ثمار الخريف

حجم الخط
5

يأتي الخريف مثمرا في كل العالم. تفتح المدارس أبوابها، تعود الحياة لشوارع أعياها الكسل، ينحسر الصيف المشاغب ليترك المجال لفاكهة الحياة لتملأ سلالنا وعيوننا وقلوبنا بالأطايب من كل نوع، وهو بالنسبة لي أجمل من الربيع الذي تغنى به الشعراء والكتاب، مع أنّي أعشق الفصول كلها، وأعيش كل فصل بتفاصيله الجميلة على طريقتي.
على هذا الأساس لن يكون الخريف بالفصل الذي يهدّدنا بشيخوخة قادمة. إنّه الفصل الذي يفتح أبواب الحياة كلها لمن يريد أن يبدأ حياة جديدة.
وإن كانت المجتمعات القديمة وبعض مجتمعات القرى تحتفل بحلول الخريف وتقيم له إحتفالات مميزة فأعتقد أننا لم نعرف سوى القليل النادر من هذه الطقوس، ربما لأننا لم نكن أو لم نعد مجتمعات زراعية .
وإن كانت مهرجاناتنا تنتهي بنهاية الصيف، فإن المهرجانات الأوروبية والغربية عموما تتكثف خلال الخريف، في الشهر التّاسع تصبح الحياة راقصة وملونة في مدن أوروبية كثيرة ويروج لها بشكل مثير للإعجاب لأنه يصنع حركة لا نعرف طعمها.
موسم الدخول الأدبي موسم ساخن تتجنّد له كل الجهات من ناشرين وإعلاميين وقراء وكل المستفيدين من تسويق الكتاب وعناصر الثقافة الأساسية من مسرح وسينما وغاليريهات للفن التشكيلي وعروض متعددة.
وقد لاحظت أن أصدقائي المغاربة (المغرب، تونس والجزائر) أكثر اهتماما بالدخول الأدبي من غيرهم من الرقعة العربية، ويتابعون بشدة الدخول الأدبي الفرنسي، حتى وإن كان وضع الكتاب وكل النشاطات الثقافية شبه راكدة عندهم.
ينقلون أخبار الموسم الروائي الذي يبسط سحره بأكثر من 650 رواية بحسرة لا أبالغ إن قلت أنها تأخذ صورة دموع تقف على شرفات الأعين، فهم على بعد «خطوات» من أوروبا، ولكن الأوضاع عندهم تميل للموت أكثر منها للحياة، ما دامت قلوبهم معلّقة دوما بالقاهرة وبيروت والمشرق الذي حمل لهم الإسلام دينا.
بعض المثقفين الفرنكفونيين يحلمون بموسم يشبه الموسم الفرنسي، وحين يعبرون عن ذلك بأقلامهم تُسَلُّ في وجوههم أقلام أخرى تتهمهم بالتبعية والعمالة لفرنسا. حرب باردة متواصلة منذ نصف قرن وأكثر، ولا تريد أن تخمد لأن الأحداث تجددها. وكما قال لي أحدهم أن الرّصاصة التي تصيب أحدا في غزة تصيب الجزائري في قلبه. وقد أخبرتني صديقة جزائرية أن شخصا في قرية منسية في جبال الأوراس أحرق بيته احتجاجا على ما يحدث في غزّة …هذا هو الواقع كما ترون ويصعب الإنفلات منه. وهو واقع عاطفي ملغّم بمشاعر معقّدة دمّرتنا أكثر مما ساعدتنا على النهوض والمقاومة.
ويبدو لي أن من الأسهل علينا نحن أبناء الخليج والمشرق أن نتحدث عن مواسم القطاف الأدبي في أوروبا لأننا لا نعاني من مشكلة هوية وسياسية تجاه باريس أو عواصم أوروبية أخرى. فكل هذه العواصم هي عواصم ثقافة وموضة وفن وشوبينغ وسياحة، أما الأحقاد الإستعمارية فأعتقد أننا في الخليج تجاوزناها. والدليل أن لا عقدة لغة لدينا. وأموال النّفط التي نتهم بها على أنّها حوّلتنا إلى شعوب مبذرة، فتحت أمامنا أبواب التعليم على مصراعيه، واليوم نحاول أن يكون هذا الخليج منارة ثقافية. والدليل أن معارض الكتاب العربي لم تعد تعط ثمارها إلاّ في عواصم الخليج بما فيها الرياض التي كانت تتهم بالإنغلاق ومحاربة نوع معين من الكتب.
وفيما لم تعط أموال النّفط أي تغيير إيجابي لدول عربية كثيرة نرى أن الخليج يسير بهدوء نحو تغيرات جميلة. ورغم سعادتي بهذه التغيرات، بدأت أخاف على إنطفاء مدن كانت منارات ثقافية لنا في زمن مضى مثل القاهرة وبيروت. فحين ترتفع أصواتٌ اليوم لتقول أن دور نجيب محفوظ كروائي عربي ليس بهذا الحجم المضخم من طرف المصريين علينا أن ننتبه، فهذه عبارة تحمل أثقالا كبيرة، ستنسف بأسماء كثيرة كانت رموزا كبيرة أيام نهضتنا الأدبية والثقافية عموما.
حين نتحدث عن مواسم أدبية شبه ميتة أو ميتة فهذا يعني أن هناك خللا في المثقف نفسه. لأن الثقافة عرفتها في القاهرة وفي بيروت في المقاهي والتجمعات الإرتجالية لفئة من المتحمسين من الوسط. الشيء الذي لم أجده حتى في دول عربية أخرى، بل لم أجده بين النخبة العربية حتى في لندن وقد ذكرت ذلك في مقالات سابقة. وهنا كانت صدمتي، فلندن الزّاخرة بكل أنواع النشاطات الثقافية يغيب عنها المثقف العربي وتظل عينه مصوّبة نحو الموت الذي تزخر به أوطاننا.
يعيش هذا المثقف على هامش مدينة تمنحه حق الحياة، ويلتهي بتلك الدوامة لتأمين عيشه، ومتابعة همومه التي هرب منها …أليس هذا بالأمر الذي يدعونا على الإشفاق عليه؟
لا نسمع سوى الشكاوى من أصدقائنا المثقفين الذين حاربوا من أجل بلوغ برّ بريطانيا سالمين، وحصلوا على إقامات شرعية وجوازات سفر بريطانية.
يتأففون من كثرة العمل، وغلاء الحياة، وأعباء عائلاتهم في الأوطان المحترقة التي تطالبهم بمساعدات تفوق مداخيلهم. طبعا نحن شعوب تحب أن تتكئ على شخص واحد لتعيش وكأنه عصا موسى السحرية!
يخبرني أحد أصدقائي أن «الغارديان» و«الأنديبندنت» من الجرائد التي تفوق مستوى النخبة عندنا، لهذا قلّة نادرة تتابعها لكنّها أيضا لا تنقل من محتواها شيئا لعالمنا العربي عسى أن نتأثر بما يصنعونه ونصنع مثلهم، فهناك دوما خلفية سوداء في أدمغتنا جميعا على أننا شعوب لا تقرأ ولا يهمها الخبر الثقافي حتى وإن جاء من عواصم الجن والملائكة.
نحن خارج دائرة المواسم الثقافية، خارج مواسم الحصاد والقطاف والإستمتاع بفاكهة في متناول اليد.
يبدأ الشهر التاسع عندنا دون أي اهتمام بمواليدنا الثقافية. وحسب منظوري الخاص للأمور ينقصنا حماس ودهشة العشق للترحيب بما يزين حياتنا. شيء يشبه إلى حدٍّ كبير واقعنا اليومي حين نعرف سلفا أن المولود الجديد في عائلاتنا ليس أكثر من عنصر استهلاك وباب مصروف كبير لسنا متحضرين له لا ماديا ولا نفسيا، حتى أنّنا نتمنى في أعماقنا لو أننا أجهضنا هذا المولود للتحرر من مسؤولية الإهتمام به.
إلى الآن نحن منشغلون بأخبار الموت ونرّوج لها عبر كل وسائل إعلامنا ووسائل التواصل الإجتماعي دون أن ننتبه أن هناك من يريد أن يعيش ويريد كلمة تمنحه الأمل ليعيش غَدَه باطمئنان.
إلى الآن نحن نعيش مثل «نسوان الفرن» و»روّاد حلاّق الضيعة» لا نهتم سوى بمن مات أوّلاً للقيام بواجب العزاء، ثم بنمائم أخرى تقتل الوقت الذي لا نعرف كيف نهدره، وتخرب بيوت البعض لكنّها تسلينا. وعلى هذا النّسق يبدأ موسمنا الأدبي بأخبار متفرّقة لا وزن حقيقيا لها، بعيدة تماما عن وصف حراك ثقافي محترم في بلدان كان حالها أفضل بكثير في بداية القرن الماضي.
وحتى لا أكون سلبية أخبركم على صعيدي الشخصي أني اقتنيت أكثر من خمسة وعشرين كتابا أبدأ بها موسمي الأدبي، وتكون مادّة لبرنامجي «حلو الكلام» في موسمه الجديد.
فكل عام وخريفكم الأدبي بخير…
وللحديث بقية بإذن الله.

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية