كل هذه المآسي العربية… عن أيها نكتب؟

في مواجهة هكذا مشهد دراماتيكي عربي، متعدد المسارات والأزمات والصراعات، ليس سهلا رسم خطوط فاصلة، ولا إعطاء أولوية لأحدها على الآخر. ويظل السؤال الأبدي أمام المراقب: عما أكتب اليوم؟
هل عن مصر التي لا تفارقنا مهما بعدنا عنها، أو حاولنا ان «نشفى» منها؟ هل أكتب عن «الخطاب العدمي» الذي يجمع بين النظام والإخوان ويمثل تقاطعا مصلحيا في ما يشبه التواطؤ ضد المصلحة الوطنية؟ هل نسأل ان كان اقصاء النظام أي عضو في الجماعة على انه إرهابي، حتى إذا كان يدين العنف هو الذي سيحقق الأمن والاستقرار؟ أو ان كان التصوير السوداوي لأي انجاز حكومي أو حتى هبة ربانية مثل حقل الغاز الضخم في البحر المتوسط على انه «كارثة أو مصيبة اقتصادية» هو الذي سيسقط النظام أو حتى يضعفه؟ أم عن ماهية السر وراء إصرار أحد جناحي جماعة الإخوان المتصارعين على الإمعان في الانتحار سياسيا واجتماعيا بالاستمرار في التورط في أعمال العنف؟
هل نكتب عن الانتخابات البرلمانية المرتقبة، وما تشهده من تقاسم للكعكة بين ما يمكن تسميته بـ»السلفية الأمنية» والفلول و»أحزاب الديكور الديمقراطي»؟ أم عن نظام يعتبر ان نجاح الانتخابات يتمثل في عدم دخول أي معارض إلى البرلمان، مع ان مصلحته هو نفسه تقتضي وجود معارضة وطنية حقيقية؟
هل نكتب عن مخبرين محسوبين زورا وبهتانا على الإعلام وصل بهم الرخص والقبح إلى توجيه التهديدات إلى المشاهدين على الهواء من عواقب التظاهر السلمي للتعبير عن آرائهم ومطالبهم وكأنهم موقوفون يتعرضون للتوبيخ في أحد المقرات الأمنية؟ بل واستخدام صورة الطفل السوري إيلان لتحذيرهم من مصير مشابه لأولادهم ان تجرأوا على معارضة النظام؟ أم عن «عاهات إعلامية حقيقية» تتحدث عن «المجلس الأعلى للعالم» ومن يقفون وراء أحداث الزلالزل أو تغرق المشاهدين في الخزعبلات مثل «الجن الذي قد يمارس الجنس مع بعض النساء لكنه لايستطيع ان يفض غشاء البكارة»؟
أم نكتب عن حقيقة ما يثار حول دور مصري في حل الأزمة السورية تزامنا مع التحولات الدراماتية في مواقف دول أوروبية لصالح بقاء نظام بشار الأسد ووصول الجيش الأحمر إلى اللاذقية؟ أم عن بعض فصائل المعارضة السورية المشغولة عن كارثة شعبها بالتصارع على المناصب والأموال حسب تصريحات منذر اقبيق عضو ما يسمى بـ»الائتلاف السوري»؟ أم عن الشعب السوري الذي دفع ثمنا باهظا بل وتاريخيا من الشهداء ليجد نفسه مضطرا للاختيار بين نظام مجرم ومعارضة فاسدة وجماعات إرهابية لا تخفي نيتها في ذبح الأقليات فيما يروج لها على انها هي من ستأتي بـ»الحرية» إلى سوريا؟
هل نكتب عن المشهد التراجيدي في فلسطين التي أصبحت نسيا منسيا في أغلب وسائل الإعلام العربية؟ هل نسأل متى يصل إليها الحراك الشعبي أو الانتفاضات التي عادت تطل برؤوسها في العراق ولبنان؟ هل نفحص ما يحدث في كواليس النخبة السياسية التي اتفقت على الا تتفق؟ أو نسأل كيف من المفترض ان يقوم المجلس الوطني بتجديد شباب اللجنة المركزية، إذا كان أغلب أعضائه في الستينيات أو السبعينيات؟ أو لماذا يتشبث البعض بالسلطة حتى وقد بلغ أرذل العمر؟ أو كيف تتحدث بعض الفصائل عن المقاومة فيما تجري مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة توني بلير الذي يسعى إلى التصفية النهائية للقضـــية الفلســـطينية بالفصل النهــــائي بين الضــــفة والقطـــاع واطلاق رصاصة الرحمة على مشروع الدولة الفلسطينية؟
هل نكتب عن اليمن الذي كان يوما سعيدا لكنه أصبح مدمرا ممزقا وضحية لكارثة إنسانية مروعة بعد نحو ستة شهور من القصف المتواصل كان من المفترض ان يكون نجح في «تحريره» إلا ان الواقع يشير إلى غير ذلك، سواء من جهة استمرار عجز الرئيس عبد ربه هادي وحكومته عن العودة للبلاد أو استمرار قدرة الجيش اليمني على شن عمليات كبيرة كالتي شهدتها مأرب قبل عدة أيام وأوقعت نحو مئة قتيل من جنود التحالف، أو استفادة جماعات إرهابية وخاصة القاعدة من تردي الأوضاع والسيطرة على مدن ومحافظات كاملة لتقيم دويلة جديدة لها في الخريطة العربية؟
هل نكتب عن سرطان التطرف والإرهاب الذي يستشري بسرعة في أوصال الأمة أم عن المشاهد المأساوية للاجئين الهاربين من جحيم تنظيماته إلى جانب الأنظمة الفاشلة الديكتاتورية؟ وإذا كانت الحدود التركية المفتوحة على مصراعيها قد تجذب الملايين خلال الشهور المقبلة ليس فقط من الفارين من الحروب بل من المهاجرين الاقتصاديين والمحبطين والمهمشين والغاضبين من تردي الأوضاع في كثير من البلاد العربية؟
أم نكتب عن سياسة تبدو متعمدة لاغراق تركيا في العنف العرقي باجواء تشجع على قتل الأكراد والمخاطرة باشعال حرب أهلية، أملا في الحصول على أصوات القوميين الأتراك في انتخابات صعبة يواجهها الرئيس رجب طيب اردوغان خاصة مع التدهور الاقتصادي، فيما يرى «حلمه العثماني» يتصدع من حوله بعد ان طرق تراجع تيار الإسلام السياسي أبواب قصره الجديد الذي تكلف ستمئة مليون دولار؟
للأسف تضيق المساحة عن مجرد الإشارة إلى أزمات أخرى لا تقل أهمية سواء في العراق أو السودان أو لبنان أو بعض دول الخليج وإيران. لكن نسأل أخيرا هل تحتاج هكذا أمة تنهار من داخلها إلى أعداء؟

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية