الحكومة تؤجج نار الاهتمام بالأحداث البسيطة لإلهاء الناس عن خطاياها؟… والتعليم الخاص «دجاجة تبيض ذهبا»

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» : لا زال الموقف على حاله كما عكسته صحف أمس الأربعاء 19 أغسطس/آب، الغالبية الساحقة في واد والنخب والسياسيين والصحافيين والإعلاميين في واد آخر تماما.
فلم تبد الأغلبية اهتماما بالمشروعات الضخمة التي بدأ العمل فعلا في تنفيذها، وستؤثر على مستقبلها، خاصة في شرق قناة السويس، وستتضمن استيعاب أعداد كبيرة من العمالة وإتاحة فرص عمل لمئات الشركات، وما حملته التصريحات الحكومية من تأكيدات على أن الدولة سيكون لها وجودها القوي في هذه الأعمال، وتملك نسبا من المشروعات حتى لا تذهب معظم فوائدها إلى غير المصريين.
كما لم تجتذب اهتمامات الأغلبية أعمال المؤتمر العالمي الذي نظمته دار الإفتاء تحت عنوان «الفتوى إشكاليات الواقع وآليات المستقبل»، وحضره ممثلون عن خمسين دولة، واهتم الرئيس السيسي بالمدعوين وتحدث عن أهمية إزالة الصورة السيئة لدى العالم عن المسلمين، بسبب الإرهاب. أيضا لم تجتذب أنباء الضربات القوية التي توجهها القوات المسلحة للإرهابيين في شمال سيناء اهتمامات الأغلبية، والشيء نفسه بالنسبة لاستعدادات الأحزاب والشخصيات العامة لانتخابات مجلس النواب. الناس باختصار لم تعد تطيق سماع أو متابعة أي شيء سياسي، وإنما أخبار الحر وعدد الضحايا الجدد وعدم قدرة المستشفيات على مواجهة أعداد المصابين، وأخبار المرحلة الثالثة للقبول في الجامعات وتوزيع الشقق الجديدة. كما أن القطاع الخاص ورجال الأعمال في حيرة من يمولون من الأحزاب والمرشحين، ومعظمهم في انتظار إشارة من الدولة تكشف عن رضاها على مجموعة أو شخصيات معينة، في ما عدا رجال أعمال حزب المصريين الأحرار ورؤوف غبور، كما أنهم يحاولون تفسير قرار لجنة التحفظ على أموال الإخوان بالتحفظ على أموال رجل الأعمال وأكبر مساهم في شركة «جهينة» لمنتجات الألبان، وما أظهرته الدولة متعمدة بأن أحدا منهم لن يكون بعيدا عن إجراءاتها إذا ما اعتقد أنه قوة فوق الدولة، حتى لو كان مدعوما من جهات مالية وعدم اهتمامها بآثار مثل هذه الإجراءات على الاستثمار. وإلى شيء من أشياء لدينا…

الشيخ إبراهيم البدري:
الحر ابتلاء من الله

ونبدأ بالقضية الأهم بالنسبة للأغلبية الساحقة والحكومة معا، وهي موجة الحر الشديدة التي تجتاح البلاد وتنافس الإرهاب في إسقاط الضحايا والمصابين، الذين يتم نقلهم للمستشفيات، والتحذيرات المتواصلة للشعب من عدد من الوزارات، مثل الكهرباء التي تطالب بتخفيف الأحمال، رغم صمود محطاتها في هذا الامتحان العسير إلى حد كبير، ونصائح وزارة الصحة لتجنب ضربة الشمس، التي تؤدي إلى الموت، لكنها لم تحسب حسابا آخر لآثارها غير الموت، مما يؤكد أننا دولة لا تخطط للمستقبل.
فقد أخبرنا أمس زميلنا الرسام في «الأهرام» فرج حسن أنه كان يسير في أحد الشوارع أثناء الظهيرة فشاهد مشهدا عجبا، شاهد شابا واقفا تحت أشعة الشمس، وبدلا من أن يقع على الأرض ويغمى عليه أو يتوفاه ربك، فإنه أخذ يزداد طولا بينما أمه تصرخ في الموبايل مستعينة بالإسعاف وتقول:
– ألو الإسعاف؟ ألحقونا الواد أتمدد بالحرارة.
لكن الأم المسكينة لم تكن على معرفة دينية كافية بأسباب هذه الموجة الحارة، رغم أن الشيخ إبراهيم البدري، إمام مسجد عمر بن الخطاب في الإسكندرية تفضل في يوم الثلاثاء وأوضحها في مقال له في جريدة «عقيدتي» الدينية التي تصدر كل ثلاثاء عن مؤسسة دار التحرير القومية، التي تصدر عنها «الجمهورية» و»المساء» أخبرنا بما هو آت عما سيلاقيه بعضنا يوم القيامة: «نعيش هذه الأيام موعظةً بليغة ودروسًا عظيمة، يشهدها الأعمى والبصير، ويدركها الأصم والسميع، إلاّ أنها لا تُؤتي أُكلها إلاّ حين تصادف من كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. مَن مِنا الذي لم يؤذه حر الصيف، ولا لفحت وجهَهُ سَمومُه؟! كلنا وجد من ذلك نصيبًا قلّ منه أو كثر، فمن أين يأتي هذا الحر؟ وما مصدره؟ أقول لكم كما قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في ما رواه الإمام بن ماجة في سنته، «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نَفَسين: نَفَس في الشتاء، ونَفَس في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها». شدة الحر التي يجدها من وقف حاسر الرأس حافي القدمين في حرِّ الظهيرة، ما هي إلاّ نَفَسٌ من فيح جهنم وقد ورد في ما رواه الشيخان في صحيحهما، أن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قال: «إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة أي أخروها إلى أن يبرد الجو فإن شدة الحر من فيح جهنم، يا من لا يصير على وقفة يسيرة في حر الظهيرة كيف بك إذا دنت الشمس من رؤوس الخلق وطال وقوفهم وعظم كربهم واشتد زحامهم؟». ويقول المقداد بن الأسود في ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، سمعت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يقول: «تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى يكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، منهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما»، وأشار الرسول إلى فيه «أحبتي في الله قد يكون الحر ابتلاء من الله وقد يكون عذابا يعذب الله به من يشاء من عباده».

آثار موجة الحر
على المصلين في المساجد

ومعنى كلام الشيخ إبراهيم البدري أن الذين توفوا بسبب الحر تلقوا عقابا إلهيا بينما الذين أصيبوا وتم علاجهم ابتلاء من الله، ولم تقف آثار الموجة الحارة على الوفيات والإصابات فقط ولكن كانت لها آثار أخرى يصعب احتمالها، وهي أن كثرة العرق تفرز رائحة كريهة فإذا ذهب صاحبها لأداء صلاة جماعة في المسجد فكيف يمكن التصرف معه؟ كان ذلك سؤال نشرته «عقيدتي» أيضا في صفحة الفتاوى بعنوان «إسألوا أهل الذكر» فقد أرسل المواطن المؤمن الذي يواظب على صلاة الجماعة هيثم الحقيق من مدينة المحلة الكبرى في محافظة الغربية يسأل:
«- في هذا الحر الشديد نجد رائحة العرق الكريهة من بعض المصلين فماذا تنصح فضيلتكم؟ ورد على سؤاله الشيخ سعد الشهاوي مدير الأوقاف في المحافظة قائلا: يجب على كل مصل فيه رائحة يتأذي منها المصلون ويمكن أن يزيلها أن يزيلها، سواء كانت هذه الرائحة بسبب مخالطة بهيمة الأنعام بالبيع، أم القيام عليها، أم بسبب اتساخ الثياب أم بسبب قلة الاغتسال والعرق الكثير فيجب عمل ما من شأنه إزالة الرائحة، سواء بتبديل الثياب أو الغسل أو غير ذلك. والجماعة في المسجد يجتمعون للصلاة لا يحل لأحد منهم أن يؤذي غيره بقول أو بفعله أو حتى برائحته. وحتى لا يؤذي الملائكة فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم، رواه مسلم، فهم يتأذون من الرائحة الكريهة والأقذار والأوساخ. وفي رواية النسائي عن عائشة «رضي الله عنها» قالت: كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم فيتأذى بها الناس، فذكر ذلك رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فقال: أو لا يغتسلون؟» أخرجه النسائي.

معركة عكاشة

ومن معركة الحر واختلاف الآراء في أسبابه إلى استمرار الخلافات في قضية إلقاء شرطة تنفيذ الأحكام القبض على الإعلامي وصاحب قناة «الفراعين» توفيق عكاشة وتنفيذ الحكم القضائي لصالح زوجته الأولى الإعلامية رضا الكرداوي، التي قال عنها في «المصري اليوم» يوم الثلاثاء زميلنا في «الأخبار» عزت القمحاوي وقد استبد به غضب شديد: « كان بوسعنا استقبال حكاية توفيق عكاشة ومطلقته بوصفها فاصلاً كوميديًا صالحًا للترطيب على القلوب في زمهرير أغسطس/آب القاتل، لولا أن الأمر يتعلق بالحالة القانونية في الدولة وشرعية الحكم. الرجل الشهير كالنار على رأس جبل دخل السجن تنفيذًا لحكم بالسب والقذف صدر لصالح مطلقته، بينما أشارت النيابة إلى وجود أحكام سابقة بحقه في قضايا تبديد منقولات ونفقة للمطلقة. الأسوأ من امتناعه عن النفقة هو استخدامه منصته الإعلامية للتشهير بمطلقته وزميلته السابقة، واستخدام السيدة للمنصات الأخرى للتشهير به. وهذا عار وشنار إعلامي يمكن التغاضي عنه مؤقتًا واعتباره نوعًا من الكوميديا، لأن الدنيا نار، ومثلها أسعار الآيس كريم والمرطبات.
ولكن! على مسافة من هذه الكوميديا، تقاطعت القضية مع هيبة الدولة وشرعية الحكم بطريقة درامية تدعو إلى الخوف. رفيقة السباب في قناته الخاصة خاضت حربها المقدسة دفاعًا عنه، مؤكدة أن القبض عليه تم بسبب توجيهه انتقادات لوزير الداخلية، ومثلها قالت أنثاه السابقة التي أبدت استغرابها من تحرك الداخلية لتنفيذ الحكم الأخير بينما تقاعست عن الأحكام السابقة. وطالما كان الأمر كذلك، فلا القانون ولا الداخلية كافيان للقصاص لها ولطفلها؛ فناشدت الرئيس أن يزورها، ليصافح ابنها يوسف، ويرفع عنه الإهانة. لكن هذا لم يكن فقط كل ما نال المقام الرئاسي، إذ تفتق ذهن أحد المواقع الإلكترونية عن عنوان لوذعي: «لماذا غدر السيسي بعكاشة في ذكرى فض رابعة».
اختلط الحابل بالنابل مع الصائد بالمتفجرات. وتحرك اثنان من العُتُلات: مرتضى منصور ومصطفى بكرى وقابلا وزير الداخلية لطلب الإفراج الصحي عن عكاشة.
وكان أمام الوزير سببان لرفض المقابلة: أولهما البعد عن الشبهات والحفاظ على هيبة الدولة، طالما خاضت الأطراف فى سمعة الداخلية ونالت من نزاهتها، والسبب الثاني المنطقي هو أن وزير الداخلية لا يستطيع أن يتفرغ لقضايا الطلاق والخلع التي تتجاوز المئة وخمسين ألفًا سنويًا. لكن لا الاحتياط السياسي نفع ولا الاحتياط المهني، واستقبل الوزير ضيفيه. وبعد اللقاء صرح مصطفى بكري بأن المقابلة التي استمرت ساعتين انتهت بتفهم الوزير لحالة عكاشة الذي يعانى الضغط والسكر، ووعد بتشكيل لجنة طبية لبحث حالته. ولا يحتاج المشاهد العادي لكثير من الذكاء لكي يعرف أن الرجل يعانى من الداءين وأكثر؛ فدمه «اللي زي العسل» يؤكد أنه يعاني من السكر، والعصبية التي يُمثل بها دور العمدة سليمان غانم فلا تنم إلا عن ضغط الدم أو عسر الهضم.»

انشغال الناس بزواج المشاهير وحبسهم!

وإذا تحولنا من «المصري اليوم» وذهبنا إلى «التحرير» سنجد في يوم الثلاثاء ذاته زميلنا وصديقنا الناقد الفني ناصر عراق يقول في عموده اليومي «حتى نلتقي»: «السيد توفيق عكاشة والفنان سعيد طرابيك تصدرا الاهتمام بشكل غير مسبوق، وَفقًا لما نُشر عن أهم الأحداث التي انشغل بها المصريون في الأيام الأخيرة، ماذا يعني ذلك؟ هل هجر الناس الاهتمام بالسياسة وما يستجد بها بعد أن ضجروا من ألاعيب الحكومات وجرائم الإرهابيين؟ هل اكتشف الناس أن الانشغال الكبير بالسياسة التي نهبت عقولهم طوال خمس سنوات تقريبًا لم يحقق لهم الحدود المعقولة من الآمال المرجوة؟ هل أيقن الشعب – خصوصًا الشباب- أن جماعات الإرهاب مصيرها إلى زوال وأن الحكومة تسير في طريقها الصائب في التعامل مع هذه الجماعات، ومن ثَمَّ فلا داعي للانشغال بتفجير هنا أو قانون إرهاب جديد يصدر هناك؟ اللافت أيضًا أن الاهتمام الشديد بعكاشة وطرابيك تقف وراءه امرأة، فالأول حصد اهتمامًا كبيرًا لأنه محبوس بعد أن سبّ طليقته، والثاني تربَّع على قائمة الأكثر بحثًا على «غوغل»، لأنه فعلها وتزوَّج فتاة تصغره بعقود، وهو في الرابعة والسبعين من عمره، أي أن المرأة هي التي أشعلت حماسة الملايين الذين تابعوا الحدثَين، لكن أليس للحكومات دور في تأجيج نار الاهتمام بالأحداث البسيطة عسى أن يتلهى الناس عن خطاياها؟ أكرر ندائي إلى علماء الاجتماع عسى أن يكتشفوا السر الغامض الذي يدفع المصريين إلى هجر الأمور الجادة والانشغال الشديد بزواج المشاهير وحبسهم!

عكاشة يمتلك شعبية واسعة

لا.. لا صديقنا ناصر يصور الأمر وكأنه يشك في مؤامرة تديرها الحكومة لإلهاء الناس وكأنها التي اتفقت مع سعيد طرابيك على زواجه، ومع عكاشة على الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية حتى يتم حبسه والاهتمام به. وعلى كل ففي العدد نفسه من «التحرير» كان لزميله نبيل عمر رأي آخر عبر عنه بالقول في عموده اليومي «أوراق خاصة»:
«لا أعرف هل هي مصادفة أن يكون اسم الأستاذ عكاشة قريبا من عماشة أم لا، وعماشة شخصية سينمائية ساخرة، لعبها الفنان محمد رضا في عدد كبير من أفلامه هي أقرب إلى «أبو العريف»، الذي يتصور أنه يفهم في كل شيء، وعنده كل المفاتيح لأي معضلة وكان فيلم «عماشة في الأدغال» غطاء لعملية تفجير الحفار «كيتنج» في غرب أفريقيا، وهو الحفار الذي استأجرته إسرائيل للبحث عن النفط في خليج السويس بعد احتلالها سيناء في يونيو/حزيران 1967، وكانت تريد مرمغة كرامة مصر في التراب، بأن تسرق نفطها أمام عينيها، وهي عاجزة عن أن تفعل شيئا، وسافرت معدات التفجير وأجهزة الغطس مع بعثة الفيلم إلى نيجيريا لتنفيذ العملية، باختصار لعب عماشة دورا وطنيا، كما أن الأستاذ توفيق عكاشة يلعب دورا وطنيا، لكن قضية حبس الأستاذ توفيق عكاشة الحالية لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالسياسة، ولا بالإخوان، ولا بالحزب الوطني، وكان من أعضائه، ولا بالإعلام أو ديونه لمدينة الإنتاج، وإنما بقضايا شخصية صرف، محكوم عليه فيها نهائيا بالحبس والغرامة، وصاحبة الحكم تطارد أجهزة الدولة بالتنفيذ من فترة طويلة، حتى أجبرتها على التنفيذ، لاسيما وهى إعلامية معروفة. ولا أنكر أن الأستاذ عكاشة له شعبية في الريف المصري، وقد رأيت ذلك بنفسي، وأعرف قاهريين متعلمين يتابعونه بشغف، ويصفونه بأنه أكثر إمتاعا من أي برنامج كوميدي، لأن الأستاذ عكاشة صادق جدا في تصوراته عن نفسه والآخرين، والكوميديا تنشأ من المسافة الشاسعة بين التصور المبالغ فيه والواقع المحدود والمدهش أن مقدار الإعلانات في برنامجه أقل كثيرا مما يستحق حسب نسب مشاهدة برامج التوك شو، وهو ما يشي بأنه لا يعرف دهاليز وكالات الإعلانات وأساليبها في الدعاية وصناعة النجوم من الوهم، وأنه رجل طيب وعلى نياته، وليس على الصورة التي قد تنقل عنه من برامجه. المسألة قانون في قانون، يجب ألا تتدخل فيها الواسطة ولا المحسوبية ولا اسم المقبوض عليه، ولا مقابلات بين شخصيات عامة ووزير الداخلية. إلا أن الحل في يد عكاشة نفسه وصاحـــبة الحكم عليه هذه هي قضية الأسبوع في مصر.. تخيلوا..».

السيسي والانتخابات

رغم اقتراب موعد فتح باب التقدم للترشح لانتخابات مجلس النواب آخر الشهر الحالي ومعارك وخناقات الأحزاب والسياسيين والمثقفين، ورغم وصول عدد الأحزاب المسجلة إلى ما يقارب السبعين حزبا، إلا أن الغالبية غير مهتمة، رغم أنها التي ستصوت لهذا أو لذاك، ورغم المناوشات المستمرة للرئيس السيسي بما له من تأثير على الغالبية، بأن تحسن الاختيار لأن المجلس المقبل هو الأخطر وعدم اهتمام الغالبية بنداءات الرئيس، رغم ثقتها فيه سببها أنه يعلن باستمرار بأنه غير حزبي ولا يوجد مرشحون له، ولا يدعم حزبا معينا أو قائمة حزبية، وعلى مسافة واحدة من الجميع، فإنه أوقع الناخبين في مشكلة الاختيار على أساس الانتماء السياسي أو الحزبي، ويبقى الاختيار على أساس العائلة أو القبيلة والعائلة في مناطق، أو العلاقات الشخصية والعمل الخيري، أي المال السياسي، أي أن هناك مشكلة أخرى تسبب فيها موقف الرئيس، اللهم إلا إذا أعطى قبل بدء التصويت إشارات مؤكدة، وإن كانت غير مباشرة على ميله لحزب أو تجمع حزبي معين وهو ما أشك فيه أيضا.

معركة داخل حزب الدستور

أما أبرز ما نشر عن الأحزاب واستعداداتها، فكان أوله لزميلنا وصديقنا في «الأهرام» رئيس مجلس أمناء حزب «المصريين الأحرار» الدكتور أسامة الغزالي حرب في عموده اليومي «كلمات حرة» عن الأزمة في حزب الدستور واستقالة رئيسته هالة شكر الله: «لا أحب أن أتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب، ولكن من حقي بل ربما من واجبي أيضا أن أشعر بعدم الارتياح إزاء المعركة التي أخذت أنباؤها تشيع بين د. هالة شكر الله رئيسة حزب الدستور، وبين مجلس حكماء الحزب، أولا لأن حزب الدستور هو حزب ديمقراطي اجتماعي مثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي يرأسه د. أبو الغار، وتلك نوعية من الأحزاب تثري الحياة الحزبية التنافسية في مصر. والسبب الثاني هو وجود سيدة بثقل د. شكر الله على رأي الحزب وذلك أمر يستحق التشجيع والمساندة، إنني أتمنى أن يعبر الدستور أزمته بسرعة ونحن مقبولون على انتخابات أولى باهتمام الحزب وتركيزه ووحدته».

أبو هشيمة يمول حزب «مستقبل وطن» بمئتي مليون جنيه

وفي يوم الخميس الماضي نفسه نشرت «البوابة» تحقيقا صغيرا لزميلنا سمير عثمان جاء فيه: «كشفت مصادر داخل حزب «مستقبل وطن» الذي يترأسه محمد بدران عن المبلغ الذي رصده رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، الممول الرئيسي للحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وأكدت المصادر أن المبلغ وصل إلى مئتي مليون جنيه يشارك في دفعها رجل الأعمال محمد منصور صاحب معارض «منصور شفيروليه»، ورجل الأعمال فرج عامر صاحب مجموعة شركات «عامر جروب»، وهما من ممولي الحزب، لكن الدعم الأكبر يقدمه أبو هشيمة. إن أبو هشيمة الذي يعد صاحب القرار داخل الحزب سيدفع بمئتي مرشح على مقاعد الفردي، بالإضافة إلى ثمانية عشر مرشحا تم التوافق مع قادة قائمة «في حب مصر» على خوضهم الانتخابات تحت رايتها. إن رجل الأعمال استطاع خلال الأسبوع الماضي ضم عدد من المرشحين مقابل مبالغ مادية كبيرة» .

محترفو التسلق والمتاجرة
في السياسة يتصيدون الأحزاب

ولمن لا يعلم فإن محمد بدران كان رئيسا لاتحاد الطلاب وظهر مع الرئيس السيسي على الباخرة المحروسة أثناء احتفال افتتاح القناة الجديدة، ما دفع زميلنا في مجلة «البوابة» محمد عبد اللطيف لأن يقول يوم الاثنين: «رغم أن وجود محمد بدران في المشهد فتح عليه أبواب الجحيم، مثلما حدث مع محمود بدر قبل ذلك، لكن في الوقت ذاته ظهوره بجوار الرئيس جعل حزبه قبلة يقصدها محترفو التسلق والمتاجرة في السياسة من أجل الوجاهة، راغبو الحصول على الحصانة البرلمانية فهؤلاء رأوا في الحزب أنه الأقرب لدوائر صناعة القرار، فهرولوا إليه، وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي الذي يقف خلف ما جرى تداوله في أروقة الأحزاب ومنح مزاد المقارنات بين محمود بدر ومحمد بدران».

صفوت النحاس: الحزب يموله أعضاؤه

ولابد من التذكير بأن «البوابة» جريدة يومية، ويوم الاثنين نتحول إلى المجلة وزيادة سعرها إلى ثلاثة جنيهات، بينما سعر النسخة اليومية جنيه ونصف الجنيه، وهي قريبة جدا من حزب الحركة الوطنية الذي يترأسه الفريق أحمد شفيق، وكان الحزب قد شهد مشاكل، سواء في استقالة شفيق ثم تجميدها أو استقالة أمينه العام صفوت النحاس، وكان رئيسا لجهاز التنظيم والإدارة في عهد مبارك، ومن قيادات الحزب الوطني، وقد نشرت له «اليوم السابع» يوم الأحد الماضي حديثا أجراه معه زميلنا مصطفى الجمل، كان أبرز ما جاء فيه: «طُرح علينا أن ندشن ائتلافا مع عمرو موسى والسفير محمد العرابي والدكتور السيد البدوي، وحزب المؤتمر الذي كان يضم حزب الحرية، أعلنا ائتلافا داعما للدستور يضم أربعين حزبا، وبعد ذلك أعلنا ائتلافا ضم نقابة العمال والفلاحين وحزب المؤتمر والغد والتجمع والحركة الوطنية ومصر بلدي، في اللحظات النهائية بعض الأحزاب خرج وانضم لائتلاف في «حب مصر» ومع ذلك استمررنا وجهزنا أربع قوائم، وكان لدينا مئتان وثلاثون مرشحا، لم يكن معنا تيار الاستقلال أو الوفد لأن مرشحيهم كانوا موجودين في دوائر مرشحينا نفسها، حزب النور أولا هو يمثل التيار السلفي بالكامل ويملك نقطتي قوة بالنسبة للعمل الوطني، أولهما أنه كان مشاركا في 30 يونيو/حزيران ونظم مؤتمرات داعمة للدستور والرئيس لم ينظمها حزب في «حب مصر»، ولكن هناك أفكارا سلفية متطرفة عليهم أن يعلنوا موقفهم منها، وبالطبع منهم من يتواصل معي كالدكتور بسام الزرقا عضو المجلس الرئاسي للحزب وزوج نجلته نادر بكار والدكتور صلاح عبد المعبود منافسين في الدائرة، وحال إعلان الحزب موقفه من الأفكار المتطرفة ستنتفي أي حجة لعدم التواصل معهم، فهم لم تتلوث أيديهم بالدماء، أحمد عز لم يتواصل معي ولكن دعني أقول لك أن أحمد عز قدم ما لم يقدمه أحد لدائرته، ولك أن تسأل أهالي دائرته، وليست هناك بوادر تنسيق بيننا وبين عز وإن نسقنا فسيكون بناء على الأرضية التي نعمل عليها وهو دعمنا للدولة والرئيس السيسي. أقسم بالله العظيم الحزب يموله أعضاؤه بشكل مباشر، حتى أن مرشحينا لم ندعمهم برواتب شهرية كغيرنا الذين يصرفون مبلغ خمسين ألف جنيه كراتب شهري لمرشحيهم، ولكننا نبحث خلال الفترة تدعيم الحزب ماليا عبر برامج واضحة وللعلم فرطنا في إقامة فعاليا كثيرة بسبب قلة الموارد» .

لا أرباح للخاسرين

وننتقل الآن إلى «الشروق» عدد يوم أمس الأربعاء ومقال رئيس تحريرها عماد الدين حسين وقوله: «مثل التعليم والصحة، فإنه من دون إصلاح الجهاز الإداري المترهل فلا أمل يرجى من أي محاولات للإصلاح والتقدم مهما كانت النوايا طيبة، نحن الآن جميعا مشغولون بالجدل المثار بشأن قانون الخدمة المدنية، الحكومة تقول إنه خطوة ثورية للإصلاح والتطوير، وبعض العاملين يقولون إنه سيضر كثيرا بأوضاعهم ومرتباتهم وحوافزهم. اليوم نركز على نقطة أعتقد انها جوهرية وتتعلق بفكرة الثواب والعقاب، والمساءلة والمحاسبة. من دون وجود ذلك، فلن يكون هناك التزام أو إنتاج. «الحال المايل» وصل إلى درجة لا يمكن أن يتصورها عقل في بعض المؤسسات الحكومية
قبل ايام كنت في إحدى هذه المؤسسات الحكومية وأقسم لي أحد مديري الإدارات فيها أنه لا يستطيع أن يلزم بعض السائقين بالعمل وأنه يضطر إلى ملاطفتهم ومحايلتهم والطبطبة عليهم حتى يؤدوا جزءا من العمل، وعندما سألته عن سبب هذا الوضع المقلوب أجاب أن الانفلات وصل إلى حد لا يمكن تصوره.
هذه المؤسسة ومثيلاتها تحقق خسائر سنوية متزايدة، يتحملها دافعو الضرائب، والغريب أن موظفيها يتظاهرون مرارا وتكرارا للمطالبة بالحصول على الحوافز والأرباح! بل العجيب أنهم حاولوا أكثر من مرة الاعتداء على كبار مسؤوليهم لأنهم طالبوهم بوقف الخسارة أولا قبل التفكير في صرف الأرباح.
أدرك جيدا أن بعض السياسات الحكومية الكارثية، وهناك قيادات إدارية عينتها الحكومة لعبت دورا في تخسير وإفشال العديد من المؤسسات والشركات، وبالتالي فلا يمكننا إدانة الموظفين فقط، لكن للأسف نحن وصلنا إلى درجة أن المنظومة بأكملها لم تعد قادرة على العمل ولو بمنطق «مشى حالك».
المشكلة في مصر صارت ذهنية وتتعلق أساسا بأن بعض العاملين يعتقد أن من حقه أن يتقاضى أجرا من غير عمل أو إنتاج كاف، وتصل الجرأة بالبعض إلى المطالبة بحوافز وأرباح وهو لا يعمل وشركته أو مصنعه يخسر. نحتاج أن نعيد تعريف الاشياء البديهية، ونعلم الناس أن الاجر ليس مقابل العمل فقط، بل مقابل الإنتاج، وأن نعلمهم ما تعلمناه ونحن صغار بأن «من جد وجد» و«من زرع حصد».

الاستثمار في التعليم

وأخيرا إلى «اليوم السابع» ومقال الكاتب فيها دندراوي الهواري وقوله: « كنت في ضيافة العالم الكبير الدكتور أحمد زويل، بجانب عدد من الزملاء الأعزاء، صحافيين وإعلاميين، يوم الجمعة الماضي، وذلك في حلقة نقاشية في منزله. المناقشة كانت مفتوحة، وغير محددة المحاور، وبدون سقف، والرجل فتح صدره، وأجاب عن كل الأسئلة المطروحة عليه بكل وضوح وشفافية، ولم يناور أو يتهرب من الإجابة عن أي سؤال طرحه عليه الزملاء الأفاضل. ومن بين ما فجّره الدكتور زويل في الحلقة النقاشية الرائعة قنبلة أن الاستثمار في التعليم الخاص في مصر يحقق أرباحًا طائلة، ربما تصل أو تتجاوز الأرباح التي تحققها تجارة المخدرات أو السلاح. الرجل كشف هذه الحقيقة المرة، وكان يعتصره الألم، حزنًا على أن التعليم الخاص تحول في مصر إلى دجاجة تبيض ذهبًا، ولا تقدم منتجًا تعليميًا على المستوى اللائق. الحقيقة ما فجره الدكتور زويل أمر لافت، ولابد من الوقوف أمامه كثيرًا، ولا ندعه يمر مرور الكرام، بل يجب على الحكومة أن تقيم الدنيا ولا تقعدها، وتتدخل وتتأكد من جودة التعليم الخاص، ومن المكاسب الضخمة، وهل تدفع ضرائب توازي هذه المكاسب التي تفوق أرباح تجارة السلاح والمخدرات؟ الحقيقة الكاشفة أن الجامعات والمعاهد الخاصة في مصر بعيدة عن قائمة أفضل 500 جامعة على المستوى العالمي، بُعد السماء عن الأرض، ولم تدخل أي جامعة خاصة في القائمة منذ أن ظهرت هذه المسابقة للنور، والجامعة الوحيدة التي دخلت القائمة هذا العام على سبيل المثال، جامعة القاهرة، الحكومية المجانية. ومادامت الجامعة المصرية الوحيدة التي دخلت قائمة أفضل 500 جامعة هي جامعة القاهرة الحكومية المجانية، فإن الجامعات الخاصة ليست على مستوى نظيراتها الحكومية في تقديم خدمة تعليمية لائقة تتوازى مع المصروفات الضخمة التي تتحصل عليها من الطلاب سنويًا. الجامعات الخاصة تدفع بآلاف الخريجين كل عام في مختلف التخصصات، غير مؤهلين، ولا يتمتعون بأي مهارات، ويواجهون متاعب شديدة في اقتحام سوق العمل، ومن ثم فإن الجامعات والمعاهد الخاصة لا يعنيها إلا تحصيل الملايين من الطلاب سنويًا، وتحقيق ثروات طائلة، ولا تنفق بالقدر الكافي في تطوير العملية التعليمية برمتها من الأستاذ للمعامل والمدرجات، وحتى التدريب العملي بعيدًا عن النظري. كارثة كبرى.. أن تحقق أرباحًا ضخمة من التعليم، ومن المعلوم بالضرورة أن كل الجامعات والمراكز البحثية في مختلف دول العالم لا تحقق أرباحًا مثلما يحدث في مصر، لكنها تحقق هامشًا بسيطًا من الربح، في الوقت الذي تهتم فيه بتطوير العملية التعليمية باعتبارها استثمارًا في بناء العقول، الذي يعد الركيزة الأساسية للأمن القومي المصري».

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية