القاهرة ـ مكتب «القدس العربي» :هيمنت زيارة الرئيس السيسي لروسيا ومباحثاته مع المسؤولين فيها على تغطيات الصحف الصادرة أمس الخميس 27 أغسطس/آب، وغطت التحقيقات والمقالات نتائج الزيارة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، خاصة أنه لم يكن من باب المصادفة أن يوجد في روسيا كل من ملك الأردن عبد الله الثاني وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، بحجة حضور «معرض ماكس الدولي للطيران والفضاء»، لأنه لا توجد علاقات تسليح بين الأردن والإمارات وبين روسيا، ولا حاجة لها للمقاتلات أو القاذفات الروسية، وإنما الأمر الحقيقي تكثيف الاتصالات لإنهاء الأزمة السورية وبدعم ورضا أمريكي أوروبي، خاصة بعد البيان الصريح لمجلس الأمن بذلك. أما بالنسبة لمصر فقد تأكد الاتفاق على بناء أول محطة لتوليد الكهرباء وتحليه المياه بالطاقة الذرية في منطقة الضبعة، بعد أن رفض السيسي الاستماع لأغنية رجل الأعمال سميح ساويرس بأن «يزق المحطة زقة» بعيدا عن مكانها الحالي على الساحل ويتركه للمستثمرين. واستعان بأغنية «أدوا زوبة زقة». كما أن الاتفاقيات الاقتصادية ركزت على محور قناة السويس شديدة الأهمية في مصر، وزيادة أعداد السائحين الروس، أما بالنسبة لاتفاقيات الأسلحة فيصعب الكلام عنها الآن، إلا بعد الإعلان عنها خاصة في الطائرات والأعداد التي ستتعاقد عليها مصر، وهل سيكون هذا مؤشرا على بداية الاستغناء عن طائرات «أف 16» الأمريكية أم لا.
أيضا واصلت الصحف الاهتمام بحملة «بلاها لحمة» الداعية لعدم شراء اللحمة بعد أن وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى مئة جنيه. وقد أحدثت تأثيرا إلا أنها أدت إلى رفع أسعار الدواجن. كما واصلت الصحف نشر التعليقات على عدم معاقبة الحكومة أمناء الشرطة الذين تظاهروا مستخدمة قانون التظاهر.
هذا وقد أخبرني زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب عمرو سليم في «المصري اليوم» أمس أنه كان يسير في أحد الشوارع فشاهد شرطيا يقبض على فتاة لمخالفتها قانون التظاهر، وعلى بعد خطوات أمين شرطة يضحك ويقول وهو ممسك بريشة:
– ونطالب كمان بتغيير اللبس بتاعنا بدل الطاقية الميري نحط ريشة.
ولا زالت بعض التعليقات في عدد من الصحف تتطرق إلى مناقشة إغلاق صحيفة «التحرير» النسخة الورقية أول الشهر المقبل اكتفاء بالنسخة الإلكترونية، بعد أن أعلن مالكها رجل الأعمال أكمل قرطام أنه تكبد خسائر مالية فادحة، ولم يعد ممكنا استمراره في تحملها. كما بدأت وزارة الزراعة بالتعاون مع الجيش في إقامة أكبر مزرعة سمكية في الشرق الأوسط في منطقة الطور في جنوب سيناء سينتهي العمل فيها بعد عام ونصف العام، وتنتج خمسة وخمسين ألف طن يوميا، وإقامة مصانع على هذا الإنتاج وتمليك أجزاء من المشروع للشباب. وإلى بعض مما عندنا..
نبيل عمر: عليكم أن تتمسكوا
بالدستور أولا وأخيرا
ونبدأ بأبرز ما نشر عن الأحزاب السياسية والاستعدادات لانتخابات مجلس النواب المقبلة، حيث استمرت حملة جمع توقيعات على الإنترنت للمطالبة بحل الأحزاب الدينية، وحدد أصحاب الدعوة الأحزاب بشكل رئيسي في «النور» و»مصر القوية» و»الوسط» و»البناء والتنمية» و»الوطن»، بالإضافة إلى عدد آخر لا وجود حقيقي له.
وهو العمل الذي عارضه زميلنا نبيل عمر بالقول عنه في «التحرير» يوم الاثنين الماضي: «لا أؤيد جمع التوقيعات لإلغاء الأحزاب الدينية، فالمفترض أننا دولة قانون، ولا ننفذ القانون بالرغبة والتوقيعات، ويحكمنا دستور يجب احترامه احتراما كاملا، وللأسف نخالفه في أشياء غير قليلة، وهو ما شجع على وجود مثل تلك الدعوات بالتوقيعات ضد الأحزاب الدينية، الدستور يضع معايير، وأي مواطن من حقه قانونا أن يدافع عن الدستور منفردا أو مع مجموعة أو مؤسسة مدنية، وإذا كنا نريد حل حزب النور مثلًا، فيجب أن يكون بالدستور، ونرفع قضية مدعمة بالأدلة والقرائن والمستندات عن تصرفاته وأفعاله وأقواله وأفكاره المتداولة على الملأ، التي تثبت أنه حزب ديني، بغض النظر عن المكتوب في برنامجه وزعمه أنه حزب مدني، كما أن الأحزاب خاضعة لإرادة الشعب في الانتخابات. أما التوقيعات فأقول لأصحابها «بلوها واشربوا ماءها»، وعليكم أن تتمسكوا بالدستور أولا وأخيرا».
ظاهرة تشكيل أحزاب عسكرية
وإذا كانت الانتخابات المقبلة قد أعادت تسليط الأضواء على الأحزاب والحركات السياسية وتحالفاتها في تشكيل القوائم وعدم وجود أي تحالفات على الدوائر الفردية التي تشكل أغلبية المقاعد، وكذلك على حزب «النور» أساسا، وهو أبرز وأهم ما يطلقون عليه الأحزاب الدينية إذا كان هذا هو محور الاهتمام فإن أحدا لم يلتفت إلى ظاهرة أخرى، غير الأحزاب الدينية وهي ظاهرة الأحزاب التي شكلها عسكريون، وتلك التي حاول عسكريون من قبل تشكيلها ولم تنجح ومن هذه المحاولات واحدة في غاية الغرابة والتي تدعو للتأمل في بعض ما يحدث في البلد. فقد نشرت «المصري اليوم» يوم الثلاثاء الماضي حديثا مع الفريق حمدي وهيبة، أجراه معه زميلنا محمد البحراوي على صفحتين كاملتين جاء فيه بالنص ردا على سؤال حول ما إذا كان قد فكر في إنشاء حزب سياسي: «بعض الزملاء من رجال القوات المسلحة السابقين عرضوا عليّ فكرة إنشاء حزب يضم عسكريين ومدنيين، وبعد 10 جلسات، تبين أنها كلها أهواء شخصية، هذا يريد الدخول للحزب ليحصل على لقب أمين الحزب، وذاك يريد الانضمام ليصبح مستشارا قانونيا، كلها مصالح شخصية، لكنني انسحبت عندما تقدم لي أحد الأشخاص في جلسة من الجلسات وهمس في أذني «بعد إذنك أنا همشي عشان عندي موعد مع السفارة الأمريكية وهاخد معايا فلان، فقلت له لماذا فقال عشان ناخد تمويل للحزب»، فقلت له لابد أن تطرحوا هذا الموضوع للنقاش على الجميع، وقلت لهم إنني لن أدخل في عمل فاشل وأنا لن أصبح رئيساً للحزب لكي أكون واجهة فقط، وأبلغتهم أنني منسحب من الحزب بسبب رغبتهم في التمويل الأمريكي، لا يمكن أن أقبل بعد تاريخي في القوات المسلحة لمدة 48 عاماً أن أحصل على تمويل من أمريكا لحزب سياسي في هذا الوطن العزيز عليَ، وكانت هناك بعض الشخصيات التي حاولوا إقناعها بالدخول في الحزب مثل الدكتور على المصيلحي وزير التضامن الاجتماعي الأسبق، والفريق حسام خير الله، وكيل جهاز المخابرات سابقاً، وكانوا مختلفين حول اسم هذا الحزب واستقروا على اسم «الجمهوري الوطني»، ولكنه ـ الحمد لله ـ لم يخرج إلى النور حتى الآن. أنا تعاملت مع حوالي 40 شخصية من مؤسسي الحزب كلهم على الشاكلة نفسها يبحثون عن المصالح الشخصية، ولا يصح أن تكون السياسة في مصر بهذا الشكل. وبعدما جلس معنا الفريق حسام خير الله مرتين، حاولوا ابتزازه، إذ كان له مقراً في الانتخابات الرئاسية وقالوا له «أعطنا هذا المقر ليكون مقراً للحزب»، وقالوا «فلان يتبرع بكذا وفلان يتبرع بكذا»، هي عملية ابتزاز من اليوم الأول، الحزب يحتاج 2000 توقيع من كل محافظة، وقالوا إن الأحزاب الأخرى تدفع أموالا للجماهير لتنضم إليها مثلاً من 50 ـ 100 جنيه، لكنهم أرادوا أن يطلبوا من الجماهير الراغبين في الانضمام دفع مبلغ 25 جنيها مقابل الاشتراك، وهنا دخلنا في كلام لا جدوى منه، وتصورت أن هذه هي الصورة في كل الأحزاب الورقية الموجودة حالياً، وقلت لهم «مستحيل أدفع لهذا الحزب من مالي الخاص، ما أملكه من مال هو حق أولادي وأحفادي لن أتبرع منه بشيء».
شخصيات عسكرية
تدخل المعترك السياسي
ويقودنا ذلك إلى أحزاب قامت فعلا على أكتاف عسكريين، لأنه لم يظهر من بين أعضائها من قال عن أذنكم أنا رايح أجيب لكم تمويل من السفارة أوردها يوم الأربعاء في تحقيق في «الجمهورية» زميلنا محمد مرسي في صفحة الشارع السياسي التي يشرف عليها زميلنا عبد الجواد حربي قال عنها: «خاض العمل السياسي والحزبي عدد من الشخصيات العامة العسكرية، لاستكمال دورهم الوطني والسياسي منهم، الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء الأسبق، الذي أسس حزب «الحركة الوطنية». والفريق سامي عنان رئيس الأركان السابق رئيسا لحزب «مصر العروبة». وقدري أبو حسين محافظ حلوان السابق رئيسا لحزب «مصر بلدي». والفريق جلال هريدي رئيس حزب «حماة الوطن». ووحيد الأقصري رئيس حزب «مصر العربي»، وهو ضابط بالمعاش. ومحمد شلتوت رئيس حزب «التكافل الاجتماعي»، وهو أيضا ضابط سابق في الدفاع الجوي. واللواء أحمد خنصل رئيس حزب «المواطن المصري».
وللمحاربين القدامى أحزابهم أيضا
هذا وقد نسي زميلنا مرسي ذكر اسمي حزبين آخرين حديثين، وهما حزب «حماة مصر» برئاسة اللواء مدحت الحداد وأمينه العام جمال كحيل كروم، الذي أكد لي أن لديهم سبعة وعشرين مقرا للحزب في عدد من المحافظات، وأنهم يخططون للحصول على عدد معتبر من المقاعد الفردية. والحزب الآخر الذي نسيه مرسي هو «فرسان مصر» برئاسة الفريق شفيق البنا وهو ابن القارئ الشهير المرحوم الشيح محمود البنا، أي أن الأحزاب التي يمكن القول إنها قامت على أساس عضوية المحاربين القدامى من ضباط وصف ضباط وجنود هي ثلاثة، «حماة مصر» و»فرسان مصر» و»حماة الوطن» الذي شكله الفريق جلال هريدي مؤسس قوات الصاعقة. وأخبرني جمال كحيل أن الفكرة الأساسية التي قاموا عليها كانت أولا الدفاع عن الجيش باعتباره حامي الوطن أمام الهجمات والإساءات التي تعرض لها، خاصة أن هناك خمسة ملايين وثمانمئة ألف ضابط وجندي سابق خدموا في الجيش يمكن أن يكونوا قاعدة هذه الأحزاب، إضافة إلى أفراد أسرهم وأصدقائهم.
لماذا تريدون للرئيس «جوقة» و«شلة»؟
وفي عدد «الجمهورية» ذاته أراد زميلنا سمير الجمل المساهمة في النقاش حول الأحزاب فقال في بروازه «أكشن»: ـ لماذا تريدون للرئيس حزبا وحزبه الشعب كله الذي جاء به واصطفاه لأنه المنقذ الذي جاء على غير سابق إنذار؟ ـ لماذا تريدون للرئيس «جوقة» و«شلة»؟ والرجل اتخذ من الشعب عصاه التي يتوكأ عليها ويهش بها على وطنه في الداخل والخارج؟
ـ لماذا لا تفهمون أن رئيسكم هذا لا يحب الاستعراض ولا ينتفخ بكلمات النفاق؟
ـ وأخيرا بدلا من كلامكم للرئيس كلموا ضمائركم لكي تعمل فإن حساب ربنا لن يتم بالبدلة الرسمية؟»
حديث «العوا» وخروج «أبو العلا»
ومن أحزاب العسكريين والمدنيين إلى ما نشر مؤخرا عن محاولات لإجراء مصالحة بين النظام والإخوان المسلمين، خاصة بعد انتهاء فترة الحبس الاحتياطي لصديقنا رئيس حزب الوسط المهندس أبو العلا ماضي، رغم نفيه أنه تقدم بمبادرة أو حتى فكر فيها. وقال يوم الأحد في «المصريون» الأسبوعية المستقلة، عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية السابق هشام النجار: « هناك حراك في العمق بلا شك بداخله تفاصيل كثيرة غير مرئية، لكن ما يطفو على السطح من تحركات ومواقف وتصريحات معلنة تكشف بطرف خفي عن طبيعة ذلك الحراك واتجاهه. هناك مستجدات من الطبيعي أن تجبر التيار الاسلامي وقيادته الحالية، ممثلة في الإخوان على أن تبحث عن بدائل في ظل انسداد الأفق السياسي وتراجع الآمال المعلقة على بعض الملفات الحيوية اقليمياً ودولياً. هنا نرصد تحركات جاءت سريعة هذه المرة من قبل الإخوان على عكس النهج البطيء حد الجمود على مدى عامين، ولا ندري إن كانت مصادفة أو كانت تحركات وإجراءات مؤجلة، أو هي بالفعل جاءت تفاعلاً حيوياً مع تلك المستجدات على الساحتين الإقليمية والمحلية، فضلاً عن الأوضاع في تركيا وطبيعة أزمة الجماعة وضخامتها داخل مصر. الأول خروج أبو العلا ماضي القيادي الإسلامي المعروف ورئيس حزب الوسط، الذي جاء متزامناً تقريباً مع حديث مهم جداً لم يأخذ حظه من الاهتمام والتحليل للدكتور سليم العوا، نشره موقع حزب العدالة والتنمية المغربي، وفيه ما فيه من رؤى لرجل يحاول ولو متأخراً وضع التيار الإسلامي على أول طريق إنقاذه وإعادته للمشهد؛ فهو يدعو الإسلاميين للتراجع قليلاً بجماعاتهم وتنظيماتهم عن صراعات السلطة، وأن يكون الأداء في المرحلة المقبلة من خلال عمل حزبي منضبط على غرار التجربة المغربية. أهمية الحوار ليست فقط لرمزية العوا، بل لأنه أيضاً لرجل بدا وثيق الصلة بالإخوان، وهو المحامي الأول عن مرسي، خلال الفترة الماضية، فضلاً عن خروج أبو العلا الذي لا يمكن انتزاعه من سياقه السياسي، وكلاهما ـ العوا وأبو العلا ـ يأتيان على يسار الإخوان منهجياً وسياسياً، فهما أقرب إلى الوسط الإسلامي المعتدل.. بالطبع لا نغفل التغيرات على المستوى الهيكلي والانتصار من جديد للقيادة التي تبدو عقلانية في العلن بالنسبة للإخوان، فها هم يؤخرون صوت أشرف عبد الغفار ومحمد منتصر الحادين المتشنجين ويصدرون الحرس القديم وصوت زوبع الذي يطلق بالونات اختبار بشأن مواءمات وتنازلات. الأمر سيحتاج لمزيد من الوقت لتتفاعل الملفات، خاصة أننا أمام أزمة معقدة متعددة ومتشعبة الملفات ، ولن تحسم خلال يوم وليلة ، لكن ما هو أمامنا الآن على سطح الأحداث وآخر التفاعلات ، أن المشهد الإخواني يحاول التراجع والعودة إلى المنطقة الوسط، بينما يبدي حلفاؤها الإصرار، وأنه إذا حدث فسيواصلون بدونها».
حسن الزناتي: هل أعاد «العوا» تقييم أفكاره؟
ويوم الاثنين صاح زميلنا في «الأهرام» حسن الزناتي وهو يسدد نظرات غير مريحة لصديقنا الدكتور سليم العوا: «إن التاريخ ليس ببعيد كي ننسى أن العوا لعب دور الوسيط في عهد مبارك، بين الدولة والإخوان منذ توليه أمانة اتحاد علماء المسلمين، وهو من خرج قبل الثورة ليقول إن الكنائس المصرية فيها أسلحة، في تصريحات كادت تؤدي إلى فتنة طائفية… وفوق كل هذا كان العوا رئيسا لهيئة الدفاع عن مرسي نفسه، وأخيرا مع أبو العلا ماضي، وعقب انسحاب حزب الوسط من تحالف دعم الشرعية الإخواني، كان اسمه مطروحا لرئاسة الكيان، الذي أراد الحزب تشكيله، ويضم أحزاب «مصر القوية، وغد الثورة، والوطن، والاشتراكيين الثوريين» وغيرها. بعد كل هذا يطلب العوا الآن من الحركات السياسية التي ينتمي إليها الابتعاد عن السلطة ـ رغم أنه أمر أصبح واقعاً بفعل ثورة يونيو/حزيران ـ بينما لم يتحدث عن حتمية وقف إرهابهم، أو فك تنظيمهم، أو توقف تعاونهم مع أعداء مصر في الخارج. رُبما أعاد الدكتور العوا تقييم أفكاره، ورُبما تاب عنها، لكن هل مطلوب منا بكل هذه الخلفيات أن نصدقه؟».
شيعة العراق يدافعون عن وطنهم
ونترك المصالحة المستحيلة بين الإخوان والنظام في مصر لنتأمل في أحداث العراق وبداية انكسار حاجز العداء، الذي زرعه الأمريكان وإيران وعملائهما بين الشيعة والسنة، بعد أن تحركت جموع العراقيين الشيعة والسنة، وبدعم من المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني ضد الفساد والفوضى والطائفية، وتحكم إيران في الوضع السياسي في بداية عودة الإيمان بالوطن والقومية العربية، وأن يكون المذهب الديني بين الفرد وربه. هذه التحركات أنعشت الآمال في عودة العراق من حضن الطائفية وإيران إلى حضن الوطنية العراقية والعروبة. وهو ما دفع زميلنا وصديقنا في «الأخبار» نقيب الصحافيين الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف ليقول وقد تهلل وجهه بالبشر في عموده اليومي «في الصميم»: « كثرت الهموم، واختلطت كل الأوراق في عالمنا العربي. ومع ذلك فعلينا أن ننظر بالكثير من الاهتمام لما يجري على أرض العراق المنكوب، فلعلنا نكون أمام نقطة ضوء حقيقية في مشهد عربي تهدده طيور الظلام من كل جنس ولون.
في العراق اندلعت مظاهرات بدأت احتجاجا على سوء الأحوال المعيشية وانقطاع الكهرباء والماء في صيف تتجاوز فيه درجات الحرارة الخمسين، حين يكون معتدلاً!
لكن الأمر سرعان ما تطور، وتحولت المظاهرات إلى مطالب أكبر تريد ضرب الفساد وإصلاح القضاء واستعادة المال المنهوب ومحاسبة اللصوص ومحاكمة المسؤولين عن تسليم نصف البلاد لعصابات الإرهاب الداعشي وغير الداعشي، ووضع مصير البلاد رهن إرادة القوى الخارجية، وكان لافتا في هذه المظاهرات عدة أمور مهمة:
أن الحشود التي خرجت للتظاهر والتي وصلت في بغداد وحدها إلى ما يقارب المليون، كانت ـ في غالبيتها العظمى ـ من شيعة العراق. ولهذا لم يستطع أحد اتهامها بالطائفية، وهي تطلب محاكمة كل المسؤولين عن الحكم منذ الغزو الأمريكي على ما ارتكبوه من فساد غير مسبوق، ومن إهدار للمال العام وسرقة جاوزت كل الحدود.
إن المرجعية الشيعية الأكبر في العراق آية الله السيستاني وقف مؤيداً لمطالب المتظاهرين داعيا لضرورة الإصلاح ومحاربة الفساد، ورافضا الدعوات لتقسيم العراق، التي كان آخر من بشر بها رئيس أركان الجيش الأمريكي وهو يترك منصبه!
وإن رئيس الوزراء حيدر العبادي أعلن استجابته لمطالب المتظاهرين وبدأ في اتخاذ اجراءات، منها التخلص من نواب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وبدا أن المقصود هو رئيس الوزراء السابق المالكي، الذي كان قد تحول إلى ديكتاتور يحكم باسم إيران ويسعى لحكم طائفي أثار أبناء العراق من السنة والأقليات، وفتح الباب أمام «داعش»، ثم ارتكب كل الأخطاء مع معاونيه لكي يترك نصف العراق لـ»داعش» من غير قتال. الميليشيات التابعة لإيران مازالت موجودة، وهي تحاول إفساد التظاهرات ونشر الفزع، لكن أبرز ما تحقق هو انهيار جدار الخوف لدى إخواننا من شيعة العراق وخروجهم ليهتفوا في قلب بغداد «إيران بره بره.. بغداد حرة حرة».
الحل لن يكون أبداً في التسليم بالنفوذ الإيراني، وإنما في عروبة تجمع الشيعة والسنة العرب في سبيكة واحدة تبني أوطانها وترفض أي تدخل في شؤونها».
العراق يستيقظ
طبعا إيران برة.. برة ولذلك قال الإعلامي وزميلنا محمود الورواري في اليوم نفسه في مقال له في جريدة «الوطن»: «اليوم العراق المكلوم منذ احتلاله، هذا الاحتلال الذي ضرب وقتها في 2003 نموذجاً للتواطؤ العربي ضد حاكم مهما اختلفنا عليه ووصمناه بالإجرام والجبروت، ما كان يجب أن يُترك، ويترك بلد عربي تنهشه أسنان الغرب، ويُسرق نفطه وتُزرع فيه السموم الطائفية. العراق مؤخراً ينتفض، يستيقظ الشعب الذي كان سيداً للدنيا والذي حوله السياسيون إلى جوعى، شعب أكلته موجة الحر التي اجتاحت الجميع. ليس هناك مواطن في أي بلد عربي إلا وللعراق فضل عليه، إما أنه عمل هناك عزيزاً له كامل الحقوق، وإما هناك من أقاربه من عمل، هذا العراق أصبح الآن مسكيناً بعد أن ابتلعه لصوص السياسة وتجارها. الشارع العراقي الرائع، الذي ضرب مثالاً للرقي وللوطنية، سبق السياسيين وتجاوزهم، بل أعطاهم درساً جعل العقلاء منهم يعودون إلى رشدهم ويخجلون من طمعهم، هذا الشارع الذي تجلى في أزهى صوره لم نرَ فيه إشارة طائفية، أو شعاراً دينياً، أو مذهبياً أو عرقياً، تاه العراقيون وانصهروا في بوتقة واحدة هي العراق فقط، بغداد الرشيد استيقظت، عادت تنصب ميزان عدلها الذي كسره السياسيون، وستحاسب الخونة وتجار الدين، الذين ظلوا يقطعون من جسد العراق حتى وصلوا إلى العظم ولم يشبعوا، نهم غريب لأكل لحوم وطنهم، حتى وصل بـ«المالكي» إلى أنه باع الموصل، ثاني أكبر مدن الشمال، الموصل عنوان خيانة المالكي.
في ظل هذا الطهر الشعبي في محافظات العراق بكل تكويناتها وأغلبيتها وأقليتها، هذا المسمى الذى ما كان موجوداً يوماً قبل 2003، هذا المرض الذي أوجده الاستعمار الإيراني والأمريكي، قاطعاً بخنجره المسموم القطر إلى نصفين وإلى قلبين.. خرجوا في بغداد والبصرة والناصرة وديالى وميسان وفي كل مكان، خرجوا يرفضون استمرار تقطيع بلدهم، يقولون للسياسيين اللصوص «.. ألم تشبعوا بعد؟.. ألم تكفِكم الأموال التي سرقتموها؟»، ويا ليتكم تركتموها في العراق، بل هربتموها خارجه، اشتريتم بها الأبراج العالية، ودخلتم شركاء في فنادق شهيرة».
مسؤولية أمين عام الجامعة العربية القومية
أما في «الشروق» عدد يوم أمس الخميس فكتب لنا جميل مطر مقالا عنونه بـ»المسؤولية القومية للأمين العام ومما جاء فيه: «لا أخفي أنني كنت أنتظر بكثير من الدهشة وعدم التصديق أن يعقد وزراء الدفاع والخارجية العرب اجتماعا مشتركا اليوم في القاهرة، ينتهى بإصدار قرار يأذن بإنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة. سبب دهشتي هو اعتقادي أن انشاء هذه القوة العسكرية المشتركة كان في سابق الأيام هدف أمة وصلب عقيدة. فهل عاد الحلم وعادت الأمة. زالت الدهشة عندما اتصل بى صديق عزيز في الجامعة العربية يزف لي نبأ إلغاء الاجتماع أو تأجيله، بناء على رغبة بعض دول الخليج. هكذا تعود الأمور إلى سياقها الطبيعي فنسأل عن السبب المباشر وراء إلغاء هذا الاجتماع، ونضم السؤال إلى أسئلة أخرى مثل السؤال عن سبب هذا الصمت واللامبالاة المقيتة وتجاهل أمن المواطن العربي من جانب جامعة الدول العربية؟
أنا أسأل ولا أنتقد لأنني استطيع أن أقدر مشاعر الناس في شوارع العرب، في بغداد وحلب وحماة وبيروت وصنعاء وبنغازي وتونس. حينما نكون هناك نسمع السؤال عن أسباب غياب الجامعة العربية عن المشاركة في معارك الدفاع عن الحريات والحقوق والكرامة والعدالة والمساواة. أين تقف الجامعة العربية من طرفي المعارك، تقف مع الشعوب وثورتها من أجل التغيير؟ أم مع الحكومات وإصرارها حماية الوضع القائم. تدافع الأمانة العامة للجامعة عن نفسها كعادتها أحيانا، وليس دائما بأنها تمثل حكومات ولا تمثل الشعوب. تعرف الحكومات، وتعرف الأمانة العامة، ونعرف نحن أيضا أن الجامعة بإصرارها تنحية نفسها، واحتماء باللوائح والقوانين، ورفضها تحمل مسؤولية غياب صوتها، تقدم نفسها هذه المرة، وربما للمرة الأخيرة ضحية أمام فيضان غضب شعبي متصاعد. يدعو أيضا للأسف أن حلم القوة العربية المشتركة لا يكاد يحظى برضاء، ولا أقول حماسة، شعوب غارقة لأذنيها في كوابيس الحرب على ثورتها وغياب الجامعة عن مساندتها.
اختلفت الشعوب العربية في السنوات الأربع الماضية عن الشعوب التي عرفناها في عقود وسنوات أسبق. هذه الشعوب سواء كانت تستعد وتجرب نفسها لثورة أشمل وأعمق، أو كانت ثورات ربيعها مازالت فاعلة ومتمددة ومتوسعة بمرونة وتدرج وفي هدوء، فإنها لن تقتنع ببساطة، كما اقتنعت من قبل في ظرف أو آخر، بأن الأمين العام للجامعة ليس أكثر من موظف كبير في الأمانة العامة، وأنه لا يحمل مسؤولية سياسية وحقوقية وقومية. في الوقت نفسه هي تعرف أن الأمين العام يستطيع لو شاء أن يفعل على الأقل ما فعله أمينان عامان سبقاه قبل عقود إلى هذا المنصب القومي الرفيع، حين وقفا مع الشعوب والتزامهما الإنساني ضد حكومات اعتقدا أنها أخطأت».
العرب يتجهون شرقا
هل هي مصادفة أن يوجد أربعة من كبار القادة العرب في موسكو في وقت واحد؟ هذا التساؤل بدأ به عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» مقاله مواصلا: «سيقول ذوو النوايا الحسنة أن هذه المصادفة سببها الدعوة التي وجهتها روسيا إلى زعماء كثيرين في العالم لحضور معرض ماكس للصناعة العسكرية الروسية، الذي أقيم في جوكوفسكي بالقرب من موسكو وتشارك فيه 700 شركة روسية وأجنبية من 30 دولة،
لكن روسيا تقيم هذا المعرض سنويا. وكثير من بلدان العالم تقيم معارض مماثلة، ولم نجد مثل هذا التوافد العربي من قبل. صدق من قال إن السياسة لا تعرف المستحيل، وهكذا وجدنا العاهل الأردني الملك عبدالله بن الحسين والرجل الأقوى في الإمارات الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، إضافة بالطبع إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي زار موسكو ثلاث مرات واستقبل الرئيس الروسي فلايمير بوتين في القاهرة قبل شهور وقبله وزيري الخارجية والدفاع الروسيين مرتين. وهناك تقارير بمشاركة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أيضا. وإذا صح وتحقق أن يزور العاهل السعودي موسكو، سواء الآن أو في الخريف المقبل، وقبله ولي ولي العهد، فهو تطور سياسي كبير يكسر كل ما كان موصوفا بأنه تابوهات أو محرمات، لكن الواقع يقول إن توجه كبار المسؤولين السعوديين إلى العاصمة الروسية صار أمرا مألوفا في الشهور الأخيرة، بعد أن كانت علاقات البلدين مقطوعة لعقود طويلة على وقع الخلافات الأيديولوجية أيام الاتحاد السوفييتي ثم الصراع في أفغانستان وما صاحبها من العلاقات المتميزة جدا بين الرياض وواشنطن. بعد ثورات الربيع العربي بدايات عام 2011 وصلت رسالة للخليج واضحة أن واشنطن تريد تجريب ما تعتقد أنه نسخة من الإسلام المعتدل كي تضرب به الإسلام المتطرف، وهي الرسالة التي فهمتها عواصم الخليج، خصوصا الرياض وأبو ظبي على أنها دعوة صريحة لإسقاط أنظمتها أو إجبارها على التغير. وعندما قامت ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر كان طبيعيا أن تؤيد بلدان الخليج هذه الثورة دفاعا عن وجودها ومصالحها، بل أن السعودية والإمارات دخلتا في صراع علني مع الولايات المتحدة بشأن دعم الثورة المصرية، كما سارعت موسكو إلى دعم الثورة أيضا. ما زاد التوتر العربي مع أمريكا هو أن بلدان الخليج قرأت الاتفاق النووي الأخير بين الغرب وإيران باعتباره رسالة أمريكية ببيع الخليج إلى طهران وبثمن بخس، خصوصا أن إشارات الفتونة الإيرانية زادت جدا بعد الاتفاق. العرب اتجهوا شرقا لأنهم يعتقدون أن الغرب خذلهم، ويعتقدون أن التقارب مع الشرق خصوصا روسيا والصين هو الطريقة العملية الوحيدة التي ستفهمها الولايات المتحدة عندما تدرك أن مواقفها السياسية قد يتم ترجمتها إلى خسائر اقتصادية. على العرب أن يبحثوا عن مصالحهم الحقيقية سواء كانت في الشرق أو الغرب، عليهم أن يتوقفوا تماما عن التعامل مع القوى الكبرى انطلاقا من الناحية العاطفية، العالم لا يعرف العواطف، فقط المصالح».
حسنين كروم