المسافات

حجم الخط
3

لم أعرف قيمة المسافات في حياتي إلاّ حين أصبحت مكتظة بمن أعرف. ظلّت دائرة معارفي تتسع حتى أصبح الجو خانقا، حيث أعيش وأقف. وقد أدركت متأخرة أن فسحتي الخاصة لأعيش مع ذاتي ولها تزعج أغلب من حولي. رغبة البعض لاقتحام جدران حياتي الخاصة تثير غضبي، لأنني من النّوع الذي يحترم دوما الحدود التي تفصلني عن حميميات الآخر.
ربما لست فضولية بما يكفي، لكن يبدو لي أنه من الوقاحة أن أفرض نفسي على شخص لا تجمعني به علاقة قوية، كأن أسأل أين يقطن ثم أفاجئه بزيارة غير متوقعة، أو كأن أسأله مثلا «كم يتقاضى في الشهر»، أو أذهب لأبعد من ذلك حين أسأله كم امرأة عرف قبل زواجه؟ أو هل يخون زوجته؟ أو لأتمادى بشكل غير لائق تماما فأسأل سيدة هل هي سعيدة في زواجها أم لا؟
أسئلة كثيرة تكسر المسافات في علاقاتنا مع الآخر، ولكنها في الوقت نفسه توسّع الهوّة بيننا وبين من نتعامل معهم، بغض النظر عن مستوى محبتنا لهم .
بالطبع نحن مجتمع عاطفي. نحب بلا حدود. نحب ونظن أن الحب وحده شفيع لكل أخطائنا، لكنّ الحقيقة تقول غير ذلك. أولا نحن مجتمع يحارب أنواعا من الحب ويشجع على الجشع العاطفي.
ثانيا نحن مجتمع نقايض الناس بالحب. وعلى هذا الأساس نكون قد شيّأنا الحب وجرّدناه من صبغته الإنسانية.
ثالثا نحن مجتمع يخلط الأمور بعضها ببعض. لا نفرّق بين علاقات العمل والعلاقات الشخصية، كما لا نفرّق بين علاقات عابرة في حياتنا وأخرى متينة ودائمة.
أيضا لا نعرف كيف نتعامل مع صديق نحبه جدا. نظن أنه خزانة نمتلكها ويمكننا أن نضع فيها كل ما هب ودب من مشاعرنا وفوضانا وما نفكر فيه وما نقوم به. لا نعرف أبدا أين نقف؟ نمضي حتى نصل الكهوف المظلمة في تلك العلاقة، ثم نصطدم بالملاحظات التي تضايقنا، تماما كالشعلة التي تفجر فضاء تعبأ بغاز الميثان.
يقول الفرنسيون «صديق صديقي صديقي» والحقيقة أننا لسنا فرنسيون لنطبق هذه القاعدة في حياتنا. صحيح أننا نملك الأصدقاء المشتركين بيننا، لكن من المفروض أن نحدّد مسافات بين علاقتنا بالصديق وبصديق الصّديق. والأقرب إلينا هنا هو المثل المصري القائل: «إن كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله»، ذلك أنّه مثل نابع من عقر مجتمعنا وتجاربنا الشخصية. ويكشف عن مشكلة عويصة في علاقاتنا، نحن لا نحب لنعيش متعة المحبة، بل لنمتلك الشخص ونستهلكه كما نستهلك أشياء أخرى، ثم بعدها نحتمي بمثل أو حكمة، نحملها كدرع وهمي مخافةً من تمادي الآخرين واختراقهم للمسافات التي تحمي خصوصياتنا. نخاف من المواجهة لأنها تُفقدنا من نحب. نخاف كثيرا من التّخلِّي فنقبل «الإرهاب العاطفي» الذي يمارسه كل الذين يحيطون بنا. نعيش وعبء الخوف يدمّرنا في صمت كما أعباء أخرى لا نجد لها تفسيرا محدّدا سوى أعباء داخلية وكفى.
صحيح «المرء بخليله» و»قل لي من صديقك أقول لك من أنت؟» لكن أيضا هذا لا يعني أننا نسخ عن أصدقائنا أو أنهم نسخ عنّا، هذا لا يعني أيضا أنّنا دقيقون في اختيار أصدقائنا، فكثيرا ما يكون أصدقاؤنا هم اللعنة التي تنسف بكل شيء في حياتنا وتغير مسارات حياتنا بشكل جذري. الدخول في دوّامة «كيف ينظر إلينا الآخر؟» يبدأ بسيطا، ولكنّه أحيانا ينتهي بكارثة، حين نُقَيِّم أنفسنا من خلال نظرة الآخرين لنا، ألا يقال «إرضاء النّاس غاية لا تُدْرك»؟ الشعور بالفشل، والعجز وعدم الفائدة، كلها مشاعر تنتابنا حين تصبح مكانة الآخر في حياتنا أكبر من الحيّز الذي خصّصناه لأنفسنا.
الحديث عن المسافات مهم جدًّا، لهذا يجب ألا نفتحه كما لو أنّنا نفتح قنينة «بيبسي» بعد خضِّها، فقد يُصبح في هذه الحالة حديثا عدائيا، وبدل أن يكون سببا في استرجاع الذات المتشظية هنا وهناك بين معارفنا، يبني صرحا من الكراهية التي نحن في غنى عنها، مع عبء آخر يحجز كل مشاعرنا في سجن ضيق هو الشعور بالذنب تجاه من أزحناهم بكلمة ليست أكثر من قفل «قنينة البيبسي المخضوضة». شيء آخر يتعبنا حين تتقلّص هذه المسافات بيننا وبين من نحبهم ونعيش معهم، إنه الشعور بالعري. أليس مخجلا أن تقف عاريا أمام شخص بكامل أناقته؟ أليس مؤلما أن تقف بدون جمجمة تحمي مخّك أمام انتهاكات الآخر؟ أتخيّل هذه الصورة وأشعر بألم كبير، فيما أبقى حائرة أمام كل أولئك الذين يجدون متعة في التفرُّج عليك وأنت مثل ذلك الجريح الذي تعرّض لحادث ونصف مخه خارج جمجمته.
الشيء الذي لا يعرفه كثيرون أيضا، وأكتبه من باب تجربتي وليس من باب أنني خبيرة نفسية، هو أن تقليص فضائك الشخصي والتصاق الآخرين بك يحوّلك إلى شخص تفترسه الوحدة. وسط الزّحام الذي يحيط بك لستَ بحاجة سوى لشخص واحد يملأ فراغاتك العاطفية، وهذا الشخص الغائب بحكم الظروف، هو نقطة ضعفك الكبيرة، فكل أولئك الذين يعبرون فضاءك الخاص لا ينتبهون إلى أنهم يحجبون عنك منافذ النُّور والهواء…
كمن يعيش في العتمة تشعر بالكتل البشرية التي تتنفس قربك، وتسمع الأصوات التي تتحوّل إلى ضجّة لا تطاق في رأسك، تعاني الصداع وضيق التنفس، ويطوّقك الشعور بالذنب فأغلب أولئك تحبهم، لماذا تريدهم أن يغيبوا أحيانا؟ لماذا تريدهم أن يختفوا أو تختفي؟
يحدث أن تهرب من بلدك لترى الأقربين إليك.
يحدث أن تَعذَّر عليك أن تسافر وتبتعد أن تأخذ منوّما وتسلّم نفسك لفراشك، لأحلامك، وأمنياتك، لغيبوبة مؤقتة تمنحك فرصة لتجمع أشلاءك النفسية التي شتتها كل أولئك الذين كسروا المسافات بينك وبينهم.
…ضعف؟
أي نعم، ضعف أن تبلغ مرحلة المنوّم. ضعف أن تبلغ مرحلة الهروب السخيف من دائرة معارفك لتجد سكينتك الشخصية. لكن إن كان مفهومنا العام لكل العلاقات التي تربطنا بالآخر «صداقة»؟ فما مفهوم الصداقة الحقيقي؟ وما مفهوم كل تلك العلاقات التي تنمو بقربك كالأعشاب الضارة؟ بالمختصر نحن لا نختار الأسلوب الصحيح للاعتذار، ووضع قانون خاص بنا مثل قانون السير، ينظّم تقدُّم أي شخص نحونا. بإمكاننا أيضا أن نرتب حياتنا بوضع حواجز زمنية تفصلنا عن الآخرين.. حواجز كالتي يخترعها الناس في المجتمعات المنظمة.. كأن يسألك أحدهم: سأمر لأخذك بعد ساعة، فتجيب: أبدا لا يناسبني الوقت في هذه الفترة، ظروفي لا تسمح. هذا جواب يناسب كل الأسئلة التي تدور في السيّاق نفسه، وهو جواب مقنع وليس كذبة للتملص من ارتباط لا تريده. قد يُدَقُّ بابك في وقت لا تريد فيه استقبال أحد. وتتعرّض لكبسة. ولا يهمّك الأمر هيّن جدا حين تسمو بروحك للأعالي وتعزل نفسك عن كل الأبواب التي تدق، تحتاج أحيانا لآذان طرشاء لتعرف أن تعيش. ألا يقال «إعط أذنك الطرشة حتى ترتاح؟ اعطها…. وللحديث بقية إن شاء الله …

شاعرة وإعلامية بحرينية

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية