رهان الكتابة وحده الأبقى

أريد هذه المرة أن أخرج قليلا من الرماد العربي، وأتحدث عن عقلية قد تكون عربية وشديدة المحلية. الجوائز الأدبية. بدل أن يتم تمجيد الكتابة بوصفها المقياس الأساسي لكل إبداعية، تثار القصص الغريبة حول الجوائز العربية وكأنها جسم غريب عن الحقل الثقافي؟ وكل من يفوز يتحول إلى هدف وربما شبهة: فلان فاز لأن له علاقات كثيرة؟ هناك اتفاق مسبق بينه وبين اللجنة؟ يكتب موضوعات ملساء خاصة بالجوائز؟ ترك قناعاته وأصبح يلعب في دائرة المال؟ ووو.
قراءة سريعة لعناوين الصحــف والمجلات في أعدادها التي تسبق الإعلان الرسمي عن الجوائز، أو اللاحقة، تؤكد على ما أقوله. أؤمن بشكل قطعي بكلام أحد الكتاب الكبار الذي يقول: الجوائز كالمرأة التي لا تملك إلا جمالها، كلما ركضنا وراءها، ابتعدت عنا بمسافة.
وفي كل لحظة تصنع فجوة بيننا وبينها لدرجة اليأس منها. ويبدو كلام الرهان على الكتابة أولا وأخيرا، عند هؤلاء الذين تحكمهم طاحونة الحسد، غير مجدٍ. لي تجربة متواضعة تسمح بالاقتراب من هذا الجدل الميت الذي ينبئ بتسيد عقل يمجد الهزيمة والإخفاق. يوم تم الإعلان عن الفائزين بجائزة المعرض الدولي في 2008 كنت في باريس.
رشح ناشري الجزائري «منشورات بغدادي» رواية أشباح القدس برفقة نصوص عديدة، وكان ذلك حقا من حقوقه الطبيعية كناشر. لم أعلم إلا لاحقا إذ كنت في باريس، بالسوربون. كلمني الأستاذ بغدادي، وكان برفقة زوجتي، لحضور حفل توزيع الجوائز، وأبلغاني بفوز روايتي.
بالصدفة كان هناك ممثل السلطة الفلسطينية في الحفل وكان هو من سلم الجائزة لزوجتي التي لم تتردد ثانية واحدة في إهداء مالها مباشرة لأحد المستشفيات الفلسطينية. سنة بعدها، رشحت مجموعة المكتبيين في الجزائر الروايات الأكثر مقروئية وكانت من بينها روايتي الأمير، ففازت بجائزة المكتبيين. كانت الرواية المعربة الوحيدة التي فازت بعد ثلاث دورات للفرانكفونيين. يومها خرج كاتب وإعلامي بشيء غريب.
بدل أن يقول كلمة خير، أعلن من المنبر الذي يتعامل معه أن رواية كتاب الأمير فازت لأنها فرانكفونية الهوى، بلغة عربية. ويوم كُلّفت، مع مجموعة من الكتاب العالميين، في إطار جائزة قطر العالمية للرواية، بكتابة التاريخ العربي روائيا وكان من ثمرة ذلك رواية سراب الشرق، ظل يبحث كيف وصلت الرواية إلى الفوز بهذه الجائزة؟ مع أن كل شيء بدأ بصدفة جميلة. كان معالي الوزير الدكتور محمود كافود، كما روى لي الحادثة، في رحلة عائدا إلى الدوحة، بعد أن اشترى روايتي: رمل الماية (1994)، فقرأها وأعجب بها. وعندما أعلنت الجائزة التي رُشِّح لها أكثر من خمسين روائي عربي وعالمي، قال الدكتور محمود كافود: الذي كتب التاريخ بهذه الطريقة المميزة، يجب أن يُرشح للمشروع. ورُشحت. وفازت سراب الشرق التاريخية، بجائزة قطر العالمية للرواية، في دورتها الأولى والأخيرة. وترجم المشروع وقتها إلى أربع لغات: الفرنسية والإسبانية والإنكليزية والعربية. قرأت وسمعت بعدها خرافات لم تكن في النهاية إلا الوجه الآخر للموت الثقافي. لم نعد نعرف كيف نكون سعداء لأجلنا ولأجل الآخرين. مع أنه في كل جائزة، عربية كانت أو عالمية، قدر لا يستهان به من الصدفة. أن يصادف عملك من يحبه، ومن يتقاسم معك مشترك الحرية الإبداعية والخيارات الجمالية، وأن لا يكون في اللجنة من يكرهك لوجه الله. صدفة أخرى، يوم كنت في الدوحة أسلم المشروع النهائي لرواية سراب الشرق، لمنسق الجائزة الناقد الكبير عبد الله إبراهيم، انطفأ تليفوني بسبب فراغ البطارية، ولم يكن معي جهاز الشحن، فمكثت بلا تليفون. سألني ونحن نشرب قهوة، صديقي الروائي المعروف نبيل سليمان: من تظنه يفوز بجائزة الشيخ زايد في نظرك؟ قلت صادقا: لا أعرف. وكنت قد نسيت حتى تاريخ إعلان الجائزة. أضاف. أعتقد أنه الكوني أو هدى بركات، لأني رأيتهما في برنامج المعرض. سافرت ليلا إلى باريس ووصلت فجرا. وضعت تليفوني في الشحن وخلدت للنوم. فجأة رن تليفوني الثابت. لم أقم. سمعت صوتا عرفته من نبرته للصديقة الصحافية التونسية صوفية الهمّامي وهي تبارك فوزي بالجائزة. ظننت أنها تقصد جائزة قطر العالمية للرواية. فقد كانت وراء دفعي للترشح لجائزة الشيخ زايد هي وصديقي الروائي والقاص الإماراتي ناصر الظاهري الذي شرح لي أهداف الجائزة، حينما كان في تونس للتعريف بها. يوم طلبا مني الترشح لم تكن في بيتي في باريس أية نسخة من رواية كتاب الأمير. نزلت إلى مكتبة ابن سينا لكنني لم أجد ولا نسخة، فوجهني صديقي هاشم، مدير ابن سينا، إلى مكتبة الشرق المحاذية له.
دخلتها للمرة الأولى. وأنا أعبر عتبة المكتبة، سألتني الشابة التي كانت فيها: كيفك دكتور واسيني؟ أجبت بخير. أضافت. أنت تأتي حتى ابن سينا ولا تزورنا، وكتبك كلها عندنا. خجلت من نفسي، لكني سُعدت بذلك. سألتها: هل لديكم رواية كتاب الأمير. أجابت بيقين: نعم. قلت أحتاج إلى خمس نسخ.
نزلت إلى المخزن وعادت محملة بسبع نسخ. أخذتها كلها. أتساءل: ماذا لو كانت الصدفة قاسية معي، ولم أجد عندها النسخ المطلوبة؟ كنت ببساطة اعتذرت لصوفية وناصر. فتحت موبايلي الذي كان قد شحن، فوجدت به أكثر من عشرين رسالة صوتية من أعضاء لجنة التحكيم ويظهر عليهم قلق كبير: لقد يا دكتور واسيني فزتم بجائزة الشيخ زايد، ونحن قلقون جدا ولا نعرف كيف نتصرف، وغدا توزيع الجائزة. في الليلة نفسها سافرت أنا وزوجتي وابني إلى أبوظبي.
وصلناها فجرا. نمنا قليلا وفي المساء كانت الاحتفالية المدهشة بالجائزة. جائزة الإبداع العربي في 2013، منحت ثقتها لرواية أصابع لوليتا التي رشحتها هيئة ثقافية عربية، لأن الكاتب لا يحق له الترشح شخصيا. كتبتها بجرأة ولم أتصور أن لجنة عربية ستقبل بها لسبب يتعلق بحرية القول.
لكن حظ أصابع لوليتا أنها وقعت بين أيدي لجنة كرمت حرية الإبداع قبل أي تأويل أخلاقي. كنت في معرض الكتاب بالشارقة، لتوقيع روايتي مملكة الفراشة، ولإلقاء محاضرة حول حرية المبدع، حينما كلمتني منسقة الجائزة وأخبرتني بالفوز. آخر الجوائز، كانت جائزة كتارا التي فازت بها رواية مملكة الفراشة التي رشحها الناشر الجزائري بغدادي. كنت في فلسطين، بين رام الله والخليل لتقديم الطبعة الفلسطينية من روايتي الأخيرة: سيرة المنتهى.
كلمتني زوجتي تخبرني بأن إدارة كتارا تريد الحديث معي. كلمتهم، فأخبرتني السيدة المنسقة بأن مملكة الفراشة واحدة من الروايات الخمس الفائزة بجائزة كتارا. أجمل من هذا، فقد فوجئت وأنا على المنصة لاستلام جائزة كتارا للنص المنشور، أن لجنة التحكيم المكونة من خبراء سينمائيين اختارت مملكة الفراشة لتفوز بجائزة النص القابل للتحويل الدرامي.
كانت سعادتي كبيرة لأن هذا في النهاية مكسب للرواية، فهو يمنحها حياة جديدة. هذه الرحلة في الجوائز العربية محكومة بصدف غير محسوبة قد تكون في صالحنا أو ضدنا. يحتاج المرء إلى الكثير من الحكمة والتبصر. الجائزة، كيفما كانت قيمتها المالية أو الرمزية، ليست أكثر من لحظة فرح طارئة، تكرم نصا بأن تجعله مرئيا. لهذا، فكل الحروب المثارة حول الجوائز خاسرة، لأن رهان الكتابة وحده هو الأبقى.

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية