■ في غمرة الانفعال العاطفي والبحث المرير والعبثي، في الوقت ذاته، عن انتصارات أو منجزات صغيرة، لم يكن أحد ليفكر في التناقضات الكبيرة التي تصطخب بها مسألة الوحدة اليمنية في مايو 1990، فهذه الخطوة أتت لتستكمل سياقاً تاريخياً بدأ مع الانتصار الحاسم في معركة الفاو، التي أعلنت العراق طرفاً منتصراً في حرب الخليج الأولى.
وكان التصاعد الحثيث للانتفاضة الفلسطينية والتلاعب على فكرة الدخول في عصر الصواريخ، مع إطلاق صاروخ العابد العراقي نحو الفضاء الخارجي، وأخيراً أتى مجلس التعاون العربي بين مصر والعراق واليمن والأردن ليعطي دفعة معنوية كبيرة للشعوب العربية، ولكن نقطة تحول أيقظت الجميع ليدركوا أنهم لم يكونوا بصدد مشروع جديد وأن كل ما عايشوه في هذه المرحلة القصيرة لم يكن إلا (صرحاً من خيال فهوى!).
الوحدة اليمنية بدأت مترنحة، لم يكن الوصف المناسب، هو التعثر أو التأزم، فأهل الجنوب شعروا بأنهم قدموا تنازلات كبيرة من دون أي مقابل، وأنهم تعرضوا لتمدد يفرض سيطرة أهالي القسم الشمالي من اليمن عليهم. وكانت حرب 1994 تشكل ما أخذ الجنوبيون يصفونه سراً وعلانية بالاحتلال من قبل صالح وقبائل الشمال لبلادهم، وذلك لا يمكن أن يتفهمه غير أهالي الجنوب في اليمن، فالأسطورة السائدة على المستوى العربي تفترض بأن اليمن كان تاريخياً موحداً، وأن انقسامه إلى قسمين كان نتيجة الاستعمار، ولكن الوقائع التاريخية تثبت بأنه لم يكن ثمة ما يسمى باليمن بالمعنى الذي يمكن أن نفهمه ضمن السياسة الحديثة، فاليمن في التاريخ هو جهة كاملة تسكنها مجموعة من القبائل والشعوب ذات الهوية المستقلة.
اليمن الجنوبي أتى كياناً مصطنعاً من قبل الاستعمار البريطاني، وكان إنهاء الدويلات المحيطة بعدن لتتحول إلى كيان موحد يشكل حاضنة لمستعمرته الاستراتيجية في عدن، وكانت هذه المنطقة تحمل تسمية محمية عدن، والدور الذي أدته فعلياً هو إيجاد عازل طبيعي لعدن عن محيطها الطبيعي.
محمية عدن التي نشأت على أنقاض إمارات وسلطنات محلية ومشيخات مختلفة اهتمت بأن تنهي التهديد الذي تشكله هذه الطبيعة السياسية القائمة على توازنات قبلية، من دون أن تعتبر محمية عدن منطقة جديرة بأن توليها العناية الكافية، وبذلك أتى اليمن الجنوبي ليكون كياناً جرى تشكيله في عجالة ومن دون أن تنضج روابطه المحلية، وكانت جهود تأسيس دولة حقيقية في الجنوب تواجه صعوبات جمة ومتعددة، فالدولة التقدمية التي عبرت عن نفسها من خلال سالم ربيع علي (سالمين) وعبد الفتاح اسماعيل، الرئيسين الثاني والثالث لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية اصطدمت بأزمة وجودية منتصف الثمانينيات وصلت إلى الاحتراب الأهلي، وألقت المشروع الجنوبي برمته في أحضان الرجل القوي في الشمال علي عبد الله صالح، مثل لقمة سائغة بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي الحليف التاريخي لنظام اليمن الجنوبي.
العلاقة بعد الوحدة كانت تندرج ضمن توصيف (فشل التوافق) بين المنهجين المختلفين في شطري اليمن، وبين ثقافتين ورؤيتين مختلفتين، وكان يمكن أن يجري تدارك ذلك في حالة وجود مشروع دولة بديل يمكن أن يوحد اليمنيين، ولكن مشروع صالح، الذي اعتمد على تجريف واسع لكل ما أحرزه اليمن الجنوبي من مكتسبات مادية ومعنوية، واعتباره بمثابة الغنيمة التي يمكن أن يعرضها على بعض منافسيه، وأن يضعها مكافأة لبعض حلفائه، أدى إلى إحباط عميق لدى يمنيي الجنوب، وعلى الرغم من وجود أرضية لمشروع وحدة تعيد ترتيب الحقائق ليس في منطقة الجزيرة العربية وحدها، ولكن في مناطق أخرى متاخمة أيضا مثل، الخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الافريقي، فإن صالح كان يبدد الفرصة بعد الأخرى، وكان واضحاً أن اليمنيين في الجنوب أخذتهم الصدمة بعيداً، ولسان حالهم يقول، إذا كان صالح قدراً وابتلاء في الشمال فلماذا استجلبناه لأنفسنا؟
اليمن الذي لم يكن واحداً في أي يوم، ضمن التاريخ المنظور على الأقل، مطالب اليوم بأن يصبح يمناً واحداً من جديد، مفارقة صعبة، خاصة أنه بينما تجري على الأرض وقائع صراع دموي بين الجنوبيين وحلفائهم في السعودية والإمارات وقطر من جهة، وفلول علي عبد صالح والحوثيين من جهة أخرى، فإن قلوب اليمنيين وصدورهم تجيش برغبات ثأرية متقدة بين القبائل في الجانبين، وصراع آخر ربما لن ينتهي في جيل أو جيلين سيصعد ليدفع باليمن إلى مصائر كارثية، حتى بعد انتهاء «عاصفة الحزم»، ومع ذلك، فإن شيئاً لا يبرر اليوم تقسيم اليمن، أو البحث عن أي صيغة لتفتيته، واليمنيون يمكنهم صياغة نموذجهم التعايشي الخاص في حالة اقتلاع عصر صالح بصورة نهائية، فالحوثيون في النهاية سيبقون أحد مكونات الشعب اليمني، وهم مثل «القاعدة» في حضرموت، نتيجة لتراكم سياسات فاشلة عمقت الفقر والبطالة والتفاوت الصارخ في الثروة والسلطة ومأسسة الفساد والسرقة.
صالح رجل مجرد من أي موهبة، وبعيد عن أي لمحة كاريزمية، وسبب استمراره لفترة طويلة هو ذاته سبب تمكن صدام حسين وحافظ الأسد في إنهاء فوبيا الانقلابات المزمنة، والمتلخص في إزاحة جميع الأطياف واغتيال فكرة التنوع، وتقريب العائلة الصغيرة والممتدة، وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يجهض أي توجه لتحقيق مجتمع المواطنة والمساواة، وفي مجتمعات ذات طبيعة قبلية وعشائرية، فإن العرض والطلب على المحاصصة ضمن شروط الديكتاتور، ووفق ما يحدده من شروط لكل مكون في مجتمعه يجعل القوى المختلفة تتنافس على رضاه.
المعز وجه لديكتاتورية الأسرة، وهو وجه يعيد إنتاج نفسه في النظام العشائري أو الطائفي، فالأسر المهيمنة على قبيلة معينة أو طائفة ما تدخل في لعبة استرضاء الديكتاتور، أما الخوارج فمصيرهم سيف المعز الذي يتحول إلى أداة سيطرة داخلية، من دون أن يؤدي دوره في حماية البلد ومواطنيه.
الجنوبيون في اليمن لم يكونوا يوماً تابعين لسيطرة صنعاء إلا لماماً، ولذلك فإنهم اعتبروا إدارتهم من قبل صنعاء في ظل حكم منفرد تجاوزاً أولياً على مؤسسة الوحدة، ومن ثم تزامنت عملية إقصاء للرموز الجنوبية، ترافقت بتصعيد سريع للموالين لصالح الذين تهافتوا على كعكة الجنوب من مناصب سياسية وأمنية، بما يعني أن الجنوبيين وجدوا أنفسهم في موقع الغنيمة، وهو الأمر الذي أدى إلى تسارع لحظة الاقتتال الأهلي في 1994، وكان حسمه لصالح يقوم على تعميق حالة الغضب المكبوت في الجنوب، ولكن تحركاً آخر بقي مستبعداً لاقترابه من دول الخليج ومراكز صنع القرار فيها، سواء بالتملق أو بالابتزاز، والمفارقة أن صالح كان في مرحلة ما يقدم نفسه بديلاً لصدام حسين ويطرح خلافته في موقع حراسة الخليج العربي، ومع ذلك فإنه تلقى هزيمة سريعة على المستوى الميداني والسياسي في الصراع على جزيرة حنيش.
اليمن اليوم يتجه للتقسيم بحكم أمر الواقع، وليس ليمنين شمالي وجنوبي كما كانت الأمور في السابق، ولكن إلى ست دول أو أكثر، والجنوبيون وحدهم يمكن أن يتخذوا المبادرة لضرب فكرة الانفصال والتشظي في اليمن، فقط هم يحتاجون للاستيقاظ في عالم لا يجمعهم بصالح، أما الحوثيون فالمسألة لا تتخذ بعداً سياسياً بقدر ما أصبحت مسألة ذات بعد قبلي ومذهبي.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق