى الحكايات والروايات وهي على صلة بحفر قناة السويس أثناء وجود المهندس الفرنسي ديليسبس وحكم الخديوي محمد سعيد عن حي السكاكيني في القاهرة وأسباب تسميته بهذا الاسم، وأمدنا بالرواية مشكورا الباحث نور يحيى يوم الثلاثاء الماضي بقوله في جريدة «المشهد» الأسبوعية المستقلة: «في فترة من فترات حفر قناة السويس قديما كثر عدد الفئران، كانت موجودة في منطقة الحفر وأشتد خطرها حيث بدأت في التهام طعام نحو عشرين ألف عامل وإفساد آلات ومعدات الحفر، ما أجبر فرديناد ديليسبس أن يوقف العمل في الحفر إلى حين حل مشكلة الفئران.
كانت لدى أحد الأشخاص، واسمه حبيب السكاكيني فكرة قادها إلى ديليسبس للقضاء على مشكلة الفئران، التي تواجه الحفر وهي فكرة «القطط الجائعة» حيث تم شراء واصطياد أعداد كبيرة من القطط وجمعت في أجولة لتنقل في قوافل لمنطقة الحفر، وبعد فترة من تجويعها أطلقت أسرابا على أماكن تجمع الفئران فالتهمتها ولم تمر أيام حتى انتهى خطر الفئران.
قرر ديليسبس بعدها مكافأة حبيب سكاكيني بمنحه وظيفة رئيس ورش تجفيف عموم البرك والمستنقعات في مصر، حيث كانت في القاهرة وقتها عدة برك، منها بركة الأزبكية وبركة الفيل وبركة الرطلي والبركة الناصرية وبركة الفوالة وبركة قرموط وبركة الشقاف وبركة قمر، وما أن تولى حبيب منصبه الجديد حتى بدأ في ردم تلك البرك، واضعا نصب عينيه فرمان «الباب العالي»، الذي ينص على أن من يردم بركة أو مستنقعا ملكا للدولة تصبح ملكا له، فقد قام حبيب سكاكيني بردم بركة الشيخ قمر ومن هنا أطلق أسم السكاكيني على الشارع الواصل بين ميدان الظاهر بيبرس إلى الشارع المؤدي إلى غمرة، بحيث يتوسطه ميدان السكاكيني الذي يوجد فيه قصر السكاكيني باشا، الذي بني في ما بعد على الطراز الإيطالي عام 1897».
حسنين كروم