الجزائر ـ «القدس العربي»: تعتبر مدينة سيدي بلعباس واحدة من أجمل مدن الغرب الجزائري. هذه المدينة تقع ما بين مدينتي وهران وعين تيموشنت شمالا وما بين تلمسان غربا ومدن النعامة وسعيدة ومعسكر شرفا، اشتهرت بجبال تسالة التي تحتل 24 في المئة من مساحة المدينة. بلعباس هي مدينة الثقافة والفن وموسيقى الراي.
سميت المدينة بسيدي بلعباس نسبة إلى الولي الصالح سيدي بلعباس البوزيدي، ورغم أن بعض المؤرخين يقولون إن تاريخ المدينة حديث، إلا أن ما جاء في كتابات الرحالة القدماء يشير إلى أن لسيدي بلعباس تاريخا عتيقا.
الآثار التي تم العثور عليها في مناطق مختلفة مثل وادي سيفون وترومبل وتسلبة تشير إلى أن إنسان العصر النيوليتي أقام هناك، كما أن الأسماء التي أطلقت على بعض المناطق مثل «تيغاليمات» و»تيلوين» و»مغرمان» تؤكد أن الأمازيغ أو البربر أقاموا فيها.
فقد مر بها حسن الوزان المعروف باسم «ليون الأفريقي» والتي كتب عنها في أوراق رحلاته قائلا:» تسالة مدينة عريقة في القدم، بناها الأفارقة في سهل كبير يمتد على مسافة عشرين ميلا، وينتبت قمحا جيدا غليظ الحب، يمكنه أن يزود تلمسان بما تحتاجه من حبوب، ويعيش أهل تسالة تحت الخيم، لأن المدينة خربت، لكن مازال السهل يحمل اسمها، ويؤدون هم أيضا خراجا مرتفعا إلى الملك».
تاريخ عريق
عاشت في المدينة قبائل بني عامر من أحلاف الهلاليين الذين قدموا في حدود منتصف القرن الخامس الهجري، في إطار امتداد الدولة الفاطمية إلى شمال إفريقيا، وقد غيروا طبيعة المنطقة، بجلب خبرتهم في تربية المواشي، والإنتاج الصناعي، وحتى ابن خلدون تحدث عنهم، قائلا إن عددا من علمائهم من الصوفية أسسوا زوايا وأقاموا مساجد، فيما يسميهم العلامة الجزائري الراحل عبد الرحمن الجيلالي بالعوامر، وينسبهم إلى جدهم عامر بن ابراهيم بن زغبة الهلالي، وكانت قبائل بني عامر قد قاومت الحملات الصليبية الاسبانية، وبعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، وقيام أولى حملات المقاومة، انضمت تلك القبائل إلى الأمير عبد القادر في مقاومته للمستعمر، وقاوم سكان بلعباس الحملة الفرنسية على المدينة بضراوة، لكنهم انهزموا في النهاية ـ واضطرت القوات الاستعمارية إلى إنشاء مركز عسكري متقدم بالقرب من ضريح الولي الصالح سيدي بلعباس البوزيدي، بعد أن أدركت الأهمية الاستراتيحية لهذه المدينة، لتصبح بذلك مدينة عسكرية.
وكان بنو عامر يعلمون القرآن، وفتحوا الكتاتيب، وعرفوا أيضا بالشعر الملحون، الذي يعتبر نبض الثقافة الشعبية، فابن خلدون قال عنه إنه حتى وإن لم يكن فيه إعراب، إلا أنه يتضمن صنوفا بلاغية، وضرب الأمثال، وقد عرفت المدينة بعدد من الشعراء الذين كتبوا أجمل القصائد التي جسدت تلاحم المنطقة، ومآثر سكانها، بين هؤلاء أبي ساكن محمد بن عسكر الهلالي، مصطفى بن ابراهيم، أحمد ولد الزين.
خلال الفترة ما بين الحربين العالميتين كان هناك تنافس بين الأحزاب والحركة الإصلاحية، لإقناع الشعب بالتجند خلف المطالب التي رفعتها الحركة، وكان من نتائج هذا الصراع إنشاء العديد من المدارس، وتكريم الفقهاء والعلماء وتشجيع رواد العلم، وتقديم المساعدة لإنشاء مدارس حرة، مثل مدرسة التربية والتكوين التي أسست سنة 1942، وانتهت الأشغال فيها بعد ثلاث سنوات، أي مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد جاء تأسيسها بهدف نشر الوعي السياسي والثقافي، والعمل على تحرير العقول من التقاليد البالية وكسر قيود الجهل والتبعية، وأنشأ حزب «حركة انتصار الحريات الديمقراطية» مدرسة النصر سنة 1952، وكانت تقوم بمهمة تعليم اللغة العربية والصلاة، لمواجهة محاولات طمس الهوية الجزائرية التي كان الاستعمار الفرنسي يقوم بها.
وتوجد في المدينة أيضا مجموعة من المساجد، يتقدمها المسجد العظيم، وهو معلم تاريخي وحضاري، إذ تم بناؤه سنة 1884، واستفاد من عملية توسيع سنة 1961، وعرف على مدار السنوات مرور عدد كبير من العلماء والفقهاء، ففي سنة 1905 كان يدرّس فيه بوعلي الغوتي الذي كان يبلغ من العمر 27 سنة، وخلفه بعد ذلك، عبد الحق بن منصور، قبل أن يترك منصبه ويسافر إلى السنغال، وفي ثلاثينيات القرن الماضي، تطوع للتدريس فيه أحمد البدوي بوبجرة إضافة إلى الشيخ البشير بويجرة، وظلا يتوليان مهمة الإمامة حتى وافتهما المنية.
وتسمى مدينة سيدي بلعباس بباريس الصغيرة، بالنظر إلى جمال وتناسق بنائها وعمرانها الذي يعود أغلبه إلى فترة الاستعمار الفرنسي، وقد حصلت سنة 1987 على لقب أجمل مدينة جزائرية، وقد كانت مقصدا للكثير من المعمرين الأوروبيين خلال الحقبة الاستعمارية، من فرنسيين إلى اسبان إلى الإيطاليين، لكن الأغلبية كانوا من الاسبان، لذلك ما زالت الكثير من الأحياء تحمل أسماء اسبانية الأصل.
عاصمة الراي
مدينة سيدي بلعباس هي عاصمة أغنية الراي، حتى وإن كان الكثيرون يعتقدون أن هذا الفن خرج من مدينة وهران، لكن هناك شبه إجماع على أن الراي الحقيقي خرج من سيدي بلعباس، أما وهران فكانت العاصمة التجارية لأغنية الراي، هذا النوع الغنائي الذي ظهر في الغرب الجزائري وانتشر ليصل إلى العالمية، وتعود أصوله إلى الأغنية البدوية، وكانت عبارة عن أغاني بالعامية القريبة من اللغة العربية والتي تحكي المشاكل الإجتماعية للسكان، خاصة خلال الحقبة الاستعمارية.
وبعد الاستقلال سنة 1962 بدأت أغنية الراي في شكلها البدائي تبحث عن مواضيع جديدة تلهم المستمعين، فهذه الأغنية ظلت تؤدى بعيدا عن الأضواء، في الجلسات العائلية أو الأعراس فقط، ولم يكن معترفا بها في الساحة الفنية، وكان الفن الممنوع المرغوب فيه الذي يتهافت عليه الشباب، خاصة وأنه بدأ يتحدث عن العشق والغرام في مجتمع كان يسعى لأن يكون محافظا.
وفي الثمانينيات أصبحت أغنية الراي ثورة حقيقية خرجت إلى العلن، خاصة مع فرقة «راينا راي» التي ظهرت في سيدي بلعباس، وطبعا كانت أغانيها في ذلك الوقت ممنوعة من البث في الإذاعة والتلفزيون الجزائريين «راينا راي» كانت ثورة حقيقية، لأنها أدخلت آلات موسيقية جديدة وحديثة على أغاني الراي، التي أعطتها روحا وإيقاعات، وصوت القيثار الكهربائي بأنامل الفنان لطفي عطار، ولعل الجميع يتذكر أغنية «الزينة» الشهيرة التي أطلقتها الفرقة سنة 1983 والتي لم تفقد جمالها رغم مرور أكثر من 30 سنة على إطلاقها، هذه الأغنية التي تقول ضمن كلماتها «يا الزينة الفن والراي خارج من بلعباس». هذه الأغنية جابت أرجاء العالم، وكانت أول أغنية خرجت الحدود وأعطت للراي شخصية وجعلته ينافس الطبوع العالمية الأخرى، وقامت الفرقة بجولة فنية قادتها إلى عدة دول غربية في مقدمتها فرنسا وفي الولايات المتحدة الأمريكية، الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا التي وجدت في هذه الفرقة ما يعبر عن شخصيتها، فشباب الجالية الممزقون بين أصولهم الجزائرية وحياتهم الفرنسية، وجدوا في فرقة «راينا راي» ما يعبر عن خصوصيتهم.
لكن «راينا راي» كانت ضحية نجاحها مثل الكثير من الفرق الكبيرة، وسرعان ما بدأت المشاكل بين أفراد الفرقة، في وقت كان يفترض فيه المزيد من العمل لمواصلة طريق العالمية، لكن الأهداف لم تكن واحدة، فالبعض كان يريد الاحتفال بالنجاح والاستفادة من ثماره والغرق في ملذاته، فيما حاول البعض الآخر تكثيف العمل من أجل تقديم المزيد، وعدم التوقف عند عتبة النجاح الأول، للبقاء بعد ذلك فوق القمة، ولم يكن سهلا الوصول إلى اتفاق فوقع الطلاق.
رغم ذلك واصلت فرقة «راينا راي» مسيرتها، لكن دون لطفي عطار الذي يوصف بأنه واحد من كبار عازفي القيثار في العالم، بل هناك من يرى فيه صوت «راينا راي» وروح هذه الفرقة، لطفي وزوجته حميدة التي رافقته طوال نصف قرن من مسار فني بدأه وهو في سن العاشرة، والتي كانت كاتبة كلمات الكثير من أغاني «راينا راي» رغم تكوينها أستاذة في اللغة الفرنسية، إلا أنها مهتمة بالشعر الملحون وكتبت كلمات الكثير من الأغاني، وبعد مغادرة لطفي لفرقة «راينا راي» أسس فرقة عمارنة التي كان لها رواج كبير، وبعد مدة اتصل بها رفقاؤه السابقين في «راينا راي» من أجل إعادة تشكيل الفرقة مجددا، وهو النداء الذي استجاب له لطفي عطار متخليا عن فرقة عمارنة، وكان من ثمار هذه العودة أغنية «الزغيدة» لكن المشاكل بين أعضاء الفرقة عادت مجددا، ووقع الطلاق مرة أخرى، لتفقد فرقة «راينا راي» روحها، وأصبح بعض أفرادها يضع اسمه وأمامه «راينا راي» ويغني منفردا، والفرقة نفسها واصلت لكن بأفراد آخرين، وبروح لم تعد هي روح وصوت فرقة «راينا راي».
وإذا كانت أغنية «الزينة» المأخوذة من التراث، والتي كانت تغنى قبل «راينا راي» في الأعراس والمناسبات هي أكبر نجاح فني حققته الفرقة «البلعباسية» فإن الكثيرون لا يعرفون أن الأغنية هي بداية الشقاق والخلافات داخل «راينا راي» والتي أدت لاحقا إلى إنفجار هذه الفرقة وتشتت أعضائها، وذلك لأن الأغنية نزلت إلى الأسواق قبل أن تنتهي عملية «الميكساج» الخاصة بها، وكان أحد أعضاء الفرقة هو من قام بإنزال الأغنية إلى السوق، دون علم باقي الأعضاء، بل إن حتى كلمات الأغنية لم تكن مضبوطة بشكل نهائي، بدليل أن المقطع الشهير الذي يقول «الفن والراي خارج من بلعباس» كان يفترض أن يقول «فن الراي خارج من بلعلباس»!
النزول إلى البذاءة
يقول لطفي عطار إن الراي الحقيقي أو الراي الذي يعتمد على آلات حديثة مثل القيثار الكهربائي ظهر في مدينة سيدي بلعباس نهاية الستينيات، أما مدينة وهران فكانت العاصمة التجارية للراي، وساهمت في ظهور ظاهرة «الشاب» التسمية التي كانت تسبق اسم أي مغني للراي، ولعل أكثرهم شهرة هما الشاب مامي والشاب خالد اللذين استفادا من الأرضية التي مهدتها فرقة «راينا راي» في فرنسا تحديدا من أجل الاستقرار فيها والانطلاق في مسار فني عالمي، من خلال أغانيهما التي أصبحت عالمية، والغناء مع فنانين عالميين من أمثال ستينغ، لكن أغاني خالد ومامي اليوم ابتعدت نوعا ما عن الراي، كما أن أغنية الراي الجزائرية في حد ذاتها سقطت في الابتذال وغرقت في الكلام البذيء، والكلام الذي لا معنى له بدليل أنه أصبح للشامبو و»جال» الحمام أغنية راي تتحدث عنهما!
ويرى لطفى عطار أن الكاباريه لعب دورا في انتشار «شباب الراي» لكن كان له أثر عكسي بعد ذلك على أغنية الراي، التي سقطت في الرداءة، بدليل أن الكثير من العائلات الجزائرية أصبحت تنأى بنفسها عن سماع أغنية الراي بسبب كلماتها البذيئة، فضلا عن سقوط الراي موسيقيا، فلم يعد هناك أي ابداع موسيقي، وأصبحت سرقة الألحان وبرمجة مقاطع موسيقية على «السيانتيتزز» هي السمة الغالبة، فالكسل والاستسهال جعلا من أغنية الراي مجرد صوت وليس صوت وموسيقى ورسالة هادفة.
لطفي عطار وفرقة «راينا راي» عموما لم ينالوا حقهم من الاهتمام والتكريم، هذا ما تؤكد عليه حميدة زوجة لطفي عطار التي تقول بأنه كان يفترض أن تكون هناك مدرسة ل»راينا راي» وأن العشرات من الشباب مروا بهذه الفرقة في أحلك وأصعب الظروف، خاصة لما كان عدد من أعضاء الفرقة يقيمون بفرنسا، حتى لا تموت فرقة «راينا راي»، بعضهم وافته المنية في ظروف قاسية دون أن يحصل على أدنى اعتراف أو تكريم. بل إن الكثير من المهرجانات الموسيقية التي تنظم لا توجه إليه الدعوة للمشاركة، وفي مقدمتها مهرجان الأغنية الوهرانية الذي ينظم سنويا، مشددة على أن زوجها لم يحصل على المكانة التي يستحقها، رغم أنه لم يطالب بأشياء كثيرة، لم ينشد الشهرة أو المال، وإنما عاش حياته من أجل شيء واحد هو الموسيقى، وحلمه أن تصل موسيقاه إلى العالمية، وأنه منذ الصغر يحلم بأن يعزف فوق خشبة ملعب وامبلي، مثل كبار عازفي القيثار من أمثال سانتانا وجيمي هندريكس وغيرهما، ولكن حلمه لم يتحقق حتى الآن، دون أن يستسلم أو يكل أو يشتكي، بل يواصل العمل والإبداع في الاستديو الصغير ببيته العائلي وسط سيدي بلعباس، هذا الاستديو الصغير الذي شهد مرور كبار مغنيي الراي.
بالنسبة إلى لطفي عطار مستقبل الراي هو في الخروج من دائرة الشاب وعالم الكاباريهات، والعودة إلى أصل أغنية الراي، إلى الأمور الأساسية، وهي كتابة نص محترم وتأليف موسيقى ووضع إيقاعات للخروج بمنتوج محترم، والحل في رأيه هو أن يتكفل المثقفون بأغنية الراي، لأن الأحرف الثلاثة راي باللغة الفرنسية تعني ثورة المثقفين والفنانين، لذا فالراي، حسبه، بحاجة إلى ثورة جديدة، بحاجة إلى تطوير من خلال مزجه بطبوع جزائرية وأجنبية أخرى، كما أنه لا بد من رعاية السلطات للراي والعمل على تطويره وانتشاله من الرداءة ومن والمنطق التجاري البحت الذي لا يهمه شيء سوى تحقيق الربح، ولو كان ذلك على حساب الابداع والذوق العام. مدينة سيدي بلعباس تستضيف سنويا منذ ثماني سنوات مهرجان أغنية الراي، وذلك بعد أن استرجعته من مدينة وهران، والتفكير قائم لجعل هذا المهرجان دولي، خاصة وأن الجارة المغرب تنظم مهرجانا دوليا لأغنية الراي، في حين أن الجزائر التي ولد هذا الفن فيها لا تنظم سوى مهرجان وطني ليس له بعد دولي، بل هو أقرب إلى المهرجان الجهوي.
وبحسب محافظ المهرجان عدة توفيق بوجلال فإن مهمته الأولى هو إعادة بناء المهرجان على أسس قوية ومتينة، خاصة وأن جمهور مدينة سيدي بلعباس متذوق للفن وللراي على وجه التحديد، لكن لا بد من تطهير هذه الأغنية، وإعادتها إلى السكة الصحيحة، مشددا على أن التحدي الحقيقي هو جعل هذا المهرجان دوليا ابتداء من الطبعة التاسعة، لأن كل الإمكانيات متوفرة، بالإضافة إلى الإرادة والكفاءات، الأمر الذي يجعل من إعطاء مدينة سيدي بلعباس مهرجانا دوليا للراي مسألة ضرورية.
كمال زايت