كنت أستعدّ لتقديم كتاب سالم شاكر، الموسوم بـ»الأمازيغ وقضيّتهم في بلاد المغرب المعاصر»، عندما اطّلعت على تصريح رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال: «اللغة العربيّة هي مرجعيّة دستوريّة وحضاريّة وثقافيّة ومبدأ تمّ الفصل فيه نهائيا، إلى جانب اللغة الأمازيغيّة التي تعتبر لغة ينبغي تطويرها وتعميمها في إطار تحصين الوحدة الوطنيّة». وتأكّد لديّ أنّ المسألة اللغويّة في الجزائر تكاد لا تُحسم، حنّى تطفو من جديد.
صدر هذا الكتاب في طبعته الفرنسيّة الأولى عام 1989 وهو في الأصل مجموع محاضرات ومقالات، مدارها على الهويّة الأمازيغيّة لغة وثقافة. ثمّ نقله إلى العربيّة حبيب الله منصوري، وصدر عن دار القصبة للنشر بالجزائر 2003. وأقدّر أنّ القضايا التي يطرحها ـ وإن لم تبرأ من شبهة سياسيّة أو إيديولوجيّة بما في ذلك قضيّة اللغة ـ لا تزال تحتفظ بحيويّتها، في بلد نعرف جميعا الويلات التي تكبّدها طوال الحقبة الاستعماريّة؛ من أجل استقلاله وهويّته. المسوّغ في ترجمة هذا أنّ أكثر الكتابات المخصوصة بـ»القضيّة» الأمازيغيّة، صيغت بالفرنسيّة، ووضع هذه اللغة في الجزائر لم يعد كما كان خلال العقود القليلة الماضية؛ فقد أصبحت العربيّة ـ مع تعريب التعليم ـ تجاذب الفرنسيّة مكانتها، بل صار لها الصدر دون سائر اللغات. ومن هنا كانت الحاجة ماسّة، إلى طرح الموضوع بالعربيّة؛ وقد صار أكثر الشباب الجزائري يتقنها ويديرها على لسانه بكثير من اليسر والسهولة. ذلك أنّ استعمال اللغة الفرنسيّة يحول ـ كما يقول المترجم ـ دون اطّلاع القارئ بالعربيّة، على حقيقة «القضيّة» الأمازيغيّة، وجذورها وأهدافها الحقيقيّة؛ وهي غالبا ما تصل إليه مشوّهة بالعربيّة، بل مخيفة في بعض الأحيان، وشبح «الانفصاليّين الأمازيغ» في منطقة القبائل وغيرها، ليس بعيدا.
ولعلّ مردّ التشويه إلى مصطلحات غير دقيقة أو هي مشحونة بجملة من المعاني التنقّصيّة، مثل المصطلح «بربري» وما يحويه من خلط في الاستعمالات اللغويّة عندنا؛ فـ»برْبرَ» تعني الكلام بلا منفعة والصياح في غضب. وفي مِدْحَة المتنبّي في بدر بن عمّار: «ألقى فريسته [الأسد] وبربر دونها» أي تكلّم بكلام أعجميّ لا يُفهم. و»تبربر» لحق بالبربر فتوحّش. و»البربريّ» واحد البربر وهم سكّان الشمال الإفريقي الأصليّون. ويُطلق الاسم في مصر على الزنج والحبش، ولكنّه يرد أيضا بمعنى القساوة والظلم كما في قولهم «عمل بربري». والفرنسيّة هنا أوضح إذ تميّز بين Berbèreو Barbare .
أمّا وقد تعذّر في العربيّة مثل هذا التمييز، فإنّ استعمال المصطلح «أمازيغي» يفي بالمرام، خاصّة أنّ أمازيغ اليوم يرفضون تسميتهم بـ»البربر» بسبب الخلط الذي أشرنا إليه، كما يقول المترجم، عن حقّ.
ومن هذه المصطلحات التي يتبنّاها صاحب الكتاب أيضا، مصطلح «أمَازِيغَاوِي» إشارة إلى المناضل من أجل القضيّة الأمازيغيّة، و»الأزمة الأمازغاويّة» بدل «الأزمة البربريّة».
على أنّ ما يعنيني في السياق الذي أنا به، هذا الفصل من الكتاب وهو الأوّل الموسوم بـ» اللغة الأمازيغيّة وثقافتها: معطيات تمهيديّة». وقد فصّل الباحث فيه القول استئناسا بمعطيات جغرافيّة وتاريخيّة. من ذلك أنّ هناك اليوم في القارّة الإفريقيّة منطقة ناطقة بالأمازيغيّة La Berbérophonie، وهي تضمّ عشر دول من بلاد المغرب والصحراء وبلاد الساحل. بيْد أنّ الجزائر والمغرب هما الدولتان اللتان تحويان أكثر الناطقين بالأمازيغيّة، وفيهما تُطرح القضيّة اللغويّة ـ على وجاهتها ـ بحدّة وقدْر غير يسير من التشنّج والتعصّب أحيانا؛ سواء عند هذا الطرف أوذاك؛ من المنتصرين للعربيّة أو للأمازيغيّة، وربّما بحدّة أقلّ في المغرب. ولا نحبّ هنا أن نخوض في الوزن الديمغرافي، فالأرقام التي تٌقدّم قد تكون غير دقيقة أو غير موثوق فيها، بما في ذلك تلك التي يُقدّمها صاحب الكتاب. وربّما هي نتيجة تجاذبات سياسيّة أو إيديولوجيّة أو حزبيّة. أمّا المغرب الأقصى فيشمل ثلاث مناطق جبليّة ناطقة بالأمازيغيّة هي في الشمال: الريف حيث تسود اللهجة المعروفة بـ»تاريفيت»، وفي الوسط: الأطلس الأوسط وجزء من الأطلس الأعلى حيث تُستعمل لهجة «تمازيغت»، وفي الجنوب الغربي أو منطقة الشلوح تسود اللهجة المعروفة بـ»تاشلحيت». فإذا انتقلنا إلى الجزائر، عرفنا دون عنت يذكر أنّ منطقة القبائل هي أهمّ منطقة ناطقة بالأمازيغيّة. وهي ذات مساحة جغرافيّة محدودة، ولكنّ كثافتها السكّانيّة مرتفعة. وتليها شاوية الأوراس ومنطقة الميزاب أي غرداية والمدن الإباضيّة الأخرى. وثمّة مجموعات أخرى صغيرة ناطقة بالأمازيغيّة تتوزّع هنا وهناك. والحقّ أنّ هذه كما يُقرّ الكاتب مجرّد تحديدات تقليديّة، إذ لا يخفى أنّ هناك تحوّلا ديمغرافيّا عرفته بلاد المغرب الكبير عامّة منذ موجة الزحف الريفي وبروز تجمّعات سكّانيّة أمازيغيّة أو هي ناطقة بالأمازيغيّة في مدن مثل الجزائر العاصمة والدار البيضاء، بل باريس أيضا، إذا تعلّق الأمر بالمنطقة الناطقة بالأمازيغيّة المهاجرة. ولا ننسى أنّ هناك مجموعة أخرى هم التوارق الناطقون بالأمازيغيّة، وهم موزّعون على المنطقة الصحراويّة الساحليّة في النيجر ومالي وليبيا وفولتا العليا ونيجيريا. ويمكن أن نضيف تونس، وإن بنسبة جدّ قليلة في جزيرة جربة وبعض القرى في الجنوب مثل تطاوين، وكذلك جنوب موريطانيا. وهذا وغيره ممّا يحتاج إلى تفصيل دقيق، يؤكّد أنّ المسألة اللغويّة كلمّا تعلّق الأمر بالأمازيغيّة، يلوح على قدر كبير من التعقيد وانعدام التجانس. والكاتب يقرّ بذلك… حتّى داخل الجزائر نجد أنّ الأوراس تختلف كثيرا عن منطقة القبائل. وكلّ منطقة تتعامل وتتطوّر بصفة مخصوصة في علاقتها باللغة والهويّة الأمازيغيّة. والمعطيات والتحاليل والفرضيّات المقدّمة هنا تخصّ أوّلا منطقة القبائل باعتبارها أهمّ منطقة جزائريّة ناطقة بالأمازيغيّة. وهذا من شأنه أن يسوق إلى التريّث والحيطة، حتى لا يتمّ تعميم «النموذج القبائلي» على مجمل المناطق الأخرى التي سلف ذكرها. ومهما يكن عدد هؤلاء، فإنّهم يظلّون أقلّ بكثير من الناطقين بالعربيّة أو المحكيات العربيّة. وبلاد المغرب عرفت كما يقول الباحث، عن حقّ؛ عمليّة تعريب بطيئة. ولعلّها تمّت مع الغزو الهلالي في القرن الخامس للهجرة (11م). وهو ما يعزّز من وجاهة الرأي القائل بأنّ الأغلبيّة من الناطقين بالعربيّة اليوم هم « أمازيغ معرّبون» كان أجدادهم في بلاد المغرب والصحراء يتكلّمون الأمازيغيّة، ثمّ تحوّلوا إلى العربيّة لأسباب لغويّة و ثقافيّة معيشيّة أيضا، وليست دينيّة فحسب كما يقع في الظنّ عادة. ويذكر الكاتب، وهو عالم لسانيّات، أنّ البونيقيّة وهي لغة ساميّة من أخوات العربيّة، قد تكون من العوامل التي ساعدت على ترسيخ العربيّة في منطقتين من بلاد المغرب هما تونس والشمال القسطنطيني. فالعربيّة لم تحلّ دائما محلّ الأمازيغيّة، بل محلّ البونيقيّة. وهذه أطروحة كان لها شأن في الخمسينات من القرن الماضي عند علماء من أمثال قزال وغوتيي، وكانت مثار جدال بين «الأمازيغاويّين» و» البونيقاويّين»، بالرغم من أنّ كورتوا ينبّه إلى أنّ مصطلح «بونيقي» كان يستعمل مرادفا لـ»أهلي» أو «محلّي» مقارنة بـ»لاتيني/ روماني». وهذا قد يفيد في أنّ كلمة «بونيقي» إنّما كان يُقصد بها «أمازيغي».
وهذه مسألة يصعب أن نقطع فيها برأي كما يقول الباحث؛ خاصّة أنّ الحجج المقدّمة تخدم الأطروحتين المتحاوزتيْن كلتيهما، وتصلح لهما معا. وهو يوضّح أنّه من المستبعد، بل من غير المحتمل، أن يكون العرب الفاتحون قد وجدوا عند دخولهم إفريقيّة [تونس] وبلاد المغرب عامّة، أنّ البونيقيّة هي لغة القوم هناك، دون أن يذكروا ذلك في مصنّفاتهم العديدة الدقيقة حول بلاد المغرب. ولا شيء في المصادر العربيّة القديمة، وهي التي تُعنى بشتّى تفاصيل بلاد المغرب وشواردها، يجيز لنا القول بأنّه كان هناك في الشمال الإفريقي واقع لغويّ آخر غير الأمازيغيّة، على نحو ما كانت اللاتينيّة في العالم الحضري الروماني والمسيحي.
ومن اللافت حقّا أن يشير الكاتب إلى القرابة اللغويّة البعيدة «الملتبسة»، والنعت لي، بين الأمازيغيّة والعربيّة؛ حيث الموازنات البنائيّة بين اللغتين قد تكون من العوامل التي مهّدت السبيل لعمليّة التعريب: «ومن وجهة نظر لسانيّة محضة، كان من السهل على الأمازيغي أن ينتقل من لغته إلى العربيّة، وليس من لغته إلى اللاتينيّة». ونعرف أيضا بأنّ اللاتينيّة لم تتمكّن من الانتشار إلاّ في بقايا هند ـ أوروبيّة، في حين أنّ العربيّة لم تنتشر إلاّ في المناطق الساميّة أو الساميّة ـ الحاميّة. وهذا ممّا يعزّز من وجاهة الفرضيّة التي ساقها الباحث.
على أنّ هناك عوامل أخرى حافظت على التعدّد اللغوي في بلاد المغرب، وهي جغرافيّة (عزلة المناطق الجبليّة)، وديمغرافيّة (الكثافة السكانيّة)، واقتصاديّة (عوامل نظام الإنتاج وامتلاك الأرض). وهي ممّا يؤكّد أنّ من حقّ الذين يعتبرون أنفسهم أمازيغيّين أن يكونوا كذلك، وأنّ من حقّ الذين يعتبرون أنفسهم عربا أن يكونوا كذلك. نقول هذا حتى لا تجرفنا اعتبارات عرقيّة عنصريّة على نحو ما نلاحظ في بعض بلاد العرب اليوم.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي