ما فائدة اليونسكو في عالم يحرق كل ميراثه الإنساني على يد عصابات كأنها خارج كل عقاب؟ لماذا لا تتحرك المنظومة الدولية بشكل أكثر فاعلية لحماية الميراث الذي يجعل من الإنسان إنسانا؟ الشجب لا يكفي.
يجب تطوير وسائل جديدة لحماية هذا المنجز الإنساني التاريخي الذي لن يتكرر أبدا. فهل الإنسانية وصلت إلى العجز الكلي الذي يدفع بها إلى الاستغناء عن جزء من ذاكرتها التي تتم إبادتها، بشكل علني، بسبب الضغينة والجهل؟ في الحرب العالمية الثانية أبدعوا فرقا لحماية التراث الإنساني من تسلط النازية، التي على الرغم من كل جبروتها، كانت تسرق اللوحات والمعالم التي يمكن نقلها، ولكنها حفظتها، باستثناء ما أكله القصف الجوي. بعد الحرب تمت استعادة الكثير من المسروقات.
اليوم كل شيء يتم تدميره بشكل معلن، منذ أن قام طالبان بتفخيخ تماثيل بوذا وحطموها ليتركوا المكان، الذي قاوم القرون، مجرد كومة أحجار وغبار. صمت المشرفون على تراث الإنسانية، باستثناء بعض نداءات الاستغاثة الضعيفة، وكان ذلك إعلانا على وصول البدائية والتوحش إلى أقاصيها.
شيئان وراء هذا الصمت الذي أصبح قانونا، أو الشجب الخجول؟ إما أن هذا الأمر ليس مهما بالنسبة لأوروبا، وبالتالي فهي غير معنية به لأنه يقع خارج مجالها الثقافي واهتماماتها الإستراتيجية، إذ لنا أن نتخيل آثار تحطيم معــــالم أثرية أساسية في فلورنسا أو باريس أو برلين أو لوس أنجليس أو سيدني، أو غيرها من مدن المعمورة في جزئها المتقدم حضاريا؟ ستقوم الدنيا ولن تقعد، وسيعيش العالم في حداد من دون نهاية، وهذا هو الطبيعي.
وقد يدخل العالم المتحضر حربا أكيدة ضد مسخ الإنسانية، وتوقيف القتلة على جرائمهم ضد ذاكرة الإنسانية. الديكتاتوريات بكل جبروتها وبطشها لم تستطع أن تغيب حق الوجدان العام في الحياة والتجلي. تحطيم معالم مدينة تدمر السوريا، لا اسم له إلا التواطؤ الذي يقف وراءه للأسف، أولا المثقفون العرب بصمتهم المخيف، لا يحركون ساكنا حتى برسالة جماعية موجهة للضمير العالمي. لم تبق إلا المؤسسات الدولية التي بإمكانها أن تفعل شيئا قبل فوات الأوان.
هناك حلول مؤقتة يمكنها حفظ الحد الأدنى. عندما اندلعت حرب الرماد في الجزائر في التسعينيات، وكان على رأس المتاحف الوطنية متخصصون وعشاق للميراث الوطني والإنساني، تم الاتفاق مع اليونسكو على القيام بواجب الحفظ بمعارض تدويرية عبر العالم. وخرجت الكثير من القطع المهمة وجابت العالم على مدار سنوات عديدة قبل أن تعود إلى الجزائر.
ولعبت اليونسكو وغيرها من الهيئات المتخصصة في حفظ التراث دورا مهما. صحيح أنه لا يمكن نقل مدينة مثل تدمر بكاملها لكن يمكن تهريب ما يمكن تهريبه من طرف الدولة أو بقاياها بالاشتراك مع اليونسكو نحو المناطق الأكثر هدوءا، وأعتقد أن هذه الجهود التي قام بها العالم الكبير خالد أسعد هي ما أنقذ بعض المعالم الأثرية المتحركة من مخالب «داعش» التي لا يقف أمام سياسة المحو والعدمية التي اتبعتها أي قانون إلا مواجهتها بكل الوسائل القانونية والعسكرية.
ما يزال في العالم العربي ما يمكن إنقاذه من تراثه الأثري الذي يتعرض اليوم للتلف المقنن. اليونسكو، يمكنها بوسائلها الكبيرة، على الرغم من صعوباتها المالية، أن تفعل الكثير في صالح الآثار المهددة التي لم تدمر بعد. وقد بينت لجنة حماية التراث العالمي في اليونسكو،عن قدرات حقيقية في لحظات التأزم. بفضل جهودها مثلا تم اعتماد جزء كبير من الميراث العالمي الذي كان مهملا زمنا طويلا. أدرجت مثلا موقع النقوش الصخرية بحائل في التراث العالمي كرابع موقع سعودي، ويعد هذا إنجازا تاريخيا وتراثيا جديدا للمملكة. فهو فريد من نوعه كون هذه الرسوم من الآثار النادرة التي تصور الحياة اليومية للإنسان في فترة ما قبل التاريخ. في هذه الرسومات الصخرية تعبيرات فنية، آدمية وحيوانية وأنشطة صيد، رسمت قبل 10 آلاف سنة.
الشيء نفسه يمكن أن يقال عن سوريا التي تحوي مواقع تاريخية وأثرية شديدة الحساسية، أدرجت منظمة اليونسكو ستة مواقع منها على قائمة التراث العالمي المهدد، بعد تعرضها للخطر والقصف بفعل المعارك الجارية منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. الكثير من الآثار التاريخية تأثرت جراء القصف أو التخريب، مثل سوق حلب التاريخي الذي التهمته النيران، وقلعة المدينة نفسها لم تكن في منأى عن قذائف الهاون العمياء. حتى مئذنة الجامع الأموي التي يعود تاريخ بنائها للقرن الثامن الميلادي، تضررت جرّاء المعارك الضارية في محيطه. وقد حذرت منظمة اليونسكو المجتمع الدولي من كارثةٍ تاريخيةٍ ستمس سوريا، لهذا أيّدت اقتراحا فَرنسيا أثناء دورتها السنوية في مدينة بـنومبينَه، عاصمة كمبوديا، لتأسيسِ صندوق خاصٍ للحفاظ على الآثار السورية العريقة. اليمن أيضا كان موضوع اهتمام من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). فقد أدرجت مدينتا «صنعاء القديمة» و»شبام مع سورها القديم» على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، بسبب ما تتعرض له المدن الأثرية من تخريب جراء النهب والسرقة في ظل غياب الدولة، إضافة إلى القصف العشوائي الذي يمحو في طريقه كل شيء. وصنفت اليونسكو في السياق نفسه، موقع مدينة الحضر الأثري العراقي على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر بعد نشر «داعش» شريط فيديو يظهر عناصره يدمرون بالبنادق والمطارق آثارا في هذا الموقع المدرج منذ 1985 على لائحة التراث العالمي، إذ يظهر مسلحان يتحدث أحدهما قائلا إن التنظيم أرسلهما لتحطيم الأوثان. قمة الجهل والضغينة. الأمثلة كثيرة ولا يمكن حصرها كلها، عبر العالم. فوضع المواقع والمدن العربية المهددة بخطر التدمير، في قوائم المحميات الثقافية الإنسانية، جميل ومهم، لكن ما جدوى ذلك إذا كان الأثر مدرجا كموقع محمي، ويحطم بلا رحمة على مرأى العالم. ماذا فعلت اليونسكو والمنظومة الدولية لحماية هذا الميراث الذي وضعته هي على قوائم الحماية؟ أليست لديها وسائل يمكن تفعيلها قبل فوات الأوان؟ ما نرى حدوثه اليوم هو عزل للعالم العربي وتصحيره وتفقيره ثقافيا، وتحويله إلى كيان ضائع، بلا حياة ولا تاريخ.
نظرية المؤامرة معناها عدم تحميل الأنا المريضة مسؤولياتها التاريخية، لكن لا يمكن أيضا أن نتصور أن ما يحدث اليوم عملية عفوية وليس القصد من ورائها تدمير الميراث الإنساني وعزل العالم العربي وتفكيكه بسرعة غير مسبوقة على المستوى الجغرافي والتاريخي والثقافي، بحيث لن تجد الأجيال المقبلة شيئا ترتكز عليه إلا صحراء قاحلة وقاتلة أيضا، لا تثمر في النهاية إلا الخوف. لهذا أستغرب هذا الصمت الأوروبي الأمريكي؟ ماذا كان سيحدث لو حدث كل هذا التخريب في الدول المتقدمة كما ذكرت سابقا؟ هذا كله لا يخفي مطلقا مسؤولية المثقف العربي وسلبيته الثقيلة، لأن الأمر يتعلق بتاريخه الإنساني ووجدانه العميق وكينونته التي أصبحت اليوم محل اندثار.
واسيني الأعرج