القاهرة ـ «القدس العربي»: الحر وضحاياه حيث وصل عددهم إلى خمسة وتسعين شخصا ، كان الموضوع الأكثر اجتذابا للاهتمام في صحف أمس الاثنين 17 أغسطس/آب، رغم وجود قضايا وموضوعات أخرى احتلت اهتمامات الصحف المصرية، مثل إلقاء الرئيس السيسي كلمة في الدورة التثقيفية التي أقامتها القوات المسلحة، وهي متعمدة منه ليستغلها لمخاطبة الشعب والرد على القلق الذي اجتاح قطاعات من موظفي الحكومة، وأدى بهم إلى تنظيم وقفات احتجاج ضد مشروع قانون الخدمة الجديد، بأن أكد أنه رغم زيادة عدد الموظفين في السنوات الثلاث الماضية مليونا، وأصبحوا سبعة ملايين، فإن مشروع القانون الجديد، هو لزيادة فاعلية الجهاز الإداري، ولا صحة بالمرة لأي كلام عن تخفيض للمرتبات أو استغناء عن عاملين. وكان واضحا تأثره الشديد مما نشر عن القانون بسبب حساسيته للمشاعر الشعبية نحوه التي يحرض عليها، وتأكيده أنه لم يخدع الشعب، وقال إن لديه عصا سحرية لحل المشاكل مع تأكيده على أن مصر تسير في طريقها الصحيح.
وفي ما عدا ذلك فلم تهتم الغالبية بأي أخبار أو قضايا أخرى، بما فيها توقيع الرئيس على قانون الإرهاب، وإعلان زميلنا وصديقنا رئيس المجلس الأعلى للصحافة ورئيس اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الصحافية والإعلامية، جلال عارف مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والملاحظ أن قانون الإرهاب والإعلام أسقطا نهائيا مادة الحبس في قضايا النشر، استجابة للدستور أولا ولضغوط الصحافيين ثانيا.
وإلى بعض مما عندنا….
ما أكثر الاستثناءات والامتيازات في مصر
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال بالنسبة للحكومة والوزراء، واستمرار مطالب تغييرها كاملة أو تغيير عدد من الوزراء على الأقل، في مواجهة دعاوى أخرى ترفض هذه الدعوة، لأن الحكومة القائمة هي انتقالية إلى أن يتم إجراء انتخابات مجلس النواب، وتشكيل حكومة حزبية جديدة بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، وكذلك بالنسبة للمشاكل التي تواجهها وكيفية حلولها ومنها، مشروع قانون الخدمة المدنية الذي يثير اعتراضات ومخاوف فئات عديدة من موظفي الدولة، وقد قال عنه يوم السبت في «التحرير» زميلنا نبيل عمر في عموده اليومي «أوراق خاصة»: «رغم أن قانون الخدمة المدنية الجديد هو يا دوب محاولة لإزالة جزء من الصدأ المتراكم في هذا الجهاز، فإنني ضد القانون لأسباب كثيرة بعضها عرضي، ويمكن علاجه مثل نسبة الخمسة في المئة العلاوة السنوية، وهي ضعيفة ويجب أن ترتفع إلى 7٪ على الأقل، فالحياة صعبة والغلاء قاتل والتضخم يفتك بمحدودي الدخل، وبعضها أساسي وهو التمييز الواضح والاستثناءات الكثيرة في تطبيق القانون على كل موظف عام في مصر، أيا كانت الجهة التي يعمل بها وقد ضربت كفا بكف من تصريحات رسمية مستفزة مثل تصريح غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، الذي تطمئن فيه العاملين في هيئة التأمينات الاجتماعية بأن القانون الجديد لن يطبق عليهم الخدمة المدنية، لأنها هيئة مستقلة. ويبدو أن مصر فيها هيئات مستقلة كبيرة مفصل لها قوانين خاصة مستقلة، باعتبار العاملين فيها هم أولاد البطة البيضاء. بينما هناك موظفون أولاد البطة السوداء لهم قوانين خاصة تتفق وعدم نقاء عرقهم الوظيفي وأنسابهم الرسمية، وما أكثر الاستثناءات والامتيازات في مصر، وهي أكبر مصيبة هادمة للعدالة الاجتماعية، ولا أستطيع أن أخمن كيف فكر الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو يستثني رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء من القانون، وتأثير ذلك على بقية الموظفين، ألن يخاف الموظفون ويتصورا أن القانون ما هو إلا خازوق، بدليل قرارات الاستثناء وتصريحات الاطمئنان لمن لا يخضع له؟ أليست هذه دعوة مبطنة لرفض القانون ولو شكلا، وبغض النظر عن مواده وأهدافها، وأن يتظاهر الرافضون طلبا للعدالة والمساواة مع الذين يعملون مثلهم في الحكومة، سواء كانت وزارة محتلة او هيئة مستقلة أو مؤسسة تتمتع بحكم ذاتي، ما داموا مواطنين مصريين في وطن واحد له دستور ينص على المساواة والعدالة الاجتماعية».
أمناء الشرطة تحولوا إلى دولة داخل الدولة
ولو غادرنا «التحرير» إلى «اليوم السابع» في اليوم نفسه سنجد زميلنا دندراوي الهواري وهو من مؤيدي النظام يتجه إلى مهاجمة الداخلية بقوله: «لا ينكر حجم تضحيات رجال الشرطة في مواجهة سرطان الإرهاب إلا جاحد، وأن غدر الجماعات الإرهابية المتطرفة يترصد أرواح أبناء وزارة الداخلية في كل مكان، وهو أمر معلوم بالضرورة. ومع الإقرار بحقيقة هذه التضحيات، فإن هناك نقاطًا بالغة السواد بدأت تنتشر في البدلة الميري البيضاء لرجال الداخلية، كانتشار النار في الهشيم، وتهدد بتشويه لونها الناصع البياض. النقاط السوداء متمثلة في الممارسات المسيئة من عدد كبير من أفراد وأمناء الشرطة والخفراء ضد المواطنين، التي أساءت لوزارة الداخلية، وكانت القشة التي قصمت ظهر نظام مبارك، وأسقطت وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي بالقاضية في 25 يناير/كانون الثاني. أمناء الشرطة تحولوا إلى دولة داخل الدولة، الجميع يخشاهم، يغلقون أبواب أقسام الشرطة والمديريات بالجنازير، ويمنعون القيادات من الخروج ويحبسونهم، حدث ذلك في أكثر من مديرية وقسم ومركز شرطي، وآخرها مساء أمس الأول عندما قام العشرات من الأفراد والأمناء في مديرية أمن الشرقية بحجز مفتش الداخلية داخل قسم أول الزقازيق، ورددوا الهتافات المسيئة والمنددة بقيادات وزارة الداخلية والنظام، وأعلنوا الإضراب عن العمل داخل المقرات الشرطية، للمطالبة بصرف حافز قناة السويس الجديدة والسؤال: إذا كان أرباب الأمن ونشر الأمان يتظاهرون ويضربون عن العمل، ويتحدون قياداتهم، ويمارسون كل أنواع الخطايا مع المواطنين، فما فائدة وجودهم، وجدوى عملهم؟».
انتهاكات داخل أقسام الشرطة
وفي العدد ذاته من صحيفة «اليوم السابع» استأنف زميله يوسف أيوب الهجوم على الشرطة قائلا: «ليس هناك عاقل يريد تدمير جهاز الشرطة، خاصة بعدما شاهدناه من فوضى أمنية أعقبت 25 يناير، بسبب ما نعرفه جميعًا من أحداث، لكن لا يوجد عاقل أيضًا يريد أن تستمر هذه الانتهاكات التي نسمع عنها كل يوم، وربما نشاهدها بأعيننا، الراصد لشكاوى المصريين كل يوم سيجد أن غالبيتها تتركز حول سوء المعاملة داخل أقسام الشرطة، خاصة من بعض ضباط المباحث، وليس ببعيد عنا تلك الحملة التي أمر بها المستشار الراحل هشام بركات، النائب العام السابق، حينما طلب من وكلاء النيابة التفتيش المفاجئ على أماكن الاحتجاز داخل الأقسام، فوجدوا بداخلها أبرياء كثيرين، في واقعة كانت تتطلب محاسبة قانونية وعلنية للمسؤول عنها، لا أن تمر الواقعة مرور الكرام بمنطق «عفا الله عما سلف». نعم أمام الداخلية مهمة صعبة في مواجهة الإرهاب الغاشم الذي يريد أن يقضي على الشرطة، لكن يجب ألا ننسى أن الداخلية حينما نجحت في القضاء على إرهاب التسعينيات كان ذلك بفضل التعاون الذي أبداه المواطنون مع الشرطة، في الإيقاع بعدد كبير من القيادات الإرهابية، لذلك فإن مهمة الشرطة الوطنية في مواجهة الإرهاب لن تكتمل إلا بتعاون الشعب مع الشرطة، وهذا التعاون لن نجده إلا إذا توقفت أو انحسرت الانتهاكات داخل الأقسام».
التغيير الوزاري أمر ضروري
أما زميلنا ورئيس تحرير «المصري اليوم» محمود مسلم فإنه اجتهد يوم السبت في تقديم المبررات لتغيير الحكومة كلها أو بعض وزرائها الآن بقوله: «تغيير الحكومة أو تعديلها أصبح أمراً ضرورياً، بعد افتتاح قناة السويس، ويجب عدم تكرار «حجة» أن الوقت ضيق، لأن مصر أمامها 6 أشهر حتى يبدأ البرلمان أعماله، وهي فترة كبيرة من عمر الأوطان في مثل هذه الظروف، كما أن هناك فرصة لأن يقدم الرئيس مجموعة جديدة من الوزراء للبرلمان المقبل قد يكونون «طوق النجاة» من الخلاف البرلماني المرتقب حول الحكومة.. ويجب عدم ترديد كلمات «الاستقرار» و«مفيش كفاءات»، لأن التجارب تثبت عكس ذلك، فقد طالبنا من قبل بتغيير نبيل فهمي، وزير الخارجية السابق، وعاند النظام وقتها كثيراً، ثم جاء سامح شكري ليثبت أن الأداء أفضل، وأن التغيير في صالح الوطن، ثم تكرر السيناريو نفسه مع محمد إبراهيم، وزير الداخلية السابق، الذي بحت الأصوات لتغييره، ولم يلتفت النظام، ثم جاء مجدي عبد الغفار بأداء أفضل نسبياً حتى الآن.. وتكرر المشهد ثالثاً في حالة وزير العدل، فقد طالبنا بأحمد الزند، وزيراً، ولم يستجب أحد، حتى جاء الرجل وأثبت في أشهر قليلة جدارته بالمنصب، وسوء اختيارات مَن قبله، لكن بعد أن دفعت مصر الثمن في حالات تأخر التغييرات المطلوبة. لكن إذا رأى الرئيس عكس ذلك فعليه أن يعلن ذلك بصراحة، لأن ما يتردد عن التغيير الوزاري، منذ عدة أشهر، جعل الوزراء في حالة خوف وميل إلى المنظرة والعمل اليومي أكثر من الاستراتيجيات والمشروعات الكبيرة والرؤى، هذا بالإضافة إلى خوفهم التقليدي والمستمر من التوقيع على مصالح الناس، خشية السجن، لأن معظمهم جاء في فترات انتقالية.. وبالتالي الرئيس ليس أمامه إلا أن يعلن استمرارهم حتى يستقروا، أو يتخذ القرار الأصعب بسرعة».
روح انتقامية تلبست وزير الداخلية ضد عكاشة
ولا زلنا مع الحكومة والوزراء في قضية الإعلامي وصاحب «قناة الفراعين» توفيق عكاشة خاصة الاتهامات الموجهة إلى وزارة الداخلية بأنها وراء القبض عليه وإيداعه السجن، بحجة تنفيذ حكم قضائي نهائي ضده بالسجن في قضية زوجته الأولى. وقال عنه يوم الأحد زميلنا وصديقنا حمدي رزق في عموده اليومي (فصل الخطاب) في «المصري اليوم»: «من حق الوزير كوزير وكمواطن، ومن جاء ذكره عمداً أو عرضاً في وزارة الداخلية على لسان «عكاشة»، اللجوء للقضاء برفع دعوى سب وقذف على عكاشة والبرنامج والمحطة، ومواد قانون المنطقة الحرة تكفي لإغلاق أبواب السماء، ولكن تقليب الدفاتر لـ«عكاشة»، واستخراج أحكام قضائية نهائية واجبة النفاذ صادرة ضده، والقبض عليه فجراً، تصرف يلتحف بالقانون ولكنه يجافي المنطق. القبض على «توفيق» فجراً وكأنه إرهابي هارب مختبئ في قناة «الفراعين»، يؤشر إلى روح انتقامية تلبست وزير الداخلية الذي قال «عكاشة» في حقه وسيرته المهنية موشحات لا تُصدق، ولا تُصدق أيضاً مبررات الداخلية في أن القبض على توفيق ليس استهدافاً! صحيح «عكاشة» زودها حبتين، ثلاثة، أربعة، حتى عشرة، ولكن القبض عليه بهذه الطريقة يكسبه مصداقية وتعاطفاً، ليس حباً في «توفيق» بل نكاية في الوزير، والناقمون على وزير الداخلية كزنابير النحل، يكفي الوزير عدائيات الإخوان والتابعين.. هي ناقصة «عكاشة!» إذا كان الإعلاميون والصحافيون والسياسيون ومن نالهم رذاذ عكاشة واتهاماته المطلقة في الفضاء عازفين عن الوقوف معه، من ذا الذي يدافع عن توفيق عكاشة، ولسان حالهم يقول يستاهل، جزاءً وفاقاً، فإن الوزير لم يكسب تعاطف هؤلاء، أو تحبيذهم القبض عليه، بل يتحسسون الرؤوس، والمقارنات شغالة، لا تخدم أبداً الوزير».
عكاشة يدعو لمليونية تأييدا لمبارك
لكن زميلنا في «صوت الأمة» عنتر عبد اللطيف صاح في اليوم نفسه صيحة عنتر بن شداد قائلا عن عكاشة من دون أن يخفي شماتته فيه: «راح توفيق عكاشة صاحب قناة «الفراعين» يقول في نوبة هذيان من النوبات المتكررة التي تنتابه عبر برنامجه الذي يشاهده المصريون بديلا عن المسرحيات الهزلية المضحكة»، من أدخل مبارك السجن هم بنو إسرائيل وليس الإخوان أو الشعب المصري، وفق مخطط يتماشى مع اعتقاداتهم «يقصد اليهود» للقضاء على رموز الوطن العربي. مؤكدا أن إنجازات مبارك لا يمكن لأي عاقل أن يغفلها، ومن يقول عليه شيئا في هذا الصدد سأقوم بضربه «بالجزمة» داعيا لمليونية كبيرة ترفض سجن مبارك وتطالب بتكريمه بصفته حكم الشعب، وله عديد من الإنجازات حسب زعمه فماذا وراء محاولة تكريم مبارك؟ عكاشة لم يصدق نفسه عندما تم تجاهل دعوته لحضور حفل افتتاح قناة السويس، وتمت دعوة الزميلين حياة الدرديري مذيعة برنامج «مصر اليوم» و«عز الاطروش» رئيس تحرير البرنامج على قناة «الفراعين» وهو ما أصاب «العوكش» بالجنون».
«قرصة ودن»
ويوم أمس الاثنين أخبرني زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب في «المصري» اليوم عمرو سليم «ناصري» بأنه ذهب يشاهد قناة الفراعين وبجواره بطة، وهي دلالة على الحملة التي كان يشنها عكاشة ضد الدكتور محمد البرادعي وكان يحاول إحراجه بسؤاله إن كان يعرف «يزغط» البط، وكان أيضا يقرأ خبر القبض على عكاشة في إحدى الصحف ويستمع لمذيع قناة «الفراعين» وهو يقول:
– أما الآن فنلتقي مع فيلم قرصة ودن.
جنينة: نظام مبارك لم يسقط
فلا تزال أفكاره وآلياته في الفساد مستمرة
ولا نزال مع الحكومة والوزراء، ولكن في قضية أراها الأهم، لأنها تتعلق بالصراعات التي تكشف داخل النظام، بين وزير العدل المستشار أحمد الزند والمستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وتم تبادل اتهامات في غاية الخطورة، خاصة تلك التي يوجهها جنينه للزند ولأجهزة وجهات أخرى، فقد نشرت «التحرير» الخميس الماضي حوارا مع جنينة أجراه معه زميلنا إسماعيل الوسيمي وزميلتنا الجميلة هدى أبو بكر، وكان أبرز ما فيه قوله: «أنا أثق بأن القيادة في مصر لديها إرادة حقيقية في مواجهة الفساد، ولكن هناك جناحا آخر داخل الدولة مستمرا في منظومة الفساد. وسقوط مبارك وقيادات الصف الأول في 25 يناير/ كانون الثاني لم يسقط معه نظامه، نظام مبارك لم يسقط، فلا تزال أفكاره وآلياته في الفساد مستمرة، حتى أن بعض الوجوه لا تزال حاضرة. وعلى الرغم من إقرار الدستور بثورة يناير، فإن أجنحة نظام مبارك في الدولة يتعاملون معها على أنها كانت مؤامرة، وليست ثورة شعب قامت لتقضي على الفساد وتحاسب الفاسدين، والمعركة ليست سهلة بين الإرادة، وهذا الجناح متوغل في أركان الدولة خلال 30 عاما مضت. لديّ معلومات بأن هناك ترتيبات تُعدّ بمعرفة «لوبي» من بعض القيادات الأمنية ورجال القضاء والإعلام، لمحاولة صنع قضية «تخابر» لي، لأنني من وجهة نظر هؤلاء أشكل خطرا على وجودهم، ولأنني أقوم بواجبي بكشف الفساد، وتلك الترتيبات تعد ردا على كشف الجهاز قضية فساد مالي في وزارة الداخلية في عهد حبيب العادلي، وأحال قاضي التحقيق العادلي مؤخرًا وموظفين في الشؤون الأمنية إلى محكمة الجنايات، وردا على كشف قضايا فساد في عدد من قطاعات الدولة، وهذه المجموعات تعمل لصالح نظام مبارك، وتعمل ضد كل من هو مؤيد لثورة 25 يناير، التي أسقطت مبارك، وأنا مدرك تمامًا أن القضاء مخترق وليس من الآن، ولكن منذ عهد عبد الناصر، وكان هناك تنظيم سري داخل القضاء، والتاريخ موجود، وكان هؤلاء يكتبون تقارير في زملائهم، وعندما نرى ما يحدث في القضاء ندرك أن هذا التنظيم لم ينته، ولكن تغيرت الوجوه والمستشار الزند أداة من أدوات الدولة العميقة، التي يتحكم الأمن في مفاصلها، وهم المحركون للأحداث كلها، ولديهم نوع من الإصرار على الحفاظ على السلطة، من خلال التحكم في أي مسؤول في الدولة، إما يشوه صورته أو يلمعه، ويستخدم في ذلك الميديا، ويعمل فيها أيضا «رجالة الأمن»، كذلك له رجاله من داخل القضاء، فالقضاء «مزروع» فيه أشخاص يؤدون رسالة مثل التي يؤديها بعض الإعلاميين، فهذه الدولة التي يديرها الأمن لم تنتهِ، ولذلك أنا أدرك أن الرئيس السيسي يواجه حربا ضارية أشد فتكًا من حربه ضد الإرهاب. تعيين الزند وزيرًا للعدل رأيته مثل كل المصريين، وأنا واحد من المصريين رأى هذا الاختيار أنه من أسوأ الاختيارات وهذه ليست رؤيتي كمسؤول، بل هذه رؤية مسؤولين كثر، لكنهم يخشون الكلام، وقد أعربوا عن هذا الرأي بيني وبينهم في لقاءات ومناسبات عديدة».
الزند: رئيس الجهاز المركزي
للمحاسبات مشكوك في وطنيته
وفي حقيقة الأمر فأنا لا أجد مبررا بالمرة لأن يخلط المستشار جنينه بين قضايا فساد وضع الجهاز يده عليها، وبين التطرق إلى قضايا سياسية وتاريخية وربطها بها، وهو أمر لا يجوز بالإضافة إلى أنه يوجه هجوما عنيفا ضد الرئيس يرقى إلى درجة الاتهام المباشر بأن اختياره الزند وزيرا من أسوأ القرارات. وفي يوم الخميس نفسه نشرت «البوابة» تقريرا لزميلتنا الجميلة مريم جبل عن رد فعل أحمد الزند، وهو رجل خفيف الظل على اللقاء الذي حدث على شاشة «قناة دريم» في برنامج «العاشرة مساء» الذي يقدمه زميلنا وصديقنا وائل الإبراشي وبين المستشار هشام، وكانت معه زوجته إذ قالت مريم: «كشفت مصادر مقربة من المستشار أحمد الزند وزير العدل، أنه علق على تصريحات المستشار هشام جنينة ضده بقوله «إن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مش جديد عليه التشهير بالدولة، ودمه مش تقيل على قلبي بس ده دمه تقيل على البلد كلها ومشكوك في وطنيته». «سندرس الرد بالشكل القانوني على توجيهه اتهامات إلى وزارة العدل، بأنها تسن قوانين مفصلة بحيث تستهدف أشخاصا بعينهم». «أنا لا أعين أحدا ولا أفضل أحدا في عمله فهذا دور رئيس الجمهورية، وهو صاحب القرار الوحيد في العزل أو الإبقاء على أي مسؤول بحسب ما تفرضه المصلحة الوطنية».
اتهامات المغرضين للنيل من جنينة
تستوجب محاكمتهم
بينما علق زميلنا في «الأهرام» عبد العظيم الباسل يوم السبت على ذلك بقوله: «لا أدري لمصلحة من يحاولون إحداث الوقيعة بين مؤسسات الدولة، وأحد أجهزتها الرقابية المهمة، على نحو ما كشفه المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في حواره الجريء لإحدى الفضائيات، قالوا في عروقه دماء إخوانية، وكذب ذلك بالدليل القاطع، شكلا ومضمونا حين طالب المدعين بتقديم دليلهم. قالوا إنه ناصب المستشار الشهيد هشام بركات العداء حيا والشماتة ميتا، حين وزع المكافآت على موظفيه يوم اغتياله، وكانت المفاجأة سقوط هذه التهمة، بشهادة حرم الشهيد نفسه، التي تشغل نائب رئيس الجهاز للشؤون القانونية، وكانت على علم بكل التقارير الصادرة من الجهاز في حق الفاسدين. نسبوا زوجته لجماعة حماس الإرهابية، وأكدت من خلال الوثائق والصور الفوتوغرافية، أنها تنتمي لأسرة شديدة الولاء، ووثيقة الصلة بالزعيم المرحوم ياسر عرفات، بل أن أقرب المقربين إليها يعمل ضمن رجال السلطة المكلفة بحماية الرئيس أبو مازن حاليا. الحقائق القاطعة التي رد بها جنينة على اتهامات المغرضين للنيل من شخصه وتشويه سمعته، تستوجب محاكمة من اتهموه، وفي المقابل على متهميه أن يقدموا الأدلة التي ستقوده للمحاكمة، ولم يعد أمام السلطة المعنية سوى أن تحاكمهم أو تحاكمه حتى يتوقف اللغط حول أخطر الأجهزة الرقابية ورئيسه المستشار هشام جنينة».
هشام جنينة: 99٪ من قضاة مصر لا ينتمون لأي فكر
أما الحديث القنبلة للمستشار هشام فقد نشرته يوم السبت «أخبار اليوم» (قومية) وأجراه معه زميلنا صابر شوكت وأخطر ما فيه قوله ما هو آت: «جانب كبير للهجوم يأتي من إعلام الإخوان وحربه ضدي أخيرا، لأنني حقيقة لست ولم أكن يوما انتمي لهذا الفكر أو غيره، وهذه طبيعة تتوافر في القضاة وأكثر من 99٪ من قضاة مصر لا ينتمون لأي فكر. وأنا أتابع بنفسي الهجوم ضدي على الشبكة العنكبوتية عقابا لإعلاني تأييد ثورة شعب مصر في 30 يونيو/حزيران، وتأييد نظامنا الوطني برئاسة السيسي، فطبيعي أيضا أن يخرج هؤلاء للهجوم ضد جنينة وجهاز المحاسبات. أما غير الطبيعي فهو القضية المثيرة للغموض التي رفعها د. جمال زهران ضد هشام جنينة يطالب بعزلي بدعوي أنني لا أحارب الفساد، والتي تم تأجيلها إلى الشهر المقبل، حقيقة أصابتني بالحيرة، فالجميع يحاربونني عقابا لأنني ورجال الجهاز نعمل كثيرا في كشف قضايا الفساد، ونؤكد أننا حتى الآن حركنا أكثر من تسعمئة بلاغ في قضايا فساد موثقة بالمستندات، إلى جهات التحقيق خلال 3 سنوات من عملي في الجهاز. فانا دوري رصد المخالفات وإبلاغ جهات الدولة فقط، وليس دوري المحاكمة، فلا يصح أن يحملني أحد مسؤولية تقاعس بعض أجهزة الدولة المعاونة في تحصيل حقوق الدولة التي يكشفها رجال جهاز المحاسبات بالوثائق فليحاكموا أجهزة الدولة المتقاعسة وليس جهاز المحاسبات. وحتى الآن لم يتم تنفيذ قانون الحد الأقصى بدقة، إلا على رئيس الجمهورية وجمـــيع العاملـــين في مؤسسة الرئاسة وبعض الوزارات وأجهزة الدولة، التي تتيح لرجال الجهاز فحصهم. ومن القضاء النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة فقط.
أما الباقي فمنعونا من فحصهم. منحنا السيسي الثقة الكاملة بحفظ حقوق الدولة، بأن الفساد لن يهرب بجرائمه إلا على جثتنا. وأعلم أن السنة الباقية لي ستزيد فيه شراسة المعركة مع الفساد، ونعلم أنه لم يحدث أن تعرض رئيس أي جهاز رقابي لهذه الحملات الشرسة، والسبب أنني الوحيد الذي فتح جميع الملفات من دون استثناء، بعد أن نجح الرئيس في تنفيذ حلم قناة السويس الجديدة، فإن الحرب ستزيد عليه إن لم يعد بالنظام إلى بعض استثناءات دولة مبارك. أصبح في مصر الآن جناحان في مؤسسات الدولة، أحدهما الأقوى الذي يعاون الرئيس في تحقيق النهضة وأحلام الشعب ومواجهة الفساد، والآخر يريد العودة لاستثناءات وثغرات عصر مبارك هؤلاء هم المتحالفون مع رجال أعمال ورموز مبارك حاليا لمواجهة منظومة الإصلاح ومواجهة الفساد التي تتحقق فيها حاليا أجهزة رقابة الدولة لمنظومة واحدة وهذا هو توجه الإرادة السياسية في مصر.
قانون الإرهاب الجديد.. والعقل «الغشيم»
صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس على قانون الإرهاب الجديد المثير للجدل، من دون أن يلتفت إلى أي تحفظات من أي جهة، حتى الإعلام الذي يتغزل في وطنيته ودوره بصفة دائمة، هذا ما بدأ به جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» مقالته عن قانون الإرهاب الجديد مواصلا: «كل ما هنالك أنه ألغى ـ نظريا ـ السجن عن الصحافي، ولكنه فرض السجن ـ عمليا ـ عندما وضع غرامة فادحة على الصحافي والجريدة، تصل إلى نصف مليون جنيه، إذا نشر كلاما غير ما «يتفضل» به المتحدث الرسمي العسكري أو الأمني، وهو ما يعني عمليا إغلاق الصحيفة وسجن الصحافي، لأن تسعة وتسعين في المئة من صحافيي مصر يعيشون على حد الكفاف، وأغلبهم يعيش على الاستدانة لتوفير السكن أو نفقات مدارس الأولاد. وفي اليوم نفسه الذي وقع فيه السيسي على القانون كان يدافع ـ في نادي الجلاء للقوات المسلحة ـ عن قانون الخدمة المدنية، من دون أن يعبأ حتى بسماع غضب وأنين ورأي الآلاف من الموظفين «الغلابة» الذين تظاهروا ضد القانون قبل أسبوع في وسط القاهرة، والحقيقة التي لا تخطئها عين المتأمل في مصر اليوم أن هناك عقلا جماعيا يدير شؤون الدولة الآن بطريقة لا تمت بصلة للسياسة، عقل غشيم، يرى أنه يكفي أن ينقدح في ذهنه مصلحة محددة فيطلب من «الترزية» تفصيلها كقانون على نفس المقاس، وهناك كثيرون في انتظار التكليف دائما، ثم يرى أن أي تحفظ على شيء من هذا القانون أو الإجراء أو أي تعديل عليه هو إهانة للدولة وإضعاف لهيبة أصحاب «العقل الغشيم». قانون الإرهاب الجديد يلزمنا كصحافيين بأن ننشر ـ فقط ـ نص ما يمليه علينا المتحدث العسكري أو الأمني في ما يتعلق بالمواجهات مع الإرهابيين أو المتطرفين، وإذا نشرت أي أرقام أو معلومات أخرى غير ما يملى عليك تتعرض للعقوبة السالفة الذكر، وبطبيعة الحال لا يوضح القانون التوابع في حالة ما إذا ثبت أن الجهة الرسمية كانت معلوماتها غير صحيحة أو مضللة….»
إتقوا الله في المسجونين
ومن «المصريون» إلى «الشروق» ومقال الكاتب فيها نجاد البرعي الذي عنونه بـ«إتقوا الله» ومالذي يقول فيه: «كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيا أو معنويا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيا وصحيا.. ومخالفة شيء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون» كان ذلك نص المادة 55 من دستور مصر الذي تباهي به وزارة الخارجية الأمم في الخارج، وهو يتعرض لانتهاك منتظم وغير مسبوق في الداخل. لا يمكن اعتبار الأوضاع في السجون وأماكن الاحتجاز لائقة إنسانيا وصحيا. توفي عاصم دربالة ومن قبله مرجان سالم الجوهري وقبل هؤلاء جميعا فريد إسماعيل وغيرهم، نتيجه أمراض كانوا يعانون منها، ولم يتم تقديم رعاية صحية مناسبة لهم. في تقرير أصدره مركز النديم في يونيو/حزيران الماضي قال: «إن هناك 97 حالة وثقها تشكو من الإهمال الطبي». الأسبوع الماضي توفي ثلاثة محتجزين في قسم أول شبرا الخيمة. نقلا عن «اليوم السابع» فإن تقرير النيابة العامة عن مكان احتجاز هؤلاء الضحايا يقول بأن «غرف الحجز غير آدمية وبها أعداد تفوق الحد الأقصى المسموح به لحجز المساجين، وتبين وجود شفاط واحد في كل غرفة حجز وبعضها لا يعمل، وغرفة الحجز التي توفي فيها المحتجزون عبارة عن 5 أمتار في 4 أمتار ويوجد فيها 42 متهما، وفيها حنفية مياه واحدة ودورة مياه غير آدمية، وأن فيها روائح كريهة وصعوبة في التنفس؛ من قبل قال المجلس القومي لحقوق الإنسان إن «التكدس في أماكن الاحتجاز في أقسام الشرطة وصل إلى 400٪ وفي السجون وصل إلى 150٪ ». الأوضاع السيئة في أماكن الاحتجاز لا يمكن حلها بالتنصل من المسؤولية وإلقائها على عاتق «الحرارة الشديدة» أو بحلول غير ذات معنى من قبيل «توزيع المياه مجانا على المسجونين»! الوضع يشكل وفي بعض جوانبه جرائم جنائية يمكن ان تلاحق البعض غدا، إن تعذر ذلك اليوم. على النيابة العامة أن تتوقف وفورا عن الإسراف في استخدام سلطتها في الحبس الاحتياطي وأن تستخدم تدابير احترازية أخرى مما نص عليها القانون تبدأ من الإفراج بالضمان المالي إلى الإلزام بالإقامة في منطقة معينة وحتى المنع من السفر كإجراء بديل ومناسب وقانوني؛ فضلا عن إعادة النظر في الموقف القانوني للمحبوسين احتياطيا. يجب البدء في تطوير عيادات السجون كي تكون قادرة على تقديم رعاية صحية حقيقية لمن يحتاجها من المحتجزين. عندما صدر قرار بنقل الرئيس مبارك إلى مستشفى سجن طرة جرى تطوير المستشفى لضمان تقديم رعاية صحية مثالية له، لا يجب معاملة أي مسجون بأقل من ذلك. يمكن لصندوق «تحيا مصر» أن يستثمر في بناء عدد من المستشفيات التي تخدم مناطق السجون المختلفة، والمجتمع المحيط بها. دخلت امرأة في هرة النار، لأنها حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من رزق الله، فكيف بمن يترك المحتجزين يموتون مرضا او اختناقا.. اتقوا الله».
حسنين كروم