حوار جيزيل خوري مع ريبال الأسد في «المشهد»: الجرافة التي تمهد الطريق للديكتاتور

حجم الخط
3

باريس- «القدس العربي»: ليس من اللائق أن تتصرف الإعلامية جيزيل خوري في مقابلتها مع ريبال الأسد على «بي بي سي» بهذا القدر من الاستغفال للمشاهدين. إذا كان هذا هو دأب ضيفها، نجل رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، وهو يتصرف تجاه كل ما ارتكب في سوريا على أنه من صنع ضباط حول الرئيس (حافظ الأسد)، وتصوير الرئيس كما لو أن لا حول له ولا قوة، فلا ينبغي أن يُترك ليتحدث على هواه.
كذلك يصر ريبال وينفي بأن يكون والده قام بانقلاب على أخيه، بل كان فقط يحاصر دمشق بآلاف عناصر «سرايا الدفاع» لدمشق ولعدة شهور، وكأن الحصار أقل وطأة ورأفة من انقلاب يدوم لساعات. وينفي الشاب أي صلة لوالده بمجازر حماه، أو بالمقتلة التي حدثت في سجن تدمر، بل ينفي أي وجود لوالده في حماه أو تدمر أثناء ذلك.
حين يُسأل ريبال أي ضباط وأي مسؤولين حول الرئيس من يعنيهم ويقصدهم بالمسؤولية لا يأتي إلا على ذكر عبدالحليم خدام ومصطفى طلاس الذي اعترف لمجلة «دير شبيغل» الألمانية، حسب قوله، بأنه كان يوقع 150 حكم إعدام في الأسبوع. يسوق الشاب هذه الشهادة ليقول لماذا على والده أن يقتل بيده ما دام طلاس يقتل أسبوعياً كل هذا العدد!
كذلك يترك الشاب ليصور والده كداعية للتغيير السلمي الديمقراطي منذ سنوات طويلة، بل يبدو وكأن ذلك هو بالذات سبب «اضطهاده» من الضباط حول الرئيس. أما ريبال نفسه، وكل أطفال المسؤولين على ما يبدو، فقد عانوا، وتحطمت طفولتهم بسبب اضطرارهم للذهاب إلى المدرسة بسيارات مصفحة، وكل هذا العدد من المرافقة والحراس!
قد تقول جيزيل خوري لنفسها ليترك الشاب يتحدث عن نفسه فالناس تعرف الحقيقة، ولا بد أنها ستضحك من مفارقات المقابلة والواقع. لكن هذا الافتراض قد يصح إذا سلمنا أن «بي بي سي» تتوجه للشعب السوري وحده، عدا عن أنه لو كان يستقيم افتراض أن الناس تعرف الحقيقة فعلاً لما احتجنا إلى إعلام مقابلات ولا إلى جيزيل خوري.
الحضور الشخصي اللطيف لجيزيل خوري لا يكفي ليصنع مقابلة مهنية، في الحقيقة هذا شأن معظم مقابلاتها التي لا تخضع لإعداد جيد، وهنا، في حلقة ريبال، تكاد تنسى أن عنوان برنامجها هو «المشهد»، ما يجعلنا ننتظر حديثاً في المشهد الراهن، لا في الذاكرة السياسية، لكن المشهد الراهن لا يأخذ من حلقة جيزيل (34 دقيقة) سوى ثلاث دقائق في الختام. ثم ماذا عن ريبال باعتباره رئيس «منظمة الإيمان لحوار الأديان»، ورئيس جمعية الحرية والديمقراطية»، ماذا عن حوار الأديان الذي يتحدث عنه ريبال الأسد في حمى الذبح الطائفي اليوم؟ ولا كلمة عن ذلك؟! ثم أليس على الإعلامي، المذيع، أن يفكر بمناسبة ما لمقابلة من هذا النوع، مناسبة قد تكون هي المحرك للمقابلة كلها؟ مع مقابلة ريبال الأسد لا مناسبة واضحة، إن كانت بسبب «حوار الأديان» أو قتل سليمان الأسد لضابط بسبب الخلاف على أفضلية المرور، أو بسبب مشروع سياسي أو سواه يعده ريبال لسوريا الجديدة.
هناك ملاحظة أخرى قد تبدو شكلية؛ هل تكترث جيزيل خوري للمسافة مع ضيوفها؟ إنها، مكانياً، قريبة جداً لريبال الأسد، بالقدر نفسه التي كانت قريبة لرنا قباني، وكذلك من دون حواجز تذكر، لا طاولة ولا مسافة، أحسب أن ذلك أمام ضيف كريبال الأسد يحتاج إلى حساب آخر.
المقابلة في النهاية لا تخلو من معنى، ومن طرائف أحياناً، من بينها خبر أغنية علي الحجار التي كانت رسالة تودد من رفعت لأخيه حافظ الأسد، وهي كلمات كتبها سومر، شقيق ريبال، وغناها الحجار وتقول: «ها نحن يا عمّاه نسهر، وبغربة الأوطان نُجبر، فما الذنب يا الله، أن نمضي في المهجر؟ ودعاة حب الشام تثأر». أرأيتم كيف أن الفن والفنانين (والإعلام أحياناً) هم الجرافة التي تمهد الطريق للديكتاتوريات؟

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية