ما تزال الحاجة مُلحة لتطوير النقاش حول مفهوم الكتابة النسائية، والتعريف بالإمكانات التي يقترحها هذا المصطلح، عندما يتحقق خطابا رمزيا، وتقريب دلالته الثقافية، بعيدا عن حصر المصطلح في مسألة قراءة كتابة أدبية تنتجها المرأة – الكاتبة، وتُشخص خطابها المُنظم والمُرتب بموقعها باعتبارها ضميرا فاعلا. لقد اهتمت المراحل الأولى بالمصطلح، بالتحديد النظري من أجل تجاوز ثنائية مع/ضد، التي أنتجت طروحات ابتعدت – في أغلب الأحيان- عن جوهر المصطلح، حين حوَلته إلى موضوع للصراع والاصطدام بين المؤيدين له، والذين يعتبرون المصطلح دلالة تعبيرية عن خصوصية المرأة في التصور والبناء واللغة، والمعارضين الذين يرون في المصطلح تكريسا للتمييز الذي ما فتئت الكاتبات/النساء يناضلن من أجل إلغائه. إضافة إلى أن ثنائية مع/ ضد قد اغتنت من سياقات خارج أدبية، مثل السياق الحقوقي، ثم النسائي، مما أعطى المصطلح بُعدا مطلبيا وحقوقيا، وجعل المرأة هي جوهر المصطلح، والكتابة الأدبية مجرد موضوع تابع ولاحق. ولذا، تم تحويل المصطلح من شرطه التأسيسي والمعرفي إلى شرط آخر له علاقة بالدفاع عن المرأة، وعن أحقيتها في التعبير الرمزي أكثر من الدفاع عن الوعي بالأدب، وهو يتحول مع موقع المرأة – الذات .
أنتجت هذه المقاربة انشغالا مُختلفا لجوهر اشتغال المصطلح. لهذا، كان التحديد النظري إجراء منهجيا ومعرفيا لإعادة المصطلح إلى سياقه المعرفي- الأدبي، وجعله يُنتج حالته الثقافية التي عبَرت عن ثقافة جديدة في تدبير الشراكة الممكنة بين الرجل والمرأة، في سبيل خلق التوازن الوجودي في العالم. لذا، كانت عملية إرجاع المصطلح إلى حقله التأسيسي، الذي أنتج شرعيته، وهو الأدب، وراء التخلي عن السياقات اللاأدبية، التي قد تُشكل عناصر مساعدة في فهم العوامل المساعدة في ظهور المصطلح، من دون أن تكون قادرة على تحليل خطاب المصطلح. مع ذلك، بقي الاقتراب من مصطلح «الكتابة النسائية» في التجارب العربية يعرف اختلافا في الوعي به، والتعامل معه، وتحديد دلالته. ولعل الاختلاف يعود إلى أسباب بنيوية ذات علاقة بمكتسبات المرأة في التدبير السياسي والاجتماعي والاقتصادي في كل بلد عربي من جهة، وفي الوعي الثقافي بتناول المصطلح انطلاقا من سياقه الأدبي، وليس من داخل السياقات الخارج أدبية من جهة ثانية. ولهذا، نلاحظ بداية الاهتمام بالمصطلح اليوم في تجارب عربية، من خلال ظهور دراسات، وكتب نقدية، وبداية انخراط البحث العلمي في الدرس النسائي، مع أطروحات جامعية وبحوث علمية، وبداية الاهتمام بتنظيم لقاءات خاصة بأدب المرأة، في الوقت الذي نرى فيه المصطلح وقد بدأ يعرف فتورا في الاهتمام والانشغال النقدي والثقافي والعلمي في تجارب عربية أخرى، بعد أن عرف اهتماما كبيرا في النقاش الثقافي والنقدي والأدبي.
إن حضور المصطلح في المشهد الثقافي، سواء باعتباره سؤالا أو خطابا، لا تقف وراءه فقط رغبة الاهتمام بكتابة المرأة، وتحليل خطابها، والوقوف عند المفاهيم التي تنتجها المرأة – الكاتبة عندما تكون ذاتا فاعلة، وليست مفعولا، إنما يعبر ذلك الاهتمام – بدرجات مختلفة، ونسب متفاوتة في الوعي- عن تحول تاريخي في تجربة مجتمع وسياسة وقبلهما في تجربة ثقافة، أي تحول في الوعي بالأشياء. لهذا، فإن حركية مصطلح «الكتابة النسائية» تحمل معها دلالات سياقية تاريخية. لذا، نفترض عودة المصطلح من جديد في التجارب التي تجاوزته، نظرا للحاجة التاريخية التي تفرض التذكير بدور المرأة في تحقيق الشراكة، المنطق الذي يعتمده الزمن الراهن، ويدفع باتجاه تأصيله في مختلف مظاهر الحياة، سعيا لتحقيق الديمقراطية، وجعل المرأة شريكا فعليا في تدبير العالم بإنتاج مفاهيمه وتصوراته. كان المغرب من بين الدول القليلة عربيا التي انخرطت في ثقافة المصطلح، وتبنت سؤاله، وانتصرت للشرط التأسيسي للمصطلح، وعرفت تطورا في مستوى الاهتمام بكتابة المرأة علميا وثقافيا، وقد تزامن الاهتمام الثقافي بالتحولات السياسية التي عرفها المغرب السياسي، خاصة خلال العقد الأخير من القرن العشرين، ومع تجربة ما عُرف بالانتقال الديمقراطي، ما جعل المصطلح يفعل في شرط موضوعي، سمح له بتحرير كتابات المرأة المغربية من الصمت النقدي، كما أنتج المصطلح خطابا ثقافيا يُضيء صوت المرأة، وأهمية هذا الصوت في خلق التوازن في الحياة والمجتمع والتاريخ. فأصبح المصطلح إجراء معرفيا ومنهجيا لتحرير الذاكرة الجماعية من التصورات المألوفة حول المرأة، باعتبارها مجرد موضوع منظور إليه. لقد أهَل خطاب المصطلح الوعي الاجتماعي والثقافي بالانتباه إلى دور المرأة في تحقيق الشراكة كخطوة نحو الديمقراطية. لكن، هل تأثر الوعي الحزبي والسياسي بخطاب المصطلح؟ لعلنا نرصد بعض الأجوبة من تجربة انتخابات رؤساء مجالس الجماعات التي عرفها المغرب خلال منتصف هذا الشهر، والتي تُعيد تأكيد غياب المرأة – الشريك في الوعي الحزبي والسياسي، الذي ما يزال يستثمر المرأة في الدعاية الانتخابية، ويعتبرها وسيطا مهما مع المجتمع، ويستغل قضيتها في برامجه الانتخابية. يُعرقل هذا السلوك الحزبي- السياسي عملية الانتقال من مرحلة الانتقال الديمقراطية إلى مرحلة تثبيت الديمقراطية، من خلال تحقيق شراكة منتجة تفعل فيها المرأة بقراراتها وصوتها ووعيها واقتراحاتها. عندما ظهر مصطلح «الكتابة النسائية» لم يكن يعني مجرد الحديث عن كتابة المرأة، وقراءة كتابتها من أجل الاقتراب من بوحها، وإنما ظهوره كان يُعبر ـ بطريقة ضمنية- عن حاجة اللحظة التاريخية لثقافة هذا المصطلح، من أجل الانتباه إلى ما ينقص العالم من وجهة نظر المرأة، وما تحتاجه السياسات من شكل مختلف لقرارات قد تُعيد الصواب إليها. لم يكن المصطلح تعبيرا عن أحقية المرأة في الكتابة، فالمرأة عبرت منذ وجودها عن شكل وعيها بطرق رمزية مختلفة، إنما كان جوهر ظهور المصطلح هو الوعي بنظام الخصوصية النسائية باعتبارها موقفا وصوتا وشريكا في التدبير.
إن إعادة استحضار المصطلح في الثقافة الراهنة، يعد تحديا للخطاب/ السلوك الحزبي والسياسي، الذي ما يزال يستهلك ذاكرته المتوارثة في التصورات، وما يزال يُعمق ازدواجيته التي تفضح فشل مشروعه السياسي. عندما يفشل الخطاب في أجرأة المفاهيم، وجعلها سلوكا وممارسة، فإن الخطاب يُدمر نفسه بنفسه. لقد عبرت الكتابة الروائية النسائية عن هذه الازدواجية التي تحمل بذرة فشل خطابات الأحزاب والتحرر والحداثة، ويكفي أن نستحضر هنا، رواية «عباد الشمس» للكاتبة الفلسطينية سحر خليفة، من خلال تشخيص مشهد صحافي بطريقة السخرية من هذه الازدواجية. فقد قدمت الشخصية الروائية «رفيف» التي تحمل قضية المرأة إلى جانب قضية الأرض، ولا ترى فصلا بين القضيتين، مستفيدة بذلك من تجربة المرأة الجزائرية مشروعا لتعديل زاوية المرأة حتى تتماشى مع مشروع التحرر العام، غير أن الجو العام الذي وصفته الساردة بنوع من السخرية ما يزال يتعامل مع خطاب المرأة بنوع من اللامبالاة، ويثير الضحك، و»قهقه سالم وهو يهز رأسه، وضحك الآخرون وكل من زاويته يداعب زاوية المرأة» (ص 145)، لأن الوعي السائد والمُدعم بإرث من الذاكرة الجماعية، ما يزال يعتقد بأن قضية المرأة تخص المرأة فقط، «فما زالت الزاوية مملكتك تصنعين بها ما شئت» (ص145). إن مصطلح الكتابة النسائية بهذا التوظيف، لا يخص فقط كتابة المرأة التي تحمل خصوصية صوت المرأة، وشكل صياغتها للمفاهيم، إنما يصبح – حسب أجرأة المصطلح- مظهرا للوعي بالآخر الذي لم يتمكن بعد من تحرير ذاكرته، ومن ثم تحرير سلوكه من التصورات الجامدة. خطاب الكتابة النسائية يتحدى الفعل الحزبي – السياسي، ويجعله أمام وعيه الازدواجي الذي هو سبب الخلل الديمقراطي.
روائية وناقدة مغربية
زهور كرام