مذيع سوري يعلن عجز إعلامه… فيلم تسجيلي عن يهود مصر متهم بالتطبيع… وقناة عراقية تشوش على حكاية الطفل إيلان

حجم الخط
8

خطبة لاذعة ضد لاجئ جاهز للرحيل، هكذا، إذا استعرنا من عنوان المسرحية الوحيدة لغارسيا ماركيز، يمكن أن نسمي تلك الحلقة من برنامج «غداً قد نلتقي» لواحد من أبرز ممثلي الإعلام السوري الرسمي المتلفز، ونعني المذيع أمجد طعمة. يستفيد المذيع من مواهبه التمثيلية المزعومة ليحاول التأثير في السوريين لثنيهم عن اللجوء، كأن الذين هجّوا كان لهم الخيار في ذلك. يستعطف، وتدمع عيناه، ويستخدم حركات زياد رحباني كالمعتاد، من آلاعيب لغوية مائعة (الأشقاء العرب، الأشقياء، لا ندري أين النكتة في ذلك، وما الابتكار!)، إلى تهدج في الصوت، ونبرة خطابية تستنهض العواطف القومية.
يسأل المذيع متفرجه «ألم يلفت نظرك أنه لم يبق من السوريين سوى عشرة ملايين؟ ألم يلفت نظرك أنها الهجرة الأكبر بعد الحرب العالمية؟»، ولا يخطر للمذيع أن يسأل نفسه أي سبب دفع الثلاثة عشر مليوناً (حسب إحصائياته هو) الآخرين لأن يتركوا البلد، وما هي الأسباب الحقيقية للهجرة الأكبر؟
يستعرض المذيع صور اللاجئين المأساوية كي يخوّف اللاجئين المحتملين ويردعهم، يقسم مراراً وتكراراً إن الصور ليست «فوتوشوب»، وهو حلفان في غير محله، فما دمت قررت أن تحل المسألة بالحلفان حبذا لو حلفت، في الحلقة المقبلة، أن نظامك لم يرم الأحياء الآمنة بالبراميل العشوائية، وبصواريخ السكود العمياء، ولم يعدم الآلاف في أقبية التعذيب.
يرفع المذيع مستوى الخطابة في آخر حديثه، تماماً كما لو أننا أمام مونودراما مسرحية ينبغي لها أن تنتهي بذروة ما، يقول بلغة زاجرة، كعادة كتاب التربية القومية المدرسي «ما لازم هالبلد تفضى، مو مسموح بلد عمره سبع آلاف سنة يفضى ويموتوا ولاده عالشط». ويبدو أن المسموح في عرف المذيع أن يقتل السوريون فقط بالبراميل وفي الأقبية.
يختم المذيع بإعلان عجزه وعجز إعلامه عن إقناع الناس بالبقاء، ويقرر لذلك الانسحاب وإنهاء الحلقة، ولا نعرف بالضبط إن كان يقصد إيقاف البرنامج برمته، إذ تستحق خطبة من هذا النوع أن تكون خطبة وداع، ويستحق اعتراف من هذا النوع أن يكون استئذاناً بالانصراف.

رجل عابر في مواجهة كلاب مسعورة

فيديو على موقع «يوتيوب» يصور كلبين في شارع في نيويورك يهاجمان بإصرار رجلاً عابراً، يعملان فيه نهشاً وعضاً، لكن الناس حوله لا يقفون مكتوفي الأيدي، فهم يحاولون ردعهما، وإن تحملوا بدورهم منهما هجوماً شرساً. عابرون يدافعون بالأيدي وبخراطيم الماء عن رجل عابر في مواجهة كلاب مسعورة.
يبدو فيديو نيويورك هذا وكأنه مصمم خصيصاً لمواجهة فيديو مشابه صور أخيراً في بيروت. في فيديو بيروت طارد رجل متوحش، بسبب خلاف على أفضلية المرور، مواطناً لبنانياً، وزرع جسده بعشرات الطعنات حتى قضى في قصة ذبح ولا أفظع، فيما الناس لا تلوي إلا على ضرب الكف بالكف، تحوقل وتمضي في طريقها.
من زمان، حين كنا نسأل عن الفارق بين بلادنا وبلاد الأجانب، كان الجواب الأسهل يأتي تحت عنوان واحد هو «إغاثة الملهوف». أي أن الناس في الغرب تمر ولا تكترث لجريح أو ميت أو ملهوف، فيما بلادنا لا يمكن أن تترك جريحاً في الطريق.
ليس فيديو نيويورك وفيديو بيروت استثنائيين، انظروا مثلاً مسألة اللاجئين السوريين، ففيها أجوبة كثيرة جدا!

حفيد كوهين

حسب تقرير متلفز لـ «فرانس24» فإن طالباً في كلية الإعلام في جامعة القاهرة أنجز فيلماً تسجيلياً بعنوان «حفيد كوهين»، بتكليف من أستاذه ومشاركة خمس عشرة زميلاً في التنفيذ. يتحدث الفيلم عن هجرة اليهود المصريين، وكيف أصبحوا اليوم بالعشرات بعد أن كانوا حوالي ثمانين ألفاً في خمسينيات القرن الماضي، إثر هجمات على مصالحهم.
كذلك يعكس التقرير المصاعب التي واجهها الفيلم بدءاً من عدم تجاوب الناس، إلى مشكلات أمنية، إلى اتهامات بالتطبيع مع إسرائيل. وهنا يتحدث الأستاذ المشرف لينفي تماماً تلك التهمة، قائلاً إنهم تحدثوا في الفيلم فقط عن اليهود المصريين، ولم يأتوا علـى سيرة إسرائيل.
تستطيع اليوم أن تجد لدى الإسرائيليين أنفسهم من المؤرخين من يقدم نظرة جديدة تدحض الرواية الإسرائيلية المتداولة، أو جزءاً منها على الأقل، وتنشر كتبهم ويجري تداولها، لكنك في المقابل لن تجد سوى جدار الإتهام بالتطبيع كلما حاولت البحث في تاريخ اليهود العرب، أو أولئك الذين كانوا عرباً قبل بعض الوقت.

مقعد في قطار

مقطع فيديو لرجل غاضب في قطار لندني، يصرخ بوجه شابة بريطانية بسبب وضعها حذائها على مقعد. الرجل اعتبر أن ليس من حقها أن تضع حذاءها على مكان سيلامس ثيابه التي سيصلي بها. الشابة ستصرخ بدورها دفاعاً عن تصرفها. هي حسب وجهة نظرها لم تخطئ، فهي، بالحذاء نفسه، تصلي في الكنيسة.
إنها معضلة ثقافية بحق؛ كيف بوسعنا أن نصل إلى حل لها خصوصاً مع غياب إمكانية الحلول الوسط، فمثلما لدينا مشكلة مع الحذاء ورمزيته، هذه التي لا تعني شيئاً للغرب، هناك أيضاً الكلاب، واللحوم الحلال، والحجاب، وسواها من مشكلات.
كان بوسع الرجل، بأسوأ الأحوال، أن يزم شفتيه امتعاضاً، أو أن يلعن، في سره، اليوم الذي جاء فيه هذه البلاد، أما أن يصرخ هذه الصرخة المدوية أمام كاميرات المراقبة في القطار، فهذا لن يدفع الشابة البريطانية، إلا لمزيد من الكراهية والنبذ والابتعاد يميناً.

قوة الصورة الأولى

مع كل أيقونة سورية جديدة تشكل دحضاً لرواية النظام السوري، ستجد من يشوش بحكاية تكذب وتناقض وتخترع حكاية بديلة. مع بدايات الثورة السورية كان هناك «القاشوش»، الذي بات أحد أساطير الثورة، فجرى اختراع رواية تكذب حكاية القاشوش وترى فيه شخصية مخترعة من الأساس. كذلك فعلت قناة تلفزيونية عراقية باستضافتها امرأة عراقية قالت إنها إحدى ضحايا غرق القارب الذي قضى فيه الطفل، الأيقونة إيلان كردي.
لكن أهم ما ساقه التقرير هو اتهام والد الطفل بأنه كان هو المهرب، حسب شهادة المرأة نفسها، وهنالك أيضاً اتهام الضمير العالمي بأنه احتفى بصورة غريق وحيد هو إيلان وأهمل غيره من العراقيين، مع العلم أن العالم نفسه أهمل أيضاً الأخ الغريق لإيلان، فهو ضحية بالقدر ذاته. وهنا يبرز دور الصورة، وأثرها الكبير.
في النهاية لن يستطيع أحد أن يبدل هذه الأيقونات التي انفصلت عن المحيط الذي ولدت فيه، وأخذت مسارها الخاص بها. مهما بلغت الحكايات الموازية من قوة، يبدو أن الحظوة ستظل للصورة الأولى المدوية.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية